الفصل الثاني :لحن الافكار
لم أخبرك من قبل يا ورد أننا أصبحنا أصدقاء بعد أن قرر كلانا ذلك في مخيلته، لربما ظننت أننا أصبحنا أصدقاء لأنك مزعج وفضولي، أو بسبب إزعاجك المتواصل وأسئلتك الفضولية والألغاز التي كنت أنجذب إلى حلها والتفكير بها، أو تظنه حدث صدفة كما كان لقاؤنا الأول صدفة.
لكن الأمر يختلف تمامًا، نحن لسنا مجرد استجابات لما يدور حولنا، إن عقولنا هي من تضع حجر الأساس قبل أن يدور أي شيء من حولنا، نحن نرسل أفكارنا، تنبؤاتنا، وحتى خيالاتنا على شكل ذبذبات إلى عالمنا الذي ما يلبث أن يحول هذه الأفكار أو الخيالات إلى أحداث.
عالمنا هو مجرد استجابات لما يدور في عقولنا، ولما نفكر فيه، ولما نريده أن يحدث أو نتخيل حدوثه، أو نخشى حدوثه، فحياتنا ليست إلا ترجمة لما فكرنا به، أو تخيلناه كثيرًا وسيطر على تفكيرنا، لذلك نحن نقرر أن نجعل مخاوفنا أو أحلامنا تسيطر على حياتنا، حسب الوقت الذي نقضيه في التفكير في أيٍّ منهما وتجسيده، وكذلك التصديق والاقتناع بأيّهما نختار.
وذلك ما حدث معنا، فمنذ رأيتك لأول مرة شعرت أننا سنصبح أصدقاء، وقتها كنت متضايقة وشعرت أنني بحاجة لصديق ما، كي نتحدث معًا ونضحك معًا وننسى كل ما يضايقنا عندما نكون معًا. وكنت تبدو شخصًا لطيفًا ومسليًا، أو على الأقل هذا ما ظننته حينها، وفي اليوم الذي عرفت اسمك فيه تأكدت من أننا سنصبح صديقين، وأن ذلك ليس مجرد شعور مؤقت.
سالتني في بداية تعرفنا احببتي احدهم من قبل صمت قليلا مفكرةظننت ان صمتي حينها تمنعاً فقلت لابأس جميعنا نحب حتى انا قد احببت ذات مرة ، اجبتك في براءة لقد كنت اعد الاشخاص الذي اعجبت بعم منذ طفولتي وحتى الان ان كان الاعجاب هو ماتسميه حباً . ضحكت في دهشة تعدينهم لما هل هم كثر انتي مازلتي طفله في السبعة عشر ، اجبتك انتظر لحظة هناك قريبي وولد جيراننا وزميلي في الابتدائية واخر انتقل الى مدرستنا والفتى اللطيف الذي يبيع الايسكريم ولا استطيع ان اتذكر البقية . ضحكت مطولاً ثم سالتني ماذا تقصدين بالحب يافتاة ! اجبتك انا اخبرتك انه ليس حب ولكنه استلطاف اعجاب او شي من هذا القبيل اما الحب فانا لا ااومن به اساسا. ابتسمت وقلت تلك مجرد مشاعر طفولية يا فتاة يظهر انك لم تحبي او تعجبي بأحد من قبل. تذكرت كلماتك وبفضول سالتك ماذا عنك من هي الفتاة التي سرقت قلبك يا رجل ! اجبتني بغموض ولمحت شي من الاسى في عينيك انها قصة طويلة وقد انتهت منذ سنوات ويزعجني الحديث في الامر . سالتك باستغراب ان كانت قد انتهت منذ سنين فلما قد يزعجك الحديث عن الامر ! اجبتني في تحسر ربما هي مازالت تمتلك قلبي حتى بعد كل هذه السنين ! زاد فضولي وسالتك عن اسمها ومتى تعرفت بها واين ولما انتهت قصتكم ! ولم احصل على الاجابات كلما حصلت عليه منك كان انها قد تزوجت وانتهى الامر وانها لم تعد تعني لك شي .
قلت لي في إحدى جدالاتنا إنك تراني مغرورة ومتكبرة، لا أعلم كيف لم أغضب منك، ربما السبب هو أنني من دفعتك لإعطائي إجابة صادقة لسؤالي لك عن أهم صفات شخصيتي.
أخبرتك أن شتان بين الغرور والتكبر، إنهما ليسا صفتين متلازمتين، فقد أعترف أن لدي بعض الغرور والإعجاب بنفسي، ولكنه لا يزيد عن كونه مجرد تقديرٍ للذات، فإن لم تحب نفسك وتقدرها فلا يجب أن تنتظر ذلك من الآخرين.
أما التكبر فهو بعيد كل البعد عني، التكبر يا ورد يعني أن ترى نفسك أفضل من الجميع وتحتقر البقية، لا لشيء، فقط لشعورك أنك أفضل منهم. فلتعلم أنني لست أفضل من أحد، ولا أحد أفضل مني، إنني لا أحب أن أقارن نفسي بالآخرين، فلكل منا سلبيات وإيجابيات، تعلم أن لا مجال للكمال بين البشر، وأنا أحدهم، لذلك لِمَ قد أتكبر؟ فإن لم تكن رمزًا للكمال فلا يحق لك التكبر.
يجب أن تعلم أنني بشوشة ومتواضعة مع كل من يستحق ذلك، وقد أترفع عن التعامل مع البعض أحيانًا، ليس تكبرًا ولا استصغارًا، ولكن تفاديًا للأذى. ولتعلم أن التكبر ليس إلا عقدة نقص بداخل المتكبر، يظن أنه بتكبره يخفي نقصه عن الآخرين.
ألقيت بكلماتي أدراج الرياح، وأصررت أنني بالإضافة إلى ذلك نرجسية. صحيح أنني أُعجب بنفسي وبتصرفاتي أحيانًا، ولكنني أُخطئ أحيانًا وأعتذر، صحيح أنني لا أتقبل النقد، ولكنني أتقبل النصح، وأصحح بعض تصرفاتي وأفكاري وحتى اعتقاداتي إن شعرت أنني مخطئة، أو وجدت من يقنعني بشيء ما، وأنت لم تكن تملك الحجج أو الطرق الجيدة في الإقناع.
سألتك ذات يوم عن الحب، هل هو من يطرق بابنا عنوة أم نحن من نبحث عنه؟! لقد كنت أظن حينها أنه يأتي دون إذن ودون وعيٍ منا، لا ندري كيف وقعنا فيه ولا حتى متى، يجعلنا مسلوبي الفكر والإرادة.
وكأن لك رأيًا آخر، قلت إننا نحب عندما نقرر ذلك، نحب عندما نريد ذلك، وإن الحب لا يأتي عشوائيًا، إنه عملية منظمة وإدراكية تبدأ بالاستصاغة، يليها الإعجاب، ليتفرع بعد ذلك إلى عدة فروع، فإما الحب أو الاحترام أو الصداقة أو النقيض.
سألتك: هل تؤمن بالحب؟ أنا أرى أنه مجرد كذبة، هو مسمى نضعه نحن لمشاعر أخرى، فمثلًا الوالدان، وهما بؤرة الحب كما يُعتقد، فهما لا يحبّان أبناءهما كما يشعرون، كل ما في الأمر أنهم في البداية يريدون شيئًا جديدًا ليضيفوه لحياتهم، وكحال أي شيء جديد تقتنيه يشد انتباهك وتعطيه كل اهتمامك، ثم يعجبون بوجوده، شيئًا فشيئًا يصبح الأمر مجرد اعتياد.
كذلك هو الأمر بالنسبة للأبناء، فهم يجدون أنفسهم بحاجة إلى والديهم، وبعد أن ينتهي الاحتياج يكون قد حل الاعتياد محله. والأمر ذاته بالنسبة للحبيبين أو الزوجين، في البداية يحدث الإعجاب، ثم يتحول ليصبح اهتمامًا، وسرعان ما يتحول إلى مجرد اعتياد.
أجبت أن من البديهي أن تؤمن به، فهو شعور حقيقي، ومن الغباء أن لا نؤمن به، وأن نظرتي للحب نظرة قاصرة، وأنني أفسر الحياة من منظور واحد!
فكما هو الحال في كل مرة نختلف فيها على فكرة أو موضوع معين، وقد كان هذا ما يحدث غالبًا، لم تكن تحاول إقناعي بفكرتك، بل كنت تحاول جاهدًا التقليل من وجهة نظري أو فكرتي، دون أن تبذل جهدًا لتدافع أو تتحدث عن وجهة النظر التي تتبناها.
في إحدى الصباحات الجميلة تحدثنا عنك بينما كنا نتناول الإفطار أنا وصديقتي، فاستفهمت عن تلك اللمعة التي زينت عينيَّ عند الحديث عنك، وسألتني حينها ما الذي تعنيه لي!
كانت تلك هي المرة الأولى التي أفكر فيها بإجابة لهذا السؤال، فأخبرتها أننا ربما أصدقاء مقربون! ابتسمت لي حينها محاولة أن تكون حانية وواقعية، لطيفة ومقنعة في الوقت ذاته، وقالت: فلتعلمي أن أي صداقة بين شاب وفتاة ليست إلا مشروع حب مؤجل. فهل أنتِ مستعدة لتقعي في الحب؟ وهل هذا هو الشخص الذي تريدين أن تقعي في حبه؟ هذا إن لم تكوني قد وقعتِ بالفعل!
إن لم تكوني متأكدة مما تشعرين به فلا تستمري في هذه الصداقة الزائفة، فكلما تعمقتِ وغصتِ أكثر، كلما ازدادت العودة صعوبة، وكلما قطعتِ مسافة أطول ازدادت تكلفة العودة، وقد لا تعودين سالمة من ذلك العمق ومن تلك المسافة، توقفي، ما زال بإمكانكِ ذلك.
أدرت كلامها في مخيلتي، ثم أجبتها: أنتِ لا تستطيعين فهم ذلك الشعور، إنه كالأخوة، لا علاقة له بالحب مطلقًا، وهل نسيتِ أنني لا أؤمن بالحب!
ابتسمت ساخرة وأردفت: أحقًا ما تقولين؟ أنتِ تعلمين أنكِ لستِ كأخته ولا هو كأخاكِ، فلِمَ لا تقضين الوقت مع أخاكِ؟ ما حاجتكِ لأخ إضافي، وما حاجته هو لأخت إضافية؟ لِمَ لا يقضي القليل من الوقت مع إحدى أخواته؟
أوقفتها قائلة: إن الأمر ليس كما تتصورينه، صدقيني، ولا تخشي عليّ، فأنتِ تعلمين أنني قوية، وبإمكاني التوقف والعودة أدراجي ما إن تطفو مشاعر غريبة على السطح.
أخبرتني في أحد لقاءاتنا أنك قد خففت من كميات السكر التي تتناولها بعد أن تعرفت عليّ، فأنت تخشى أن تصاب بالسكري، ولا يمكنك أن تجمع بيني وبين السكر في آنٍ واحد. لذلك ستكتفي بي وتتوقف عن تعاطي السكر عندما نكون معًا!
وأكملت: كيف لي أن أضيفكِ إلى القهوة، وإلى الشوكولاتة، وإلى الكعك أيضًا يا سكر؟
تجاهلت كلماتك تلك، وحاولت تغيير الموضوع كعادتي عندما أشعر بأن كلماتك بدأت تتجاوز صداقتنا.
سألتني في أحد الأيام إن كنت أعرف ما هو السحر الحلال؟ أجبتك باستنكار: وهل هناك سحرٌ حلال!
ضحكت حينها وطلبت مني أن أفكر، وعندما لم أجد ضالتي قلت لي: إنها الابتسامة.
أثارت دهشتي تلك الإجابة، ثم سرعان ما تساءلت في ابتسامة لطيفة: أوليست الابتسامة صدقة؟ منذ متى تحولت إلى سحر؟ أظنك تحور المعاني كما تشاء.
ظننت أن كلماتي تلك ستثير حفيظتك، وتبدأ في نقاش حاد لتثبت كلامك، ولكنك فاجأتني بقولك: ابتسمي، فبابتسامتكِ أُزهر.
تحولت ابتسامتي حينها إلى ضحكة، مما أثار استغرابك، وقلت لي: لِمَ تضحكين!
كنت أضحك لأنك تقمصت دور الورود حقًا، لا تنسَ أن اسمك هو ورد، ولكنك إنسان ولست وردة لكي تزهر.
أجبتني بلطف: ولكننا مثل الورد تمامًا يا سكر، نحتاج إلى الماء والهواء والضوء، كما نحتاج للعناية والاهتمام والكثير من الحب!
لا تبالغ يا ورد، فبالإضافة إلى العناصر الأربعة اللازمة لنمو النبات قد تحتاج لبعض العناية، أما الحب فكيف ستضيفه إليها؟ وكيف ستستفيد منه!
أجبتني قائلًا: نعطيها جرعات من الحب عندما نبتسم لها، نخصص لها وقتًا للاعتناء بها والحديث معها، عامليها بحب وتقدير وأشعريها بذلك، وصدقيني ستزهر أسرع من غيرها، وستصبح أكثر جمالًا وبهاءً، هي تمتص الإشارات والكلمات والمشاعر أيضًا من حولها، وتترجمها على هيئة نمو وتورد أو ضمور وذبول.
منذ ذلك اليوم يا ورد، وأنا أتوقف أمام كل الورود الجميلة وكذلك الذابلة منها، أبتسم لها وأخبرها كم هي جميلة وألوانها رائعة، وأتمنى لها أن تصبح أكثر جمالًا في المرات القادمة.
سألتك: لماذا تكرر اسمي كثيرًا في حديثك معي؟ فليس هناك سوانا، وبإمكانك أن تحدثني دون الحاجة لتكرار اسمي.
أجبتَ: إنك تحب أن تتذوق كل حرف من اسمك، فاسمك له مذاق خاص، ولا أستطيع التفريط بتلك النكهة!
علّقت ساخرة: وهل لكل اسم مذاقه الخاص في فمك؟
أجبتَ بخبث وقد فهمتِ قصدي: الأمر لا ينطبق على كل الأسماء، بعضها فقط يتميز بمذاق حلو، واسمك أكثرها حلاوة.
رددت عليك بعصبية: ها أنت مجددًا تخلط بيني وبين السكر، فأنا إنسانة ولست السكر الذي تظن أنه بإمكانك إذابته في قهوتك بسهولة.
رددتَ غاضبًا: أنتِ ماهرة في الرد بسخرية أو عصبية على أي لحظة قد تبدو رومانسية بيننا، أظنكِ تعشقين اختلاق المشاكل.
أجبتك حينها بغضب مماثل: بل أنت من تعشق اختلاق القصص، أظنك تقرأ الكثير من القصص الرومانسية وتحاول أن تطبقها على أرض الواقع، لماذا تتجاهل أننا مجرد أصدقاء؟ نحن لسنا شيئًا آخر ولن نصبح، فتوقف عن محاولتك لخلق علاقة أخرى بيننا، لأن هذه المحاولات حتمًا ستفسد صداقتنا في يوم ما.
ولكن كعادتك تجاهلت كلماتي، وعرضت عليّ كأسًا من الليمون لتهدئة أعصابي، ونصحتني أن أُكثر من شرب الليمون.
لاحقًا عرفت أن تكرار أسماء الأشخاص إحدى الحيل النفسية التي تشعر الآخرين بالاهتمام بهم وتجعلهم يتعلقون بك. وكأنك كنت بحاجة لتطبيق حيلك النفسية لتتأكد من مدى تعلقي بك.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!