نُؤيُ خُذلان!
أيا دارَ عهدٍ عفا رسمُها، وانطمسَ أثرُها، وغابَ أهلُها، فما بقيَ منها إلا نُؤيٌ مائل، ورَبعٌ ذاهل، وذكرى تُثيرُ في الصدرِ لواعجَ لا تنطفئ، وجوانحَ لا تنصرف.
وقفتُ عليها وقوفَ الباكي على دِمَنٍ درست، ورُبوعٍ طُمست؛ أسائلُ الحجرَ عن عهدٍ مضى، وأسائلُ الريحَ عن قلبٍ مضى معه، فلا الحجرُ أجاب، ولا الريحُ أنبأت؛ وإنما ردَّت إليَّ أنفاسي، وزادتني في وحشتي إيحاشًا، وفي كربتي إكثارًا.
كنتُ أراكَ، إذا ادلهمَّ الخطبُ، سيفًا لا يَكِلُّ، وركنًا لا يَمِيل، وعهدًا لا يَحيد؛ فإذا الشدائدُ أقبلتْ عليكَ أدبرتَ عني، وإذا النوائبُ نزلتْ بي نأيتَ عني، فكنتَ في الرخاءِ قريبًا، وفي البلاءِ غريبًا.
يا ويحَ قلبي!
ما كنتُ أحسبُ الودَّ يُورِقُ ثم يُحرق، ولا العهدَ يُعقدُ ثم يُنقض، ولا القربَ يُدني ثم يُقصي.
سقيتُكَ من صفاءِ الودِّ صافيَه، وأودعتُكَ من سرِّ الفؤادِ خافيَه؛ فما حفظتَ صَفْوًا، ولا صنتَ سرًّا، ولا رعيتَ عهدًا.
كنتُ أعدُّكَ من أهلِ الوفاءِ، فإذا أنتَ من أهلِ الجفاء؛ وأحسبُكَ ملاذَ الخائف، فإذا أنتَ أولُ الفارِّ من المخاوف؛ وأحسبُكَ نجمَ الدجى، فإذا أنتَ سرابُ الفلا.
ما أقسى أن يأتيكَ السهمُ من قوسِ عدوٍّ، وما أوجعَ أن تأتيكَ الطعنةُ من يدِ صديق!
فالعدوُّ إن نالَ منك لم تُفاجئكَ نكايته، والخلُّ إن خانَك أوجعَتكَ خيانته؛ ذاكَ يُصيبُ الجسدَ، وهذا يُصيبُ الفؤادَ؛ ذاكَ يَجرحُ اللحمَ، وهذا يَجرحُ الوهمَ والعهدَ والوداد.
ولقد كان وجعي فيكَ عجيبًا؛ لا هو موتٌ فأستريح، ولا حياةٌ فأفرح، بل بينَ البينينِ مقامُ مَن أضناهُ الانتظار، وأفناهُ الاعتذار، وأبكاهُ الانكسار.
أمشي في الفلاةِ، والليلُ فوقي عباءةٌ سوداء، والريحُ حولي عاتيةٌ هوجاء، فأرى نجومَ السماءِ بعيدةً، وأرى قلبي أقربَ إلى الظلمةِ من البعيد.
وأقولُ:
أينَ العهدُ الذي شددتُ عليه يدي؟
أينَ الوعدُ الذي علَّقتُ عليه أملي؟
أينَ ذاكَ الذي كان يقولُ: أنا لكَ إذا جارَ الزمان، وأنا معكَ إذا خانَ المكان؟
ذهبَ القولُ، وبقيَ الخذلان؛
ماتَ الوعدُ، وعاشَ الحرمان؛
غابَ الوجهُ، وبقيَ الوجع.
فوا عجبًا لدهرٍ يُقرِّبُ البعيد، ويُبعِدُ القريب؛ يرفعُ الوضيع، ويضعُ الرفيع؛ يُضحكُ يومًا ليُبكي أعوامًا، ويُعطي وعدًا ليُورثَ حرمانًا.
ولكني، وإن كسَرَ الخذلانُ جناحي، فلن أكسرَ به كبريائي؛ وإن أوجعَ قلبي، فلن أبيعَ به كرامتي؛ وإن أسهرَ عيني، فلن أجعلَ دمعي لِمَن لم يعرفْ قدرَ دمعي.
فليذهبْ مَن ذهب، ولينأَ مَن نأى؛ فما كلُّ راحلٍ يُفتقد، ولا كلُّ قريبٍ يُعتمد.
سأشدُّ رحلي عن ديارِك، كما تشدُّ القافلةُ رحلَها عن بئرٍ نضبَ ماؤها؛ لا لأن العطشَ قد زال، ولكن لأن البقاءَ عندَ البئرِ لا يُعيدُ الماء.
وسأتركُ وراءَ ظهري عهدًا صارَ عارًا، وودًّا صارَ وِزرًا، وذكرى صارتْ جمرًا تحتَ الرماد.
فإن سألوا عني يومًا، فقولي لهم:
مضى الذي كانَ يرجو، وبقيَ الذي لا يرجو؛
انكسرَ الذي وثق، واستقامَ الذي عرف؛
وبكى القلبُ حينَ كان ضعيفًا، فلما قويَ صمت.
ولستُ نادمًا على وفائي؛ فالوفاءُ شرفٌ وإن قابله الغدر، والصدقُ عزٌّ وإن قابله الكذب.
إنما ندمتُ أنني ظننتُكَ أهلًا للأمان، فألقيتُ عندكَ قلبي؛ فما كان قلبًا عندكَ، بل كان وديعةً في يدِ مَن لا يحسنُ حفظَ الودائع.
فامضِ، يا مَن كنتُ أحسبُه وطنًا.
فقد علَّمتني أنَّ بعضَ الأوطانِ منازلُها عامرة، وقلوبُ أهلِها خالية؛ وأنَّ بعضَ الصحابِ صحابٌ في الرخاء، وحُجّابٌ في البلاء؛ وأنَّ المرءَ قد يسكنُ ألفَ قلبٍ، ثم يبيتُ في قلبِه وحيدًا، لا أنيسَ له إلا وجعُه، ولا جليسَ له إلا صمتُه.
وها أنا ذا...
لا ألعنُكَ، ولا أرجوكَ، ولا أستبقيكَ.
فقد انتهى العهدُ حينَ انكشفَ الغدر، وسقطَ القناعُ حينَ حضرَ الامتحان.
وما عادَ لي منك إلا ذكرى؛
وما عادَ للذكرى عندي إلا قبرٌ؛
وما عادَ للقبرِ عندي إلا صمت.
سلامٌ على عهدٍ مضى،
وسلامٌ على قلبٍ انقضى،
وسلامٌ على مَن علَّمني أنَّ الخذلانَ قد يقتلُ الوهمَ، ولا يقتلُ صاحبه.
_رَوَان دَاوُد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!