وضع القراءة:

بين الخوف والرغبة.

اليوم التالي لم يكن مختلفا كثيرا عن الأيام السابقة... نفس الجامعة... نفس الممرات... نفس الوجوه التي تتكرر كل صباح.
لكن شيئا ما كان قد تغير، ربما لم يكن واضحا بما يكفي ليلاحظه الجميع.
منذ إعلان فريق الاستكشاف، أصبح الحديث عنه يملأ الجامعة.
كل مكان كان يحمل نفس السؤال.
هل ستسجل؟
حتى الطلبة الذين لم يهتموا بالأمر في البداية، أصبحوا يتحدثون عنه وكأنه أهم حدث حدث في الجامعة منذ بداية السنة.
كانت الاستمارات تنتشر بين أيدي الطلبة، والحماس يزداد.
أما بالنسبة لمجموعتهم، لم يكن الأمر بهذه البساطة.
في صباح ذلك اليوم، وقفت أسماء أمام البوابة الرئيسية للجامعة، تحمل حقيبتها على كتفها، شعرها المجعد مربوط بربطة شعر، بينما كانت تنظر إلى شاشة هاتفها.
وصلتها رسالة جديدة، فتحتها بسرعة ثم اتسعت عيناها.
"يا جماعة! "
التفت الجميع إليها.
كان سامر يأكل قطعة من الخبز، بينما كان يزن يقف بجانبه.
قال سامر:
"ماذا حدث؟ "
رفعت أسماء هاتفها أمامهم.
"التسجيل تجاوز مئة طالب. "
رفع يزن حاجبه.
"مئة؟ بالفعل؟ لم تمضِ 24 ساعة. "
أومأت.
"وأكثر. "
صفّر سامر.
"وبالنهاية سيختارون اثني عشر فقط. "
قال صخر بهدوء:
"المنافسة ستكون كبيرة. "
ابتسمت أسماء.
"وهذا يجعل الأمر أكثر حماسا. "
نظر إليها سامر باستغراب.
"أنت الوحيدة التي ترى المنافسة شيئا جيدا. "
ضحكت.
كان آسر يقف خلفها بقليل، لم يتدخل في الحديث لكنه كان يسمع كل شيء.
نظرت أسماء إليه.
"وأنت؟ "
رفع حاجبه.
"ماذا؟ "
"ما زلت مصرا على التسجيل؟ "
ابتسم ابتسامة صغيرة.
"قلت لك أمس. "
"يعني ستسجل؟ "
"طبعا. "
هزت رأسها.
"كنت أعرف. "
تدخل يزن:
"وأوس؟ "
اختفت الابتسامة من وجه أسماء للحظة.
نظرت نحو المكان الذي يقف فيه أوس عادة، لكنه لم يكن هناك.
"أين هو؟ "
أجاب خالد:
"دخل قبلنا. "
نظرت إيما نحو المبنى، كانت تعرف أين يمكن أن يكون. أوس لم يكن يختفي عشوائيا، كان يختار الأماكن التي لا يضطر فيها إلى الحديث مع أحد.
في أحد الممرات الهادئة... كان أوس يجلس وحده على أحد المقاعد.
أمامه دفتره والاستمارة التي أخذها بالأمس، كانت موضوعة فوق الصفحة.
لم يملأ منها شيئا.
بقي ينظر إليها لوقت طويل، ثم قلبها.
لم يكن يريد التسجيل، على الأقل... هذا ما كان يقوله لنفسه، كان يرى الأمر كما رآه دائما؛ مخاطر، قرارات غير محسوبة وأشياء قد تحدث في أي لحظة.
وهو يكره الأشياء التي لا يستطيع السيطرة عليها.
لكن المشكلة لم تكن في هذا... كانت في شيء آخر، كان يعرف أنه يريد المشاركة... وهذا ما كان يزعجه.
أغلق عينيه للحظة، وتذكر كلمات الدكتور محمد.
"العمل في الطبيعة لا يحتاج شخصا قويا فقط... يحتاج شخصا يعرف كيف يتصرف عندما يضغط عليه الخوف. "
فتح عينيه، نظر إلى الاستمارة مجددا، ثم وضع القلم فوقها، لم يكتب شيئا.
سمع خطوات تقترب، لم يرفع رأسه لأنه عرف من القادم. إيما.
جلست بجانبه دون أن تتحدث.
بقي الاثنان صامتين، ثوان...
ثم قالت:
"لم تسجل. "
لم ينظر إليها.
"لم أقل إنني سأفعل. "
"لكنك لم ترمِ الاستمارة. "
نظر إليها وتلاقت عيناهما... للحظة قصيرة... لم يقل أي منهما شيئا.
ثم خفض أوس نظره.
"لا أريد أن أكرر الماضي. "
ابتسمت وقالت بهدوء:
"لو كانت أمك هنا، فستود أن تراك مستكشفا بارعا. "
تجمد أوس، اختفت كل ملامح الهدوء من وجهه للحظة، رفع عينيه إليها ببطء، وكأنه لم يتوقع منها أن تقول ذلك أبدا.
بقيت إيما تنظر إليه.
"لم أقصد أن أزعجك. "
أعاد نظره إلى الاستمارة.
"إذن لا تفعلي. "
صمتت. كانت تعرف أنها لمست شيئا حساسا، لكنها لم تندم على كلامها.
قالت بعد لحظات:
"أوس... انا لا أقول إن ما حدث سهل. "
شد أصابعه حول القلم.
"ولا أقول إنك يجب أن تنسى. "
رفع نظره إليها.
"لكن لا تجعل حياتك كلها تدور حول تلك الليلة. "
بقي ينظر لها، كانت عيناها هادئتين لكن صوتها حمل شيئا من الاصرار.
"انت ما زلت هنا... وما زال أمامك الكثير."
خفض أوس نظره، لم يكن يحب هذه الكلمات لأنها تعني شيئا يعرفه في داخله... شيئا حاول لسنوات أن يتجاهله.
وأنه رغم كل ما حدث، لم تنته حياته في تلك الليلة.
قال أخيرا:
"أنت لا تعرفين شعوري ذلك اليوم. "
"أعرف. "
"لا، لا تعرفين. "
ارتفع صوته قليلا.
"أنت لم تكوني هناك. "
صمتت إيما، كان محقا، لم تكن هناك، لم ترى ما رآه، لم تسمع ما سمعه، ولم تعش السنوات التي جاءت بعدها.
"لا... لكنني أعرف أنك ما زلت تحمله معك، وربما لهذا السبب بالذات يجب أن تختار شيئا لنفسك. "
نظر أوس إلى الورقة ثم إلى القلم بين أصابعه.
أعاد أغراضه إلى حقيبته ونهض وغادر بدون كلمة أخرى.
تنهدت إيما بهدوء.
وفي الجهة الأخرى من الجامعة.
كانت أسماء تسير بجانب آسر، لم يتحدث أي منهما، كانت هي تحمل استمارتها، وهو يحمل استمارته.
قالت أسماء فجأة:
"لماذا لا تتحدث؟ منذ خمس دقائق لم تقل شيئا. "
نظر إليها.
"كنت أفكر. "
ضحكت.
"أنت؟ "
رفع حاجبه.
"ما المضحك؟ "
"لم أعتد رؤيتك تفكر. "
ابتسم بسخرية خفيفة.
"أنا أفكر أكثر مما تتخيلين. "
"في ماذا؟ "
لم يجب.
ثم قالت:
"في أوس؟ "
توقفت خطواته للحظة... نظر إليها.
"لا. "
"كاذب. "
تنهد.
"أسماء... "
"أنا لا أقول هذا لأتشاجر معك. "
صمت.
أكملت:
"لكنك منذ ذلك اليوم وأنت تنظر إليه وكأنك تريد أن تقول شيئا. "
"لا أريد أن أقول شيئا. "
"إذن لماذا تنظر إليه؟ "
لم يجب، خفض بصره نحو الاستمارة التي بيده ثم قال:
"لأنه يذكرني بشيء لا أريد تذكره. "
نظرت إليه.
"أخوك؟ "
تغيرت ملامحه.
قال:
"ربما. "
ثم أكمل السير.
سارت بجانبه دون أن تضغط عليه. بعد لحظات قالت:
"أنتما مختلفان أكثر مما تعتقد. "
نظر إليها.
"أنا وأوس؟ "
"نعم... لكن ربما تستطيعان العمل معا. "
ضحك ضحكة صغيرة.
"هذا مستحيل. "
نظرت إليه.
"لماذا؟ "
"لأنه لا يثق بي. "
"وأنا لا أثق به. "
"بالضبط. "
"إذن أنتما متشابهان. "
نظر إليها باستغراب ثم ضحك.
"هذه أسوأ طريقة لإقناعي. "
ضحكت هي أيضا.
لكن بعد لحظة... ساد بينهما صمت مختلف... هادئ.
نظرت أسماء إلى الاستمارة في يدها ثم قالت:
"أنا متحمسة. "
"أعرف. "
"أريد أن أرى كل شيء. "
"أعرف. "
"وأريد أن أعرف هل سأستطيع اجتياز الاختبارات. "
نظر إليها.
"ستفعلين. "
توقفت، نظرت إليه.
"من أين لك كل هذه الثقة؟ "
قال ببساطة:
"لأنك لا تتراجعين بسهولة. "
ابتسمت.
"أهذه مجاملة؟ "
"لا. "
"كاذب. "
ابتسم ابتسامة هادئة.
مر اليوم ببطء، المحاضرات انتهت واحدة تلو الأخرى لكن الحديث عن فريق الاستكشاف لم يتوقف.
في الاستراحة، جلسوا جميعا حول طاولة في الساحة، كانت الاستمارات أمامهم.
سامر كان يقلبها بين يديه ليقول:
"هناك سؤال هنا عن سبب رغبتك في الانضمام. "
رفع يزن رأسه.
"سأكتب: لأنني أريد الهرب من الجامعة. "
ضحك سامر.
"فكرة ممتازة. "
ضحكت أسماء.
أما خالد، فكان ينظر إلى استمارته التي لم يكن قد ملأها أيضا.
لاحظت إيما ذلك.
"أنت لم تكتب شيئا. "
"ما زلت أفكر. "
"في ماذا؟ "
"هل أريد الانضمام فعلا أم أنني متحمس فقط لأن الجميع سيفعل. "
ساد صمت قصير.
قال صخر:
"هذا سؤال جيد، يجب أن يسأل كل واحد نفسه السؤال نفسه. "
قال يزن:
"أنا سأشارك لأنني أريد تجربة شيء جديد. "
سامر رفع يده.
"وأنا سأشارك لأنني لا أريد أن أكون الوحيد الذي لن يشارك. "
ضحك الجميع.
ثم نظرت إيما إلى أوس.
"أوس، هل قررت؟ "
رفع عينيه نحوها.
"ليس بعد. "
قال آسر:
"أظن أنك لن تسجل. "
نظر إليه أوس.
"وأظن أنك تتحدث كثيرا. "
سكت الجميع، رفع يزن حاجبه وتنهد سامر.
"بدأنا. "
حاولت أسماء ألا تضحك.
أما آسر... فبقي ينظر إلى أوس.
"على الأقل أنا لا أختبئ خلف الخوف. "
تغيرت ملامح أوس... لكن قبل أن يرد...
قالت إيما:
"كفى. "
نظر الاثنان إليها.
"ليس كل شيء معركة! "
لم يجب أحد...
ثم حمل أوس استمارته، وقف وغادر.
راقبته إيما ثم نظرت إلى آسر.
"لماذا تفعل هذا؟"
"ماذا؟ "
رفعت إيما صوتها.
"تضغط عليه! "
خفض نظره.
"لأنه يحتاج إلى ذلك. "
"لا. "
هزت رأسها.
"هو لا يحتاج إلى من يدفعه! "
خفض صوتها.
"يحتاج إلى أن يقرر بنفسه."
لم يجب.
مع غروب الشمس... كانت الجامعة أكثر هدوءا، غادر معظم الطلبة وبقيت الساحات شبه فارغة.
كان أوس يمشي وحده باتجاه البوابة، ثم توقف وأخرج الاستمارة من حقيبته.
نظر إليها ثم إلى مباني الجامعة.
فكر في إيما... في كلماتها... في أمه... في السنوات التي قضاها وهو يحاول أن يجعل كل شيء قابلا للفهم.
ثم فكر في شيء آخر... في المرة الأولى التي دخل فيها الجامعة... كان وحيدا... لم يكن يريد أن يعرف أحد.
ثم ظهرت إيما.
ثم أسماء.
سامر.
يزن.
صخر.
خالد..
وحتى آسر...
رغم كل شيء... أصبحوا جزءا من حياته دون أن بطلب ذلك.
وربما... كان هذا هو الشيء الذي أخافه أكثر، أن يصبح لديه شيء يخسره مرة أخرى.
أغمض عينيه ثم فتحهما.
نظر إلى الاستمارة... هذه المرة... لم يتردد.
أخرج قلمه وكتب اسمه: أوس.
توقف للحظة ثم أكمل بقية البيانات.
لم يكن القرار سهلا، لكنه كان قراره.
طوى الورقة ووضعها في حقيبته ثم بدأ يمشي.
في اليوم التالي... كان الطابور أمام مكتب الدكتور محمد أطول من اليوم السابق، الطلبة يدخلون واحدا تلو الآخر، يقدمون استماراتهم ويخرجون.
كانت أسماء تقف مع المجموعة: سامر، يزن، صخر، خالد، إيما، آسر وأوس...
هذه المرة كان بينهم، نظرت إيما إليه، لم تقل شيئا فقط ابتسمت، ابتسامة صغيرة.
أما أوس... فاكتفى بنظرة هادئة، كان ذلك كافيا.
بعد أن قدموا استماراتهم... خرجوا من المكتب، كان الجميع يتحدث.
قال سامر:
"الآن بدأت أخاف فعلا. "
قال يزن:
"لماذا؟ "
"لأنني سجلت. "
ضحكت أسماء.
"أنت من قلت إنك تريد التجربة. "
"كنت أتكلم فقط. "
قال خالد:
"فات الأوان. "
تنهد سامر:
"أكره قراراتي. "
قال صخر:
"ستعتاد. "
تقدموا جميعا في الممر، لكن أوس بقي في الخلف الحظة، نظر إلى باب المكتب.
كان يشعر بشيء غريب، شيء يشبه القلق... لكن خلف القلق كان هنالك شيء آخر... الفضول، ربما حماس... وربما أمل صغير لم يسمح لنفسه بالاعتراف به.
توقفت إيما بجانبه.
"هل أنت نادم؟ "
نظر إليها.
"لا. "
ابتسمت.
"جيد. "
ثم تقدمت مع الآخرين.
بقي أوس للحظة ثم تبعهم.
ولم يكن يعلم أن هذه الخطوة الصغيرة ستقوده إلى أشياء لم يكن مستعدا لها...
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل السادس.
هذه المرة، الاستمارة ليست مجرد ورقة، بل كانت بداية شيء أكبر بكثير مما تتوقعون 🫠
وأحيانا أصغر القرارات التي نتخذها، هي التي تقودنا إلى أكبر الأشياء في حياتنا.
الأمور بدأت تأخذ منحى آخر...
ترقبوا الفصول القادمة.
𓆩 : فَـقْــــــرَةُ الأسـْـــئـِلة 𓆪
أوس؟
آسر؟
إيما؟
أسماء؟
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
كيف ستكون الاختبارات؟
هل سيتجاوزونها أم لا؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.