كَربُ الفلاةِ!
يا ربِّ، إنّي قد أويتُ إليكَ وقد أضناني ما لا أُسمّيه، وأتعبني ما لا أعيه، وأثقلَ صدري همٌّ لا أدري من أينَ أتى، ولا إلى أينَ يمضي.
كأنَّ في جوانحي ريحًا هوجاء، لا تهدأُ إذا سكنتِ الريح، ولا تسكنُ إذا هدأتِ السماء؛ تعصفُ بي في السكون، وتوقظُ في الليلِ ألفَ شجون، وتذرُ في الصدرِ من ضيقِها ما لا تذروهُ الرياحُ من رمادِ نارٍ خمدت.
يا ربِّ، ما لي أضيقُ ولا أرى سببًا، وأحزنُ ولا أرى مصابًا، وأبكي ولا أعرفُ للدمعِ بابًا؟
ما لي أُجالسُ القومَ وجهي بينهم، وقلبي عنهم غريب؛ أسمعُ الضحك، وفي صدري نحيب؛ أرى الشمسَ مشرقةً، وفي روحي ليلٌ لا يغيب.
أُفتِّشُ في نفسي عن علّةِ هذا الوجع، فلا أجدُ إلا وجعًا يفتِّشُ عن علّة.
وأقلبُ ليلي على فراشي كما تُقلبُ الريحُ رملَ الفلاة؛ فلا نومٌ يُغيث، ولا سُهادٌ يريح، ولا خاطرٌ يستكين.
يا ربِّ، إن كان هذا الهمُّ من ذنبٍ لا أذكره، فاغفره؛ وإن كان من تقصيرٍ لا أشعرُ به، فاجبره؛ وإن كان ابتلاءً لا أفهمُ حكمتَه، فاصبرني عليه، وإن كان بابًا إليكَ قد أغلقتهُ غفلةٌ مني، فافتحهُ برحمتكَ قبلَ أن يغلقَ دوني عمري.
إلهي، أنا عبدُكَ الذي أقبلَ إليكَ ولا يحملُ بين يديكَ إلا فقرَه؛ لا جئتُكَ بعملٍ أزهو به، ولا بطاعةٍ أستكبرُ بها، وإنما جئتُكَ بقلبٍ مُكدَّر، وصدرٍ مُكدَّر، ورجاءٍ لا يملكُ إلا أن يقول:
يا ربِّ.
يا ربِّ، إنّي لا أحسنُ وصفَ ما بي، فأنتَ أعلمُ بي مني؛ ولا أُحسنُ تسميةَ وجعي، فأنتَ أعلمُ باسمه ومبدئه ومنتهاه.
أنتَ الذي تعلمُ ما تخفي الصدور، وتسمعُ ما تعجزُ الألسنُ عن قوله؛ فخذْ عني ما عجزتُ عن حمله، وارفعْ عن صدري ما ضاقَ به صدري، وأبدلْ وحشةَ قلبي أُنسًا، واضطرابَه سكونًا، وحيرتَه يقينًا.
يا ربِّ، إن كان في قلبي جرحٌ لا أراه، فداوِه؛ وإن كان في نفسي خوفٌ لا أعرفه، فأمّنه؛ وإن كان في صدري حزنٌ لا أفهمه، فأنزلْ عليه من رحمتكَ ما يُنسيه.
فأنا كظمآنَ في بيداءَ لا يرى ماءً، وكحائرٍ في ليلٍ لا يرى نجْمًا، وكطريدٍ أضناهُ طولُ السيرِ ولا يدري أيَّ طريقٍ يسلك.
ولكنّي أعرفُ طريقًا واحدًا لا يضلُّ سالكُه:
إليكَ يا ربِّ.
إذا ضاقتِ الأرضُ بما رحبت، فأنتَ أوسعُ من ضيقها؛ وإذا أظلمَ الليلُ بما اشتدَّ، فنورُ رحمتكَ لا يَخبو؛ وإذا عجزَ القلبُ عن حملِ قلبِه، كنتَ أنتَ له الحِملَ والحِصنَ والسند.
يا ربِّ، لا تجعلني أُقيمُ في حزني حتى يصيرَ لي وطنًا، ولا في خوفي حتى يصيرَ لي سجنًا، ولا في وحدتي حتى أنسى أنَّكَ معي.
أخرجني من نفسي إذا ضاقتْ بي، وردَّني إليكَ إذا تاهتْ بي، وأيقظني من غفلتي إذا غلبتْني.
يا ربِّ، إنّي لا أطلبُ أن أعرفَ لماذا أتألمُ قبلَ أن تطمئنَّ روحي؛ أطلبُ منك أن تطمئنَّ روحي، ولو بقيَ السؤال.
ولا أطلبُ أن تكشفَ لي الغيبَ كلَّه؛ حسبي أن تكشفَ عن صدري غمامةَ الحزن.
ولا أطلبُ طريقًا بلا وعثاء؛ أسألكَ قلبًا ثابتًا إذا وعثَ الطريق، ونفسًا راضيةً إذا طالَ المسير، ويقينًا لا تزعزعُهُ ريحُ الأيام.
فيا ربِّ...
إن كان هذا الليلُ امتحانًا، فاجعلْ آخرَه فجرًا.
وإن كان هذا الهمُّ عابرًا، فلا تجعلْه مقيمًا.
وإن كان هذا الوجعُ رسالةً، ففهّمنيها بلطفك.
وإن كان هذا الضيقُ بابًا، فافتحهُ لي إلى رحابِكَ.
وإن لم يكن لي في نفسي قوةٌ أُقيمُ بها، فمدَّني من قوتكَ بما يكفيني.
لقد تعبتُ من سؤالِ نفسي: ما بي؟
فآنَ لي أن أسألَ ربّي:
متى يجيءُ الفرج؟
ثم أسكت...
فما بينَ السؤالِ والجوابِ إلا رحمةٌ منك، وما بينَ الكربِ والفرجِ إلا لطفٌ لا أراه.
فاجعلْ لي يا ربِّ من هذا الوجعِ أجرًا، ومن هذا الهمِّ تطهيرًا، ومن هذا الليلِ نورًا، ومن هذا الانكسارِ قربًا.
وألقِ على صدري سكينةً لا أعرفُ مصدرَها إلا أنت؛ سكينةً إذا هبَّتْ رياحُ الهمِّ لم تقتلعْها، وإذا أقبلَ ليلُ الحزنِ لم تُطفئْها، وإذا ضاقتْ بي نفسي قالتْ لي:
إنَّ لكَ ربًّا لا يضيعُ عنده قلبٌ لجأ إليه.
شَكْوَى إِلَى رَبِّ السَّمَاءِ
ألا يا ليلُ، طالَ بيَ السُّهادُ
وأضنى مُهجتي طولُ العِنادِ
أُكابدُ في الحشا وجعًا خفيًّا
وأجهلُ ما بهِ، وإلى مَنادي
كأنَّ الهمَّ في صدري بعيرٌ
أناخَ، فلا يريمُ عن الفؤادِ
أُقَلِّبُ ناظري في الليلِ حيرانًا
وأرصدُ في السماءِ بقايا سُهادِ
فلا نجمٌ يُجيبُ إذا دعوتهُ
ولا بدرٌ يُبدِّدُ لي سَوادي
ولا أدري أهذا الحزنُ ذنبي
أمِ الأيامُ ألقتْهُ اعتيادِ؟
فيا ربَّ السماءِ، إليكَ أشكو
ثِقالَ الهمِّ، واضطرابَ فؤادي
أتيتُكَ لا أُحصي ذنوبي
ولا أرجو سوى عفوٍ وزادِ
أتيتُكَ والرجاءُ لديَّ زادٌ
وإن قلَّتْ بضاعتي وزادي
فإن كانَ الذي في الصدرِ داءً
فداوِه، يا طبيبَ بلا نفادِ
وإن كانَ ابتلاءً فاجعلِ الصبرَ
رفيقَ القلبِ في دربِ الشدادِ
وإن كانَ الضلالُ أصابَ قلبي
فردَّ القلبَ نحوَكَ بالرشادِ
وإن كانَتْ همومي لا تُسمّى
فأنتَ العالِمُ الخافيَ البادي
تعلمُ ما أُخفي وما لا أستطيعُ
بيانَهُ، وما عجزتْ أيادي
فلا تجعلْ مصيبتيَ استدامتْ
ولا تجعلْ أسى قلبي مُعادي
وألقِ على فؤادي منك سِلمًا
يُبدِّدُ وحشةَ الليلِ الممادي
وأوقدْ في دجى روحي سراجًا
إذا ما ضلَّ دربي في الوهادِ
فكم من كربةٍ حسبَ الفتى أنْ
بها هلكَ، فأنقذَهُ المنادي
وكم ليلٍ ظنناهُ بلا فجرٍ
فشقَّ الصبحُ أستارَ السوادِ
فيا رباهُ، إن ضاقتْ رحابي
ففضلكَ أوسعُ الدنيا رحابا
وإن ضاقتْ عليَّ النفسُ يومًا
فبابُكَ لا يُضَيَّقُ بالسُّهادِ
إليكَ رفعتُ كفَّيَّ انكسارًا
وما لي بعدَ رحمتكَ اعتمادي
فخذْ عني ثِقالَ الهمِّ لطفًا
وألبسْني من السَّكنِ ارتداءِ
وإن أبقيتَ لي وجعًا، فكن لي
معينًا حينَ يشتدُّ العنادُ
فحسبي أنَّ لي ربًّا كريمًا
إذا ناديتُهُ، سمعَ المنادي
وما خابَ امرؤٌ جعلَ الرجاءَ
إلى الرحمنِ في ليلِ السوادِ.
_رَوَان داوُد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!