مقدمة
ما كلُّ ما يسكنُ صدري أستطيعُ أن أرويه، ولا كلُّ ما يعتملُ في نفسي أجدُ له اسمًا، ولا كلُّ ما يعبرني يمضي؛ فثمّة أشياءُ أقامت فيَّ حتى غدت منّي، وثمّة أشياءُ حاولتُ نسيانها، فوجدتُها أرسخَ في الذاكرةِ من أن تُنسى، وأبعدَ في الروحِ من أن تزول.
وقفتُ طويلًا أمام نفسي، أتأملُ ما خلّفته الأيامُ فيَّ، فإذا بي لا أرى إنسانًا يمضي خفيفًا كما ظننت، بل أرى أطلالًا تمشي، وذكرياتٍ تتعثرُ في خطاي، وأصواتًا غاب أصحابُها وبقي صداها، وأبوابًا أغلقتها بيدي، ثم ظللتُ أسمعُ خلفها ما لم أجرؤ على الإصغاءِ إليه.
وقفتُ على أطلالي، فما وجدتُ دارًا أندبها، بل وجدتُني أنا الطَّلل.
وجدتُ في داخلي مواطنَ لم تطأها قدماي منذ أعوام، ووجدتُ أشياءَ ظننتُ أنني دفنتُها فإذا بها تنبضُ تحت الرماد، ووجدتُ منّي نسخًا قديمةً ما زالت تسألني: لِمَ تركتِني هناك؟
ولذلك كتبتُ «أوابد».
كتبتُها لأنني كثيرًا ما عجزتُ عن الكلام، فوجدتُ القلمَ أوسعَ صدرًا من لساني، وأصدقَ من صمتي، وأقدرَ على حملِ ما أثقلني. كتبتُ حين لم أجد لمن أشكو ما بي، وحين صار بعضُ الكلامِ في فمي أثقلَ من أن يُقال، وأقربَ إلى الورقِ من أن يُحكى.
لم أجمعْ في هذه الصفحاتِ ما شعرتُ به فحسب، بل جمعتُ ما ظلَّ يطاردُني من أسئلةٍ، وما علِقَ بي من مشاهدَ، وما استوقفني من وجوهٍ وأصواتٍ وأمكنة، وما مرَّ بي عابرًا ثم اكتشفتُ بعد حينٍ أنه لم يكن عابرًا قط.
كتبتُ عن الأشياءِ التي تبدو صغيرةً في أعينِ الآخرين، بينما كانت في داخلي عظيمةً إلى حدٍّ لا يُحتمل؛ عن نظرةٍ لم أنسها، وكلمةٍ بقيت في ذاكرتي أكثرَ مما ينبغي، وغيابٍ لم أعرف كيف أعتاده، وحضورٍ ترك فيَّ أثرًا حتى بعد انقضائه.
وكتبتُ عنّي أيضًا؛ عن ذلك الجزءِ الذي أخفيه حين أبتسم، وعن الأسئلةِ التي أدفنها تحت اليقين، وعن خوفي الذي أتظاهرُ أمامه بالشجاعة، وعن كبريائي حين يتكفّلُ بإخفاءِ ما لا أريدُ لأحدٍ أن يراه.
ولأنني أحببتُ اللغةَ كما يُحبُّ المرءُ وطنًا قديمًا لم يسكنه، فتشتُ في دهاليزها عن ألفاظٍ تشبهُ ما أريد، ونقّبتُ عن كلماتٍ عتيقةٍ ما زالت تحتفظُ برائحةِ الصحراءِ، وصدى الخيامِ، ووقعِ الخيلِ، وأنينِ الشعراءِ عند الأطلال.
وجدتُ أن بعضَ المعاني لا يليقُ بها إلا لفظٌ قديم، وأن بعضَ الوجعِ لا يستقيمُ وصفُه بكلمةٍ مألوفة، وأن في العربيةِ خزائنَ من المعاني المهجورةِ تستطيعُ أن تمنحَ الشعورَ الذي عجزنا عن تسميته اسمًا.
ومن هنا جاء اسمُ «أوابد»؛ لأنني أردتُ لهذه الصفحاتِ أن تكونَ موطنًا لكلِّ ما شذَّ عن المألوف، ولكلِّ معنىً نادرٍ، ولكلِّ أثرٍ أبى أن يندثر.
أنا لا أكتبُ هنا لأقدّمَ نفسي كما أنا، ولا لأحكيَ كلَّ ما حدث، بل لأتركَ على الورقِ شيئًا منّي؛ شيئًا ربما لا يفهمه أحدٌ كما أفهمه، وربما يفهمه أحدٌ أكثرَ مني.
ولستُ أدّعي أنني أعرفُ نفسي كلَّ المعرفة؛ فما زلتُ أكتشفُ في داخلي طرقًا لم أسلكها، وأبوابًا لم أفتحها، وغرفًا أُبقيها موصدةً حتى عن نفسي.
كلُّ ما أعرفه أنني حين أكتبُ أشعرُ أن الأشياءَ التي كانت مبعثرةً في صدري تجدُ مواضعَها أخيرًا؛ أن الضجيجَ يهدأ، وأن الكلماتِ تتخذُ شكلًا، وأن ما كان غامضًا يصبحُ قابلًا للنظر، ولو لم يصبحْ قابلًا للفهم.
لهذا تركتُ هذه الصفحاتِ كما جاءتني؛ مرةً هادئةً كآخرِ الليل، ومرةً مثقلةً كسماءٍ لا تجدُ طريقَها إلى المطر، ومرةً حادّةً كحقيقةٍ تأخرتُ طويلًا عن مواجهتها.
وقد أكتبُ عن الفرحِ، لكنني لا أطمئنُّ إليه طويلًا؛ لأنني أعرفُ أن لكلِّ فرحٍ ظلًّا، ولكلِّ لقاءٍ فراقًا، ولكلِّ بدايةٍ نهايةً تختبئُ خلف الستار.
وقد أكتبُ عن الحزنِ، لا لأنني أراه قدرًا لا فكاكَ منه، بل لأنني تعلّمتُ أن بعضَ الأحزانِ لا تُشفى بمحوها، وإنما بفهمِ الأثرِ الذي تركته فينا.
وأنا، في النهاية، لستُ إلا إنسانةً حاولتْ أن تفهمَ نفسها بالحروف؛ كلما ضاقتْ بها الحياةُ وسّعتْ لها اللغةُ منفذًا، وكلما عجزَ الكلامُ عن حملِها، حملها الورق.
فإن وجدتَ في هذه الصفحاتِ شيئًا يشبهك، فربما لم أكتبْ عنك، ولم تعرفْني، ولم أعرفك؛ ربما لأننا، رغم اختلافِ الحكايات، نحملُ الأطلالَ ذاتها بأسماءٍ مختلفة.
ولعلّي حين أصلُ إلى آخرِ صفحةٍ من «أوابد» أكتشفُ أنني لم أكن أكتبُ كتابًا، بل كنتُ أفتّشُ عنّي؛ أفتّشُ بين ما مضى وما بقي، بين ما قلته وما ابتلعته، بين ما ظننته انتهى وما ظلَّ حيًّا فيَّ.
فإن وجدتُ نفسي هناك، فقد كفاني.
وإن لم أجدها، فحسبُها أنها تركت أثرًا.
وهذا الكتابُ ليس إلا أثرًا آخرَ منّي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!