حلاوة البدايات
لا أعلم لماذا، في كل مرة تقودني الكلمات إليك، ربما أن طيفك ما زال يحدثني. كلماتك ما زالت تتردد في أذني، وأفكارك أحيانًا تتقمصني، أو ربما أكتب عنك لأنني لم أجد بعد ما يستحق الكتابة.
كتابتي عنك كانت هي المحطة الأخيرة لأوثق رحلتنا معًا. لقد كانت رحلة شيقة وممتعة في بعض محطاتها، وبغيضة ومؤذية في محطات أخرى، ثم اكتشفنا أن تلك لم تكن رحلة، بل كانت إحدى محطات الانتظار ليعاود كلٌّ منا رحلته.
في الحافلة، وفي طريقنا إلى مكان ما، بدأت الرحلة. من هناك كانت البداية، ولكن من يعلم متى كانت النهاية! حاولت أن أتذكر ذلك دون جدوى، قد نظن أنه عندما غادرت واختفيت نهائيًا، ولكن النهاية كانت قبل ذلك بكثير.
أتعلم لماذا غادرت يا ورد؟ لأنني شعرت أن رحلتنا معًا قد انتهت، ولم يعد شيء كما كان. غادرت بعد أن عدنا غرباء كما كنا قبل أن نلتقي. أتتذكر تلك الكلمات: نعود ويعودون غرباء؟ إنها حقيقة يا ورد، وليست مجرد كلمات، فبعد أن عدنا غرباء كما كنا، لا ضير من المغادرة، أليس كذلك!
كان لقاؤنا مصادفة عند ذهابنا للغناء في احتفال خيري في إحدى الضواحي، فقد مرض الملحن الخاص بتلك المجموعة، وذهبت أنت كملحن بديل، لنجتمع كغريبين في نفس الحافلة، ذاهبان لنفس الغرض، وهو إحياء الاحتفال الخيري.
كما كانت أسماؤنا أيضًا مصادفة، فقد أحببت الورد كثيرًا، وكنت أنت ورد، وكنت تحب السكر وتضيف الكثير منه إلى قهوتك، وكنت أنا سكر.
في يومٍ ما أخبرتني أن العسل ألذ من السكر، أجبتك حينها بأن للسكر مميزات لا تتوفر في العسل، فالعسل تأخذه كما هو، لا تستطيع أن تضبطه كما يناسبك، وقد يشعرك بالغثيان بسبب طعمه الحلو، ولكن السكر أنت من تتحكم في نسبته زيادةً ونقصانًا حسب ما يناسبك. لقد كنا نتحدث عن السكر يا ورد، وليس عني، ولربما اختلطت عليك الأمور وظننت أن الأمر ذاته ينطبق عليّ.
من المفارقات أنني يا ورد لم أرك تحمل وردة قط، وكذلك مع أن اسمي سكر، لم أكن أُكثر من السكر. ربما لم يكن لنا من اسمينا نصيب، أو ربما كما قلت ذات يوم، كان لنا وفرة من اسمينا لدرجة أن اسمي جعلني أكتفي بإضافات بسيطة من السكر، وبوجودك كأن يتم الاستغناء عن الورود. كلٌّ منا كانت له أفكاره، ومعتقداته، وتفسيراته، لم نكن نجتمع على رأيٍ واحد قط، لم تجمعنا فكرة، أو حتى اعتقاد. لم يجمعنا سوى الاختلاف، الاختلاف هو ما جمعنا، وهو ما فرقنا أيضًا.
كانت الورود تزين طاولتي دائمًا، ولكني بعد أن عرفتك توقفت عن جلبها، فقد أصبحت أنت تزين حياتي، فما حاجتي للورود مع وجودك في حياتي يا ورد. سألتني أمي ذات يوم: لِمَ توقفتِ عن شراء الورد يا عزيزتي؟! أجبتها بمرح بأنه حان الوقت لأنتظر من يجلبها من أجلي!
أجابتني بلطف وبكلمات عميقة، وكأنها قد عرفت ما خلف إجابتي تلك: ولكن يا عزيزتي، لا يجب أن تنتظري من الآخرين أن يقدموا لكِ شيئًا بإمكانك أن تقدميه لنفسك، فالورد كالحب والاحترام والإخلاص والثقة، لا يجب أن تنتظريهن من الآخرين، فلتقدمي لنفسك كل هذا، أحبي نفسك كثيرًا، احترميها وقدريها، ولا تضعيها في مواقف لا تليق بها، ثقي بنفسك وكوني مخلصة لها، واجلبي لها الكثير من الورود أيضًا. عندها فقط ستحصلين على بعض هذا من الآخرين، وإن لم تحصلي فلن تكوني بحاجة لذلك.
سألتها بلطف: ماذا حدث؟ هل أنتِ متضايقة لأن والدي قد توقف عن جلب الورود من أجلكِ؟ لا تتضايقي، فهو قد كلفني بذلك بدلًا عنه، فأنا أجلب الورود لكلتينا.
نظرت إليّ مجيبة: أبدًا يا سكر، ذلك لم يعد يضايقني، لربما ضايقني في وقت ما، ولكن قد تجاوزت الأمر، فالورود لا قيمة لها ما لم تحمل الكثير من المشاعر، الكثير من الحب، والكثير من السعادة، فعندما تفقد مشاعرها يصبح الأمر وكأنك تجلب الصحيفة اليومية لأنك اعتدت على جلبها كل صباح.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!