تحت نفس السماء.
أمواج البحر تضرب الصخور بعنف، كل موجة تصطدم تزول ثم تجهز الطريق لمن بعدها كأن البحر لا يعرف السكون حتى في أكثر صباحاته هدوءًا. فوقها تحلق النوارس في دوائر متفرقة بصراخها المتكرر بين الفينة والأخرى، أصواتها تختلط مع هدير الماء في مشهد مألوف لا تمل منه المدينة.
السماء ليست ملبّدة بالكامل لكنها رمادية بما يكفي لتجعل ضوء الشمس خافتا كأن الصباح لم يستيقظ تماما بعد. الهواء بارد قليلا ورطب من جهة البحر، يحمل رائحة الملح نحو النوافذ المفتوحة ويتسلل إلى الأزقة والشوارع.
مثل هذا الصباح الذي يريد فيه المرء فقط أن يحصل على كوب شاي ساخن ويجلس جنب نافذة مطلة على البحر ويستمتع بالمنظر والرياح الهادئة دون أن يفكر في شيء.
طنجة في الصباح كانت تملك دائما سحرا مختلفا.
في وسط المدينة، الاطفال يركضون هنا وهناك دون هدف واضح سوى اللعب، ضحكاتهم ترتفع فوق أصوات السيارات، الناس متجمعين حول بائعة الحرشة يتبادلون الأحاديث الصباحية المعتادة، بينما تنبعث رائحة الزبدة الساخنة والعجين الطازج ممزوج برائحة الشاي بالنعناع.
فيما انتشرت سيارات الأجرة الصغيرة في المكان بلونها الأزرق الفاتح مع خط أفقي أصفر ممتد على جانبها تقف وتتحرك من جديد دون توقف.
أما حافلات النقل الحضري لشركة ألزا تتميز بلونها الأزرق الغامق، والتي تحمل اسم "البوغاز" ك هوية بصرية تعكس الانتماء البحري للمدينة.
وسط كل هذا توقفت إحدى الحافلات أمام كلية العلوم والتقنيات بجامعة عبد المالك السعدي.
لينزل شاب من الباب الخلفي.
أوس.
توقف أمام البوابة الحديدية الكبيرة للكلية للحظات، يحدق في الداخل بصمت. لم يتحرك فورا، بقي واقفا هناك كأنه يمنح نفسه لحظات قبل بداية يوم طويل.
تنهد بهدوء ثم دخل.
الطلبة في كل مكان، ضحكات وأصوات تتداخل فوق بعضها، مجموعات صغيرة متفرقة، البعض يسأل عن العطلة التي انتهت والآخر عن القاعات والجداول.
مر أوس عبر الممرات الواسعة بخطوات هادئة وهو يتفحص اللوحات الإرشادية المعلقة على الجدران.
الجغرافيا الطبيعية القاعة الرابعة.
وجدها.
اتجه نحوها بهدوء مجتنبا الزحام كعادته، دخل القاعة ثم أخذ مكانا في المدرج الثالث، مكان متوسط، ليس بعيدا جدا ولا قريبا جدا.
أسند ظهره وفتح حقيبته يخرج قلم حبر ودفتر ملاحظاته بعناية معتادة.
في تلك اللحظة، دخلت فتاة شابة القاعة.
شعر أسود طويل كسواد الليل ينسدل بانسابية فوق كتفيها، بشرتها القمحية تلألأت ببعض مساحيق التجميل الخفيفة التي أبرزت ملامحها أكثر.
إيما.
لمعت عينيها الداكنتين فور رؤيته كأنها كانت تبحث عنه منذ اللحظة التي دخلت فيها،
ذهبت مباشرة نحوه دون تردد ثم تخذت المكان بجانبه مقعدا لها.
"دائما مبكر، كعادتك. "
قالتها وهي تنظر له، خصلات شعرها تسقط فوق وجهها إثر انحنائها نحوه.
رفع أوس نظره نحوها.
"أنتِ المتأخرة، إيما. "
نظر لعينيها مباشرة وهو يردف.
"ماذا! لم يصل الأستاذ بعد، أوس. "
قالت إيما ببعض من المبالغة واضعة يدها على صدرها كأنها صدمت من الاتهام مما جعل أوس يطلق ضحكة خفيفة لتبتسم هي كأنه إنجاز صغير حققته للتو.
قطعهم صوت ضحكات مرتفعة من الجهة الاخرى.
التفتا ليجدا شابة تقترب منهم.
شعر مجعد بني يتحرك مع خطواتها السريعة ونمش خفيف يميز ملامحها ويمنحها طابعا دفئا.
أسماء.
صرخت إيما فور رؤيتها.
"أسماء! "
"إيما! "
صرخت الأخرى بحماس مماثل كأنها لم ترها منذ قرون، لا مجرد عطلة.
ركضت نحوها واحتضنتها بدفء واضح.
تنهد أوس، الفوضى بدأت.
بعدها بدقائق، دخل القاعة شابان وهما يتشاجران بصوت مسموع.
الأول شاب متوسط الطول بشعر بني غامق وعينين لامعتان وابتسامة مريحة رغم انزعاجه الحالي.
سامر.
"سامر! أخبرتك أن تحضر لي ملاحظاتك! "
صرخ الشاب الثاني.
شعر أشقر فوضوي قليلا وعينيان خضروتان حادتان رغم ابتسامته الواضحة.
يزن.
رفع سامر كتفيه ببساطة وهو يجيب.
"نسيت الأمر كليا، يزن. "
حدق به يزن بصدمة درامية.
"نفس الجملة منذ سنة، دائما. تنسى كالذبابة. "
تنفجر أسماء ضحكا وهي تمسك بطنها.
"أنتَ محق! "
"أنتِ لا تساعدين! "
قالها سامر وهو ينظر لها باستسلام.
وبدون أي ضجيج تقريبا دخل شابان آخران.
أحدهما بشعر أسود قصير، ملامحه هادئة رغم عينيه الداكنتان الحادتان تمنحانه حضورا صامتا.
خالد.
فور أن لمحه يزن، تحرك نحو كمن وجد طوق نجاة.
"خالد، اعطني ملاحظاتك! ارجوك! "
نظر له خالد لثوان ثم رد بهدوء.
"حسنا. "
كأن الأمر لا يستحق كل هذه الدراما.
وقف الشاب الآخر جانبا.
أكبرهم حجما، ببنية جسدية قوية وعريضة وملامح جادة، يحمل عدة أغراض ودفاتر إضافية.
صخر.
تقدمت أسماء نحوه بسرعة وأخذت حقيبتها منه.
"شكرا كثيرا صخر، هذه الدفاتر تتعبني حقا. "
أومأ لها صخر بهدوء.
ساد هدوء نسبي داخل القاعة بعد استقرار الجميع لكنه لم يدم طويلا.
الأصوات بدأت تخف تدريجيا مع امتلاء المقاعد، لم يبق سوى همسات متفرقة هنا وهناك، وأصوات أوراق تقلب، وأقلام تنقر بخفة فوق الطاولات.
أوس عاد إلى دفتره.
إيما مازالت تتحدث مع أسماء.
يزن يحاول إقناع سامر أن ذاكرته ميؤوس منه.
خالد يراجع أوراقه بهدوء وصخر جالس بهدوء كعادته يراقب دون تدخل.
كل شيء كان طبيعيا، هادئا، مألوفا.
حتى اخترق الأجواء صوت محرك دراجة نارية اخترق الأجواء من الخارج.
صوت واضح، مرتفع، مألوفا للجميع.
رفعت أسماء حاجبيها فورا.
"وصل الإعصار. "
ابتسم سامر بسخرية.
"المصيبة بنفسها. "
أما أوس لم يتحرك لكنه توقف عن الكتابة للحظة قصيرة جدا.
بعد لحظات، ظهر شاب عند باب القاعة.
شعر بني داكن مائل للفوضى كأنه لم يهتم بترتيبه، عينان حادتان مليئتان بالحياة، وحضوره يفرض نفسه دون أي جهد.
آسر.
دخل بخطوات واثقة كأن التأخير لا يعنيه أصلا.
كأن قوانين الوقت خلقت لتخترق.
"صباح الخير. "
قالها ببساطة وكأنه لم يتسبب للتو في جذب انتباه نصف القاعة.
ردت أسماء فورا.
"قبل دقيقة من مجيء الأستاذ. "
نظر لها ورفع كتفيه بلا اكتراث.
"الدراجة تعطلت. "
أردف يزن فورا دون تردد.
"كاذب. "
ابتسم آسر نصف ابتسامة، ساخرة ومعتادة.
"لا أحد يثق بي، هذا مؤذٍ نفسيا. "
تحرك آسر نحو مكانه ثم وقعت عينيه على أوس، تغير الجو للحظة، يتبادلون نظرات مشحونة.
الصخب الخفيف خلفهم بدا كأنه ابتعد.
شعرت إيما بتوتر فورا، بينما يراقب البقية المشهد بصمت معتاد، وكأنهم يشاهدون بداية عاصفة يعرفونها جيدا.
رفع آسر حاجبا بخفة وأوس قابله بنظرة ثابتة لا تراجع فيها ولا ترحيب.
تدخلت أسماء بسرعة.
"رائع، بدأنا السنة الجديدة بنفس الحرب القديمة. "
أبعدت إيما نظرها وهي تزفر.
قطعهم صوت دخول الأستاذ ليأخذوا مقاعدعم، أوس بجانبه إيما وخالد، صخر وسامر ويزن من جهة خالد، وأسماء وآسر من جهة إيما.
وضع الأستاذ أغراضه وأوراقه فوق المكتب ليقف أمام المدرجات ينظر للطلبة.
ساد صمت كامل تقريبا.
بدأ يتحدث بصوت واضح.
"السنة الثانية بدأت، وستكون أصعب من السابقة، فتخصص الجغرافيا وعلوم الحياة والأرض لم يعد يقتصر بالنسبة لكم على المحاضرات فقط. "
صمت قليلا ثم أكمل.
"السنة الثانية ستكون مرتكزة على المشاريع الجماعية المدنية، كل ما درستوه في السنة الأولى يجب أن تطبقوه. هذه السنة لن تكون أكاديمية فقط. "
تحركت بعض الوجوه بانزعاج لكن تابع الاستاذ دون اكتراث.
"هناك مشروع ميداني خارجي سيتم اختيار طلاب له."
انطلقت الهمسات في القاعة والفضول انتشر بسرعة، البعض متحمس والآخر متوتر.
أما آسر ضرب كفة يده مع أسماء بحماس واضح.
ارتفع صوت الأستاذ بحدة.
"كفى! لنبدأ الدرس. "
عاد الهدوء.
بدأت المحاضرة ومر الوقت أسرع مما توقع الجميع.
بين ملاحظات سريعة، شروحات ورسومات على الصبورة.
أحيانًا كانت أسماء تهمس لإيما وأحيانًا كان يزن يطلب ورقة من سامر، خالد يكتب بهدوء مستمر وصخر يركز بصمت.
آسر يتابع بطريقة بدت غريبة لمن لا يعرفه، فوضوي خارجيًا لكن تركيزه حاد جدًا.
أما أوس فكان يكتب بصمت، لكن عقله لم يكن حاضرًا بالكامل.
انتهت المحاضرة وبدأ الطلاب يخرجون تدريجيا وامتلأت القاعة من جديد بالأصوات والحركة.
وقفت أسماء أولا.
"هذا يبدو ممتعا. "
رد عليها آسر مباشرة.
"أخيرا شيء حقيقي. "
أومأ يزن موافقا.
"أفضل من الجلوس هنا طوال الوقت
قال سامر ضاحكا.
"على الأقل شيء جديد. "
حتى إيما بدت متحمسة.
"أعتقد أنه سيكون جميلا. "
شاركهم الآخرون بنفس الحماس.
بينما اوس صامت، اقتربت منه إيما وهمست له بعد أن لاحظت شروده.
"أنت لا تبدو مهتمًا."
صمت أوس للحظة ثم نظر للنافذة:
"لا أحب الأشياء التي تبدوا ممتعة"
"لماذا؟"
لحظة صمت أطول ثم يقول:
"لأنها غالبًا تنتهي بشكل خاطئ."
ساد صمت قصير بينهما، إيما نظرت إليه بصمت. شيء ما في طريثته لم يكن طبيعيا، لم تبد كجملة عابرة.
بدت كذكرى أو تحذير..
وفي الجهة الأخرى من القاعة كان آسر ينظر نحوه بصمت. كأنه سمع الجملة كاملة.
وكأن شيئا في تلك الكلمات أعاد إيقاظ شيء قديم بينهما.
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل.
أردت أن يكون الفصل الأول خفيف ولطيف كبداية 🥹🤏.
الرواية مختلفة بعض الشيء عن رواياتي، صحيح؟ 😂🤍
أريدكم أن تشعروا برائحة البحر والصباح الهادئ، أن تعيشوا الفصل 😭
أما المسمن واتاي والحرشة كلام آخر، هل جربتوهم من قبل؟ 🥹
أنا عن نفسي أحببت علاقتهم وصداقتهم، يذكرونني بنفسي سابقا 🥹
للمعلومة، هذه السنة الثانية من التخصص، يعني يعرفون بعضهم من السنة الماضية.
أما الأحداث في مدينة طنجة في دولة المغرب
🇲🇦🥹
𓆩 : فَـقْــــــرَة الأسـْـــئـِلة 𓆪
أوس؟
أسماء؟
إيما؟
آسر؟
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
الجامعة؟
علاقتهم؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!