الفصل الثالث : لحن الغياب
كنت قد أخبرتك في إحدى أحاديثنا أننا اعتدنا على بعضنا أكثر مما ينبغي، وأخبرتك أنني أخشى أن يكون الاعتياد على الأشخاص نوعًا من أنواع الإدمان الذي لم يتم حظره ولم تنشأ مصحات خاصة للعلاج منه.
لقد ابتسمت حينها وكأن تلك الكلمات ترضي غرورك، وأجبت في لا مبالاة: إن كان شيئًا جيدًا فلا ضير من الاعتياد عليه وإدمانه أيضًا.
اتعرف يا ورد كم أحببت الغناء، كأن فيه حياة لي، الغناء بالنسبة لي كالهواء، وبه ألتقط أنفاسي، فهل يستطيع الإنسان العيش بدون هواء؟ هذا ما كنت تطالبني به، أردت أن تقطع الهواء عني كي لا تتخلى عن القليل من كبريائك وتتقبلني كما أنا!
أخبرتني أنك تتمنى لو أتوقف عن الغناء، ضحكت حينها وقلت لك: لولا الغناء لما تعرفنا على بعضنا وأصبحنا أصدقاء، فنحن نلتقي بمئات الأشخاص كل يوم، ولكن المميزون منهم فقط من يخلدون في ذاكرتنا أو يصبحون أصدقاءنا.
أجبتني بأنك تخشى عليّ من هذا العالم، وتريد أن تخبئني في عينيك كي لا يمسني أذى أو مكروه، تريد أن تحتفظ بصوتي في أذنيك، فهذا العالم لا يستحق سماعه!
أتعلم يا ورد، إن كنت تحبني حقًا، فالأجدر بك أن تخبئني في قلبك لا في عينيك، أن نحب أحدًا لا يعني أن نخبئه عن العالم أو أن نصادر صوته وحريته، علينا أن ندعمه ونقف جواره ليتمكن من الوقوف في وجه العالم، ليتمسك بما يريد ويحارب العالم إن لزم الأمر، علينا أن نسنده ولا نسمح له بالسقوط، وإن سقط تكون يدانا هي أول ما يمتد ليساعده على الوقوف مجددًا.
يجب أن تعلم أنه كان يجدر بك منذ البداية أن تبحث عن صديقة لطيفة، متواضعة، متفهمة، حسنة الظن، لا تحب الغناء، وتكره التحليق خارج الأسوار التي تضعها لها. أما أن تبحث عن النقيض ثم تحاول أن تبدل غرورها تواضعًا، وعنادها تفهمًا، وتقص أجنحتها، وتصادر صوتها، فهذا صعب للغاية.
السيئ أن ذلك ما يحدث معنا غالبًا؛ نختار أشخاصًا لا يناسبوننا ثم نحاول أن نعيد تشكيلهم ليتناسبوا مع تلك الصورة الكامنة في مخيلتنا، والتي ترسخت في عقولنا منذ زمن. نحاول محو هويتهم وقناعاتهم وذواتهم ليتماهوا مع تلك الصورة التي رسمناها مسبقًا، متناسين أن ما جذبنا إليهم كان اختلافهم، ما شدّنا نحوهم هي تلك الصفات التي نقنعهم بالتخلي عنها.
وفي تلك المرحلة، إما أن ننتهي إلى فراقهم إن لم يتحولوا كما نشاء، أو إن كنا الطرف الأكثر محبة نحاول التضحية من أجل تقبلهم كما هم، ونعيش بقية حياتنا نشفق على أنفسنا لهذه التضحية، ولا نكف نذكرهم ونمنّ عليهم لتقبلنا لهم كما هم. وإن كانت محبتهم لنا هي الطاغية ووافقوا على التضحية من أجلنا بتخليهم عن اختلافهم وتقبلهم لتلك الصورة التي نريدها، ينتهي بنا المطاف نبحث عن شخص آخر مميز ومختلف، لأن ما بين أيدينا فقد اختلافه ومميزاته وأصبح عاديًا لا يثير إعجابنا.
بدلًا عن كل هذا العناء، كان الأسهل أن نبحث من البداية عن تلك الصورة التي تسكن مخيلتنا وتتناسب مع أذواقنا، فلا نقع في شرك التضحية ولا نوقع الآخرين فيه.
هل تتذكر فتاة القيثار؟ بفضلها اكتشفت جزءًا كبيرًا من شخصيتك. التقينا بها مصادفة، سلمنا عليها، وبعد ترديد بعض عبارات الترحيب ذهبت لتجلس في إحدى الزوايا وانشغلت بقيثارتها، وجلسنا نحن لنكمل حديثنا، ولكنك فجأة غيرت مسار حديثنا ليصبح محوره فتاة الموسيقى.
لا أخفيك أنني شعرت ببعض الضيق من تحول مسار الحديث، ولكنني حاولت بلطف أن أجيبك عن كل الأسئلة التي دارت في رأسك عنها.
ما أثار دهشتي هو أنك بعد ذلك الحديث اختفيت لبضعة أيام. كنت قلقة عليك، خصوصًا أنني لم أعتد على اختفائك منذ تعرفت عليك قبل شهر ونصف، وأنت تحيطني باهتمام مبالغ فيه، لدرجة أنني أخبرتك يومًا ما أنك تخنقني باهتمامك.
فقد كان من الصعب أن أتقبل تصرفاتك، كنت تحاول خلال شهر واحد فقط من معرفتنا ببعضنا أن تعرف كل تفاصيل يومي، عائلتي، أصدقائي، وحتى أفكاري. كنت حقل تجاربك؛ أردت أن تختبر غيرتي، غضبي، ثقتي، تفكيري، كنت تفرض نفسك على كل دقائقي وساعاتي.
ألم تعلم أن الوقت كفيل بأن يكشف لك كل شيء؟ هل كنت في سباق مع الزمن؟ أم أنك شعرت أنه لا ينبغي أن تضيع الكثير من وقتك مع فتاة ما؟
هذه هي الاستراحة الأولى التي تعطيني إياها منذ شهر تقريبًا. شعرت ببعض القلق لاختفائك المفاجئ واستمر اختفاؤك لأيام.
بعد بضعة أيام رأيتك تمشي جوار فتاة الموسيقى، كنتما تشربان العصير ومنهمكان في النقاش. ضحكت على حماقتي حينها، فقد ظننت أن مكروهًا أصابك، وبعد أقل من أسبوع عدت لتجلس جواري.
في أحد أحاديثنا أخبرتُك أن فتاة العيد تبدو مهتمة لأمرك، وقلت لك كم هي فتاة لطيفة وطيبة القلب، وحاولت إقناعك؛ فأنت بكل تعقيدك قد تحتاج إلى فتاة بوضوحها لتحتويك.
نظرت إليّ بامتعاض وقلت إنها لا تشبهني.
أخبرتك حينها أنها النصف الذي يكملك؛ فالتعقيد يحتاج إلى بساطة، والغموض يحتاج إلى وضوح، ثم إن كليكما إن كنتما معقدين وغامضين فلن تتمكنا من التفاهم.
رددّتَ باستعلاء، منهياً الحوار: إن قلبكِ ملكٌ لفتاة أخرى، وليس هناك فرصة لفتاة العيد أو حتى لغيرها للوصول إلى قلبك.
ولا أعلم لماذا شعرت أنك بكلمة “غيرها” تلك تقصدني، وكأنني كنت أحاول جاهدًة الوصول إلى قلبك.
ومع ذلك ابتسمتُ بغيظ وأجبتك بأنها لا تريد الوصول إلى قلبك، هي تريدك كصديق وليس شيئًا آخر، ولم أعد أعرف إن كنت أتحدث عن فتاة العيد أم عن نفسي في تلك اللحظة.
بعد ما حدث مع فتاة القيثار أدركتَ أنك تحب كل ما هو جديد؛ يجذبك ويشد انتباهك كل ما يلمع، ولكنك سرعان ما تقترب من الأشياء لتجد أنها لم تكن بالروعة التي ظننت، وسرعان ما يخفت بريقها في عينيك، ويتلاشى انجذابك لها، لتعود إلى محطة الانتظار من جديد.
وللأسف كنتُ أنا هي تلك المحطة التي تعود إليها بعد كل خيبة، بعد كل تجربة، وبعد كل فتاة جديدة. لا أعلم لماذا لم أكن أنا أيضًا إحدى تلك التجارب قصيرة المدى، لماذا استمرينا لأعوام.
بعد ذلك أدركتُ أنه في كل مرة كنتَ تغيب فيها بدون سبب لعدة أيام ثم تعود بدون تبرير، أن في الأمر فتاة؛ فمرة كانت فتاة الموسيقى، وأخرى كانت فتاة الخط، وغيرها من المرات. وعندما شعرتُ بالضيق من هذا الوضع أخبرتك أنه لا يمكنك الاختفاء متى شئت والعودة متى تشاء وبدون مبررات.
حاولت أن تلعب على وتيرة أخرى وسألتني: وهل تقلقين علي عندما أختفي؟ هل تهتمين لأمري؟ حقًا أخبريني ماذا أكون بالنسبة لك؟
أخبرتك أن الأمر لا علاقة له بالخوف أو القلق أو حتى الاهتمام، فقط إن من يختفي بإرادته لن أسمح له بالعودة مجددًا.
لقد اعتذرت لي حينها، ولم تحاول حتى أن تعطي تبريرًا مقنعًا لاختفائك المفاجئ.
أصبحتَ في كل مرة تقرر الاختفاء فيها تجد طريقة ما لاختلاق مشكلة، وإن لم تجد تعود لتسألني: من أكون بالنسبة لك؟ وفي كل مرة أخبرك أنك صديقي المقرب، تجادلني قائلًا إننا لسنا أصدقاء وإن علاقتنا أكبر من الصداقة، وفي كل مرة أحاول أن أقنعك أن الصداقة هي أعظم العلاقات وأن بقية العلاقات مآلها إلى الزوال، كنت تغضب وتخبرني أنه عليّ أن أحدد من أنت بالنسبة لي، وأنت تعلم جيدًا أنني سأرفض هذا التعامل ولن أوافق على أن تحصرني في زاوية كهذه، وأنني سأقرر الابتعاد عنك حتى تتوقف عن معاملتي وحصري بهذه الطريقة.
والمؤسف حقًا أن كلانا كان يعلم أن الأيام التي سأقضيها غاضبة منك هي المدة التي ستحتاجها لتقضي مغامرتك الجديدة.
أحيانًا من المؤذي أن نعرف الآخرين أكثر مما ينبغي؛ أن نقرأ صمتهم قبل كلامهم وعيونهم قبل ألسنتهم، أن نعرف متى يقصدون كلماتهم ومتى لا يقصدونها، أن ندرك ما وراء القصد والتصرفات. ولقد عرفتك أكثر مما ينبغي، لذلك كنت أدرك في كل مرة تحاول استرضائي فيها والعودة كأن لا خلاف بيننا أنك أصبت بخيبة أخرى، وأن فِتاتك الجديدة لم ترتقِ إلى مستوى أحلامك، وأنك تريد العودة إلى محطة انتظارك مجددًا وستحاول بكل ما تستطيع أن تفعل ذلك.
ولأنني لم أكن أقيدك بعلاقة خاصة، وكون الأصدقاء هم الملجأ لأصدقائهم بعد كل خيبة، كنت أحتاج للقليل من الوقت والكلمات ليرضى كبريائي وتعود وتيرة صداقتنا كما كانت. ولكن حتى وإن حاولنا أن نتظاهر أن كل شيء عاد كما كان، تبقى هناك أشياء عالقة بيننا لا يمكننا التخلص منها مهما تظاهرنا بالعكس.
سألتني في أحد الأيام بِلؤم عن الصفات التي أتمناها في شريك حياتي، شعرت حينها باللؤم في كلماتك، ولكني أردت أن أقطع الشك باليقين عندك وأوضح لك أنه لا مجال لأن نكون معًا.
فأجبتك أن لدي شرطين أساسيين لن أتنازل عنهما قط: الأول أن أكون حبه الأول والأخير، وأن لا يسكن قلبه غيري، سأكون له الماضي والحاضر والمستقبل، لن أسرق مكان أحد، أو أحاول أخذ مكان غيري، أو أكون الدواء الذي يضمد جراحه التي تسببت له بها فتاة أخرى.
والشرط الثاني أن يتقبلني كما أنا، ولا يطلب مني أن أتغير أو أتنازل من أجله، سيكون راضيًا وفخورًا بي كما أنا. حقيقةً لم أكن سأتنازل عن هذين الشرطين، وأردتك أيضًا أن تعلم أن كلا الشرطين لا يتوفران فيك، كي لا تأخذك أفكارك بعيدًا.
ولكن حتى شرطيّ لم يسلما من جدالك، نظرتَ إليّ تلك النظرة التي تدل على أنك ستبدأ في جدال لا نهاية له، وقلت: بالنسبة لشرطك الأول فلن يستطيع الإنسان تغيير ماضيه، ولكن بالنسبة لحاضره ومستقبله فأنتِ وحدك من تستطيعين أن تملئيهما أو تتركي فيهما مكانًا لأخرى.
أما شرطك الثاني فعليكِ التفكير فيه مجددًا، فالحياة تتطلب الكثير من التنازلات، واعلمي أن شروطك تحتاج إلى تعديل.
أجبتك متظاهرة بالبرود: دعك من هذا الحديث، فشروطي غير قابلة للنقاش أو التعديل، إنها ليست مجرد شروط، إنها معتقدات وحقوق لن أتنازل عنها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!