أَوَابِد
أَوَابِد
جزء 1 من 4
وضع القراءة:

إهداء

إلى مَن أضناهُ في صدره كلامٌ، فما وجدَ له في أفواهِ الأيامِ مَقالا،
فآوى إلى الصمتِ حتى صار الصمتُ له بيتًا، وصارت الحروفُ له ظِلًّا وظِلالا.
إلى مَن حملَ في جوانحه أطلالًا، كلّما مرَّ بها قلبُه أراقَ من الذاكرةِ سؤالا،
وأبقى على جدرانِها من خطى الراحلينَ أثرًا، ومن الودِّ عهدًا، ومن الشوقِ خيالًا.
إلى مَن مرُّوا بنا كالسحابِ، لا استأذنوا قلبًا ولا أقاموا به طويلًا،
لكنهم تركوا في سمائنا غيمًا، وفي أرواحنا مطرًا، وفي الذاكرةِ مستحيلًا.
إلى مَن عرفَ أن بعضَ الغيابِ حضورٌ، وأن بعضَ الصمتِ أبلغُ من المقالِ،
وأن ما انكسر في الروحِ لا يُرى، وإن ظلَّ صوته في أعماقِها كصدى الترحالِ.
إلى مَن كان يمشي بين الناسِ وفي داخله ألفُ دربٍ، وألفُ حكايةٍ، وألفُ سؤال،
يبتسمُ للمارّةِ، ثم يعودُ إلى نفسه فيجدُها وحيدةً على قارعةِ الاحتمال.
إلى مَن أحبَّ ولم يقل، واشتاقَ ولم يصل، ورحلَ وفي قلبه شيءٌ من الوصال،
إلى مَن خبّأ وجعه تحت كبريائه، ثم نامَ وفي عينيه بقايا ليالٍ طوال.
إلى مَن وقفَ يومًا على أطلالِه، فلم يندب دارًا، بل رأى نفسه بين الركامِ والظلال،
وقال: أهذه أنا؟ أم أنني تركتُ بعضي هناك، يومَ ظننتُ أن الرحيلَ آخرُ المآل؟
إلى كلِّ قلبٍ عابرٍ في هذه الحياة، لكنه يحمل في جوفه ما ليس بعابر،
إلى كلِّ روحٍ أثقلتها الأيامُ، وما زالت تُحسنُ الوقوفَ وإن أضناها المسيرُ العاثر.
إلى الذين جعلوا من الحرفِ وطنًا حين ضاقت بهم أوطانُ الكلام،
وإلى الذين وجدوا في اللغةِ يدًا تمتدُّ إليهم حين أعياهم العثورُ على يدٍ وسلام.
إليكم جميعًا أهدي «أوابد»؛
ما شذَّ من القول، وما ندر من الشعور، وما أبى أن يمضي مع العابرينَ ويزول،
أهديها لكلِّ أثرٍ خلّفته الأيامُ فينا، ولكلِّ طيفٍ أقام فينا وإن غاب، ولكلِّ حكايةٍ لم تجد خاتمةً تليق بها، فاختارت أن تبقى أوابدَ لا تذوب، ولا تَحول، ولا تزول.
_رَوَان داود.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.