ماضٍ لا يـخـتفي.
اليوم التالي حل.
لكن ليس بنفس الجو المعتاد.
منذ اللحظة التي أشرقت فيها الشمس فوق طنجة، كان هناك شيء مختلف في الهواء. شيء ثقيل، غير مرئي، لكنه واضح بما يكفي ليشعر به الجميع.
السماء كانت صافية على غير عادة الأيام الماضيية، والضوء الذهبي تسلل بين المباني والشوارع بهدوء، يلامس الأرصفة والسيارات وأسطح المنازل القديمة.
لكن داخل الجامعة... الامر كان مختلفا.
لم تكن ضحكاتهم المعتادة موجودة ولا أحاديثهم...
فقط صمت وهدوء غريب..
الجميع يفكر بما حدث وبما سيحدث..
شعور أن شيء انكسر حتى لو كان صغيرا...
شيء معتاد في التوازن بينهم تغير.
مرت المحاضرات بسرعة أو هكذا بدا للجميع.
الأساتذة يشرحون، الأقلام تتحرك فوق الدفاتر، والطلبة من حولهم يتابعون يومهم كالمعتاد.
لكن بالنسبة لهم... لم يكن شيء طبيعيًا.
كل واحد منهم كان غارقا في أفكاره.
سامر لم يمازح أحدا.
يزن لم يطلق تعليقاته الساخرة المعتادة.
حتى أسماء التي نادرا ما تصمت، كانت هادئة على نحو غير مريح.
أما أوس وآسر... فكلاهما لم ينظر للآخر ولو مرة.
كأن مجرد تبادل النظرات قد يشعل شيئا لا يريد أحد التعامل معه الآن.
الغريب أن أحدًا لم يتحدث عن حادثة الأمس.. ولا كلمة واحدة، كأن الحميع اتفق ضمنيّا على تجاهلها.
لكن تجاهل شيء... لا يعني اختفاءه.
أثناء آخر محاضرة.
بدأ الأستاذ بمراجعة التقارير والخرائط أمس ليقول وهو ينظر لهم:
"رغم ما حدث... مجموعتكم كانت صاحبة أفضل خريطة."
التفتوا نحو أوس.
لكنه لم يبد أي ردة فعل، جامد وبارد.
جملة واحدة تدور في رأسه: اظهر بعض الكفاءة.
نظرت له إيما ولاحظت تعابيره.
بعد انتهاء المحاضرة، بدأ الطلاب يغادرون تدريجيا.
امتلأت الممرات من جديد بالحركة والأصوات، بينما بدأت الجامعة تستعيد شيئا من حيويتها.
في الجهة الخلفية، قرب موقف الدراجات، كان آسر وحده، يجلس فوق دراجته النارية لكنه لم يغادر بعد.
يداه مرتخيتان فوق المقود، ونظره شارد نحو نقطة بعيدة أمامه.
ملامحه بدت هادئة، هادئة أكثر من المعتاد.
لكن ذلك الهدوء لم يكن مريحا.
وصلت أسماء بعد دقائق.
توقفت أمامه مباشرة.
نظر إليها آسر بهدوء.
"منذ أمس وأنت صامت."
يصمت ثم يبتسم بسخرية.
"الصمت أريح. "
تضحك.
"ليست جملة تشبهك. "
للحظة لم يتحرك، لم يتغير شيء في ملامحه تقريبا لكن أسماء لاحظت التوتر الخفيف الذي مر في عينيه.
صمت طويلا قبل أن يخرج منه صوت منخفض.
ضحكة قصيرة.
"أنت تلاحظين أكثر مما يجب. "
لم تبتسم هذه المرة، بقيت تنظر إليه بصمت.
رفع آسر نظره نحو السماء كأنه يحاول البحث عن الكلمات في مكان بعيد.
ولأول مرة منذ عرفته... اختفى ذلك الحاجز المعتاد.
لا سخرية، لا مزاح، لا تحد، فقط جدية خالصة.
قال أخيرا بصوت هادئ.
"عندما كنت في السادسة عشر، كان لدي أخ أكبر مني بأربعة سنوات، كان الشخص الوحيد الذي يفهمني فعلا، هو من علمني قيادة الدراجة. "
فلاش باك.
قبل أربع سنوات.
ليلة باردة، المطر غزير يشتت الرؤية.
تناثر الماء عندما مرت دراجة نارية بسرعة عالية.
آسر في عمر السادسة عشر، يضحك خلف أخيه الكبير على الدراجة النارية.
كانت قطرات المطر الممزوجة مع الرياح تداعب وجهيهما.
ضحك آسر وهو يرفع صوته حتى يسمعه أخيه فوق هدير المحرك.
"أسرع قليلا! "
ضحك أخوه ورد.
"الطريق ليس سباق. "
ثم انعطف بالدراجة...
وفجأة ظهرت سيارة بالاتجاه المعاكس.
حاول أخوه تفاديها لكن الطريق كان زلقا.
انزلقت الدراجة وارتطم الاثنان بالأرض، تدحرج آسر عدة أمتار، لم يشعر بشيء في البداية، حاول أن ينهض، صرخ من شدة الألم ثم نظر لساقه... لم تكن تستجب.
رفع رأسه بصعوبة وأذناه كانت تصفران بقوة. نظر لأخيه الملقى بعيدا، بعيد بما يكفي ليعجز للوصول إليه.
الدراجة النارية كانت فوق جسد أخيه، لا يقوى على الحراك.
جمع كل قوته وزحف... تقدم قليلا ثم توقف... كان الألم يسحقه وصرخ باسمه، لم يجب... صرخ مرة أخرى.
هذه المرة، فتح أخوه عينيه بصعوبة، التقت عيناهما، حاول آسر الزحف أسرع، لكن جسده خانه، رفع أخيه يده نحوه... مدها ببطء... وكأنه يطلب منه ان يقترب.
بكى آسر وهو يحاول الوصول إليها لكن المسافة بقيت كما هي، بضعة أمتار فقط... لم يستطع قطعها.
ثم سمع صوت أخيه بالكاد خرج:
" لا... تخف... "
كانت آخر مرة سمع فيها صوته.
بعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف.
تقدم أحد المسعفين نحو آسر ليصرخ باكيا:
"انقذوه أولا! أرجوكم! "
نظر له المسعف ثم خفض رأسه بصمت.
فهم... ليتجمد ثم صرخ صرخة موجعة، غير مستوعب لما حدث للتو.
نظر ليد أخيه التي كانت ما تزال ممدودة نحوه ولم يستطع الإمساك بها أبدا.
العودة إلى الحاضر.
عقدت أسماء حاجبيها، لكنها بقيت صامتة.
أكمل آسر ببطء.
"هذه الدراجة كانت ملكه..."
نظرت أسماء إلى دراجته ثم عادت إليه، شعرت بشيء ثقيل في صدرها.
توقف للحظة، شد قبضته قليلا.
صمت طويل ثم قال بصوت يكاد لا يسمع.
"كل الناس يظنون أنني متهور... "
يصمت.
"لكنهم لا يعرفون شعورك عندما ترى شخصا يمد يده إليك... ولا تستطع الوصول إليه."
شعرت أسماء بانقباض في قلبها.
ينظر إلى يديه.
"منذ ذلك اليوم... كل ثانية أقضيها في التفكير تبدو لي كأنها ثانية قد تقتل شخصا. "
شد قبضته أكثر.
نظر مباشرة في عينيها.
هنا فهمت أسماء.
فهمت كل شيء.
آسر لم يكن متهورا لأنه لا يفكر، بل لأنه يهرب من ماضٍ يطارده حتى الآن.
نظرت له أسماء بثبات وقالت بهدوء.
"لكن ليس كل موقف يشبه ذلك اليوم. "
صمت، أكملت.
"وأحيانا... الاندفاع قد يخسرك شخصا آخر."
الجملة أصابته مباشرة.
ظهر ذلك في عينيه، لأنه يعرف أنها محقة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، دافئة.
"لكن.. أنا سعيدة لأنك لم تردد أمس. "
لأول مرة منذ بداية الحديث.. لان وجهه، اختفت الصلابة قليلا، اتسعت عيناه بشكل خفيف.
حدق بها، بعينيها، بالطريقة التي تتجعد بها ملامحها عندما تبتسم. بشعرها المجعد الذي تحرك مع الرياح، وبهدوئها الغريب في هذه اللحظة.
وشعر بشيء... شيء صغير لكنه واضح.
شيء تحرك داخله دون استئذان.
في المساء.
إيما ترسل رسالة لأوس:
"هل لديك وقت؟ "
يجيب بعد ثوان.
"نعم. "
يلتقيان في مكانهم المعتاد للقاء منذ شهور؛ كورنيش طنجة وهو واجهة بحرية سياحية كبرى تمتد على طول شريط خليج طنجة على شارع محمد السادس بين ميناء طنجة المدينة وميناء الترفيه مارينا باي.
اطلالته الساحرة على البحر يعطيهم متنفسا حيويا وممشى واسع للتنفيس.
يمشيان بصمت.
ثم تقول:
"مازلت تفكر بما حدث. "
يصمت، جسده حاضر لكن عقله كان في مكان آخر تماما، بعيد، بعيد جدا.
"تتذكر أول لقاء لنا؟ في السنة الأولى، كنت تجلس وحيدا، البعض قال أنك متكبر وبارد. "
ضحكت إيما وهي تسترجع الذكريات.
"كنت قد وصلت من اسبانيا، صحيح؟ "
نظر لها وتحدث بهدوء.
"أجل، لم أولد في المغرب، كنت أعيش في اسبانيا، طفولتي كانت في مدينة برشلونة. "
فلاش باك.
في اسبانيا، مدينة برشلونة.
كان أوس في الثامنة من عمره، طفلًا لوالدين مغربيين اغتربا في أوروبا، حيث قضى طفولته الأولى بعيدًا عن المغرب.
يجلس في غرفته يرسم خرائط خيالية وأمه بجانبه توسد على شعره بحنان.
"ستسصبح مستكشفا يوما ما. "
نظر لها وهو يضحك لتظهر غمازته اليسرى.
في تلك الوقت، كان والده مشغول دائما، غير موجود في المنزل لكن العائلة سعيدة.
لم يكن يفهم أوس وقتها، والدته تغيرت، أصبحت صامتة، تبكي كثيرا ولا تخرج من غرفتها.
لم يكن يفهم سبب صراخ والده على والدته وهو يقول:
"اذهبي للطبيب! "
أمه تبكي، يركض أوس نحوها ويحتضنها كأنه يحاول تخفيف المرض الذي يعتقد انه سبب كل هذا.
ثم يأتي ذلك اليوم.
يعود من المدرسة، محفظته على كتفيه وينادي:
"أمي؟ "
لا جواب.
يصعد لغرفة أمه، يقف أمام الباب المفتوح وهو ينظر لذلك المنظر وياليته لم ينظر.. أمه ترتدي ثوبا أبيض وشعرها مجدول في ظفيرة تستقر على كتفها، تقف على الحافة وظهرها موجهٌ لأوس.
ٱنقبض قلبه، يتنفس بصعوبة.. يحاول التحدث لكن صوته يرفض.. كلمة واحدة خرجت من ثغره.
"أمي.. "
قالها بخوف، برعب، كأنه يخشى ما سيحدث بعد قليل، يريد أن يتحدث، أن يوقفها، أن يطلب منها أن لا تفعل.. لكن جسده رفض التحرك وصوته رفض التحدث..
وفجأة، استسلمت أمه ومالت بكل ثقلها، لتسمح لجسدها بالسقوط وذلك كله أمام إبنها الصغير الذي بالكاد لم يتمالك نفسه قبل أن يصرخ بكل قوته ويندفع نحو النافذة.
العودة للحاضر.
نظر أوس لإيما.
"انتحرت أمامي.. "
قال بصوت خافت.
"بعد ذلك اليوم فهمت شيئا واحدا. "
عيناه ثابتان، باردتان، لكن خلفهما ألم مرعب.
"كل شيء يجب أن يكون محسوبا... لأن ثانية واحدة غيرت حياتي كلها."
أكمل.
"انتقلنا بعدها للمغرب... أبي ضل مشغول كالعادة. "
تقول إيما بهدوء.
"لذلك غضبت من آسر. "
إيما تنظر إليه بصمت طويل.
"أوس... "
يرفع نظره وتقول.
"أنتَ كنت طفلا. "
الصمت يضرب المكان والجملة تصيب شيئا عميقا بداخله... شيئا لم يقله له أحد من قبل.
إيما تضيف:
"تحمل نفسك ذنب شيء لم يكن بيدك... لن يغير الماضي."
عيناه تهتزان وينظر لها طويلا لكن لم يرد.
في نفس الوقت خالد يمر بالقرب منهما، لا يسمع الحديث لكنه يرى فقط أوس يتكلم بدون انقطاع، يتوقف ثم يكمل طريقه ويفكر:
"إذن... هي الوحيدة. "
ليلا.
الجميع في بيوتهم.
سامر يحاول الدراسة لكنه يفشل.
يزن ينظر لصورة المجموعة.
صخر ينظف المعدات.
خالد يراجع الخرائط.
آسر ينظر إلى صورة أخيه.
أسماء تنظر إلى الصورة التي التقطوها في الحافلة وتبتسم بهدوء.
في منتصف الليل.
أوس نائم، يتعرق كثيرا كأنه يرى كابوس.
أصوات... أمه... البيت... إسبانيا... ثم فجأة...
يتحول المشهد.
ليصبح أسماء وهي تنزلق من الحافة.
يمد يده،
لا يستطيع الوصول.
ثم يسمع صوت الأستاذ.
"أظهر بعض الكفاءة. "
ثم صوت آسر.
"على الأقل لا أقف وأحسب كل شيء. "
ثم ينظر لأسماء التي أصبح مكانها إيما... تنظر له وهي تسقط.
ثم يستيقظ.
يتنفس بسرعة وينظر إلى يديه ويراهما ترتجفان.
كان يظن أن الماضي انتهى... لكنه اكتشف أنه كان ينتظر اللحظة المناسبة فقط ليعود.
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل الرابع.
تفرقت المجموعة في هذا الفصل قليلا 😭.
لكن واضح أنهم يشتاقون لبعضهم.
ماضي آسر، حزنت عليه 😭😭 فقدان الأخ صعب خصوصا إذا كان مقرب.
لكنه احتفظ بدراجته كذكرى 😭
أما أوس المسكين 😭😭
ماضيه مؤلم جدا، فقدان الأم وغياب الأب اجتمعوا، يجب أن تعذروه عن بروده 😭.
انتظروا الفصول القادمة.
𓆩 : فَـقْــــــرَةُ الأسـْـــئـِلة 𓆪
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
المجموعة أثرت فيهم الحادثة؟
ماضي آسر؟
أخ آسر؟
ردة فعل أسماء؟
ماضي أوس؟
والد ووالدة أوس؟
ردة فعل إيما؟
الكابوس؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!