وضع القراءة:

شقوق صغيرة.

هواء الصباح كان أبرد من المعتاد، الغيوم اكتسحت السماء بلونها الرمادي لتجعل من الصعب وصول ضوء الشمس.
الرياح القادمة من جهة الساحل حملت معها برودة خفيفة جعلت المارة يشدون معاطفهم أكثر. فيما تسللت رائحة البحر المالحة مع الهواء، حاضرة كعادتها في كل صباح طنجي.
من بعيد، بدا البحر رماديا تحت السماء، مياهه مضطربة قليلا والأمواج تتحرك بإيقاع ثابت.
في محيط كلية العلوم والتقنيات، بدا المشهد مختلفا عن المعتاد.
لم تكن دفاتر المحاضرات وحدها حاضرة هذا الصباح، حقائب أكبر، قوارير ماء، خرائط مطوية، أدوات قياس ودفاتر ميدانية متناثرة بين أيدي الطلبة الذين تجمعوا أمام البوابة في مجموعات متفرقة.
حتى الأحاديث بدت مختلفة.
لا أحد يتحدث عن محاضرة اليوم أو عن اختبار قريب.
كل الكلام كان يدور حول شيء واحد.
الخرجة الميدانية.
اليوم لم يكن يوما جامعيا عاديا، كان أول نزول ميداني حقيقي لهذه السنة.
ضجيج الطلبة ملأ المكان، ضحكات هنا وشكاوى من البرد هناك وأحاديث متقطعة عن الخرجة.
"أتمنى ألا تكون المنطقة وعرة. "
"قالوا إن التضاريس صعبة. "
"أنا فقط أريد العودة دون كسر ساقي. "
ضحكات متفرقة ارتفعت هنا وهناك.
وسط هذا الضجيج، وقفت مجموعتهم قرب البوابة.
كعادتهم، كانوا واضحين وسط الحشود، ليس لأنهم الأعلى صوت دائما، بل لأن حضورهم معا كان يخلق مساحة خاصة بهم وسط الزحام.
أسماء كانت أول من تكلم.
"أخيرا شيء خارج القاعات. "
قالتها بحماس واضح وهي تعدل حقيبتها على كتفها، شعرها المجعد مجموع بربطة عالية لكن بعض الخصلات القصيرة أفلتت منها بفعل الرياح.
بدت متحمسة أكثر من الجميع، عيناها تلمعان كطفلة على وشك خوض مغامرة جديدة.
سامر الذي بدا نصف نائم كعادته، زفر بصوت مسموع.
شعره كان مبعثرا أكثر من المعتاد، وكأنه استيقظ قبل دقائق فقط.
"كنت أفضل داخل القاعات. "
نظر له يزن بسخرية فورية.
"أنت تشتكي قبل أن نبدأ أصلا. "
رفع سامر نظره إليه ببطء.
"أنا أستعد نفسيا للأسوأ. "
أطلق يزن ضحكة قصيرة.
"أنت تعيش في الأسوأ اصلا. "
ضحكت أسماء فورا.
"أتفق معه. "
سامر وضع يده فوق صدره بتعبير درامي.
"الخذلان يأتي دائما من المقربين. "
إيما ابتسمت بخفة وهي تهز رأسها.
على مقربة منهم، كان خالد يراجع الخريطة بهدوء، بينما صخر يحمل جزءا كبيرا من المعدات وكأن وزنها لا يعني شيء له.
كان يحمل حقيبتين كبيرتين بالإضافة إلى صندوق معدات صغير، ومع ذلك وقف بثبات تام كأن الأمر طبيعي تماما.
رفع يزن حاجبه وهو ينظر لصخر.
"هل تحمل جبل معك أيضا؟ "
أجاب صخر بهدوء.
"اذا اضطررت. "
ساد صمت لثانيتين قبل أن ينفجر الجميع ضحكا.
سامر هز رأسه.
"أحيانا أشعر أنه ليس إنسانا. "
ابتسمت أسماء.
"إنه صخر، الاسم يشرح كل شيء. "
إيما وقفت جانب أسماء بهدوء، عيناها تتجولان بين الطلبة والمكان وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع الرياح الخفيفة.
كانت أكثر هدوءا من المعتاد، تراقب الجميع بصمت.
أما أوس فكان مشغولا بقراءة خريطة صغيرة مطوية بين يديه.
عيناه تتحركان بين الخطوط والإنحدارات المرسومة بتركيز كامل، وكأن الضجيج من حوله اختفى تماما.
كعادته، بدا وكأنه سبق الجميع بخطوة بداخل رأسه.
يفكر، يحلل، يرتب كل شيء قبل أن يبدأ.
لاحظت إيما ذلك.
نظرت إليه للحظة قصيرة قبل أن تبعد نظرها.
حتى وسط هذا الجو المحشون، ظل أوس هادئا أكثر من اللازم.
وعلى مسافة قصيرة ظهر آسر أخيرا.
وصل على دراجته النارية السوداء كعادته.
نزل عنها بسهولة، خلع خوذته ومرر يده في شعره البني.
رغم بساطة حركته، كان حضوره واضحا دائما.
لا يحاول لفت الانتباه، لكنه يلفته رغم ذلك.
ابتسمت له أسماء فور أن رأته.
"وصل أخيرا."
رفع آسر حاجبا وهو يقترب.
"هل بدأتم بدوني؟ "
رد يزن مباشرة.
"كنا نأمل ذلك. "
ابتسم آسر نصف ابتسامة ساخرة.
"جرحتم مشاعري. "
قال سامر بدون تردد.
"لا تقلق، ستتعافى. "
اقترب آسر من المجموعة ثم توقفت عيناه للحظة على أوس.
كان الأخير لا يزال ممسكا بالخريطة.
رفع نظره نحوه للحظة قصيرة فقط.
تبادل الاثنان نظرة سريعة، قصيرة، لكنها كانت كافية ليشعر البقية بذلك التوتر المعتاد بينهما.
توتر صامت.
قديم.
ومألوف للجميع.
أسماء لاحظت النظرات فزفرت داخليا.
ليس اليوم.
رجاءا ليس اليوم.
لكن قبل أن يتطور شيء، ظهر الأستاذ عند البوابة يحمل ملفا وبعض الخرائط.
بمجرد رؤيته بدأ الهدوء ينتشر تدريجيا بين الطلبة.
الأصوات انخفضت شيئا فشيئا حتى لم يتبق سوى همسات متفرقة.
رفع الأستاذ صوته.
"استمعوا جيدا، هذه ليست رحلة ترفيهية. "
أشار نحو الخرائط بين يديه.
"اليوم ستطبقون ما درستم نظريا داخل القاعات. "
ثم تابع بنبرة صارمة.
"ستعملون في مجموعات، وكل مجموعة مسؤولة عن تحليل جزء محدد من الموقع. "
صمت لحظة قبل أن يكمل.
"وأي خروج عن النطاق المحدود ممنوع، المنطقة الصخرية خطرة، لذلك أي تصرف غير محسوب قد يسبب إصابة. "
اختفى المزاح تدريجيا.
حتى سامر استقام قليلا.
رفع الأستاذ نظره نحو الحافلتين المتوقفتين قرب البوابة.
"سننطلق خلال دقائق. جهزوا أنفسكم. "
فورا عاد التوتر والحماس للهواء من جديد.
تبادل الطلبة النظرات، بدأ البغض يعدل حقائبه وآخرون تفقدوا معداتهم للمرة الأخيرة.
أما مجموعتهم، فقد وقفت للحظة بصمت قصير.
شيء ما في الجو تغير.
الحماس ما زال موجودا.
لكن خلفه... كان هناك شعور آخر.
شعور خافت بالخوف... بأن هذا اليوم لن يمر ببساطة كما بدأ.
بعد دقائق بدأ الجميع بالصعود إلى الحافلات. كان هنالك حافلتين متوقفتين أمام الجامعة.
محركاتهما تعمل بهدوء، جاهزتان للإنطلاق.
بعض الطلبة كانوا يناقشون الموقع المتوقع، وآخرون منشغلون بالتأكد من أنهم لم ينسوا شيئا.
"هل أحضرت القفازات؟ "
"نعم. "
"وجهاز القياس؟ "
"مع صخر غالبا. "
نظر الجميع نحو صخر تلقائيا، الذي كان يحمل بالفعل نصف المعدات دون أي اعتراض.
أسماء هزت رأسها.
"أقسم أن هذا الرجل مستودع متنقل. "
رد صخر بهدوء كعادته.
"عملي. "
ضحك يزن.
"حتى كلماته اقتصادية. "
داخل الحافلة الثانية، واختاروا المقاعد القريبة من بعضهم.
الحافلة من الداخل كانت واسعة نسبيا، المقاعد مصطفة في صفوف متقاربة، والزجاج الجانبي كان مغطى بطبقة خفيفة من بخار الصباح البارد.
جلست أسماء فورا وكأنها تريد فرض سيطرتها على توزيع المقاعد.
"إيما، هنا. "
أشارت بجانبها مباشرة.
ثم نظرت لسامر.
"وأنت هناك. "
نظر لها سامر.
"من أعطاك سلطة توزيع المقاعد؟ "
رفعت حاجبها.
"أنا. "
تدخل يزن مباشرة.
"للأسف هذا منطقي. "
تنهد سامر باستسلام وجلس مكانه.
أما أوس فاتجه مباشرة نحو مقعد بجانب النافذة، كما لو أن الأمر محسوم من البداية.
جلس بهدوء ووضع حقيبته بجانبه وأخرج الخريطة مرة أخرى.
إيما لمحته بطرف عينها وابتسمت بخفة.
كعادته.
جلس آسر في الجهة المقابلة بعد لحظات، ألقى حقيبته بإهمال خفيف قبل أن يستند إلى المقعد.
مال رأسه قليلا نحو النافذة المقابلة.
بدا مرتاحا أكثر عندما بدأت الحافلة تمتلئ بالطلبة والصوت يزداد.
الجو كان أخف، أسماء أصرت على صورة جماعية.
"صورة! "
سامر رفع يده فورا.
"لا! "
"نعم. "
"لا. "
تدخل يزن بضحكة.
"أظنها ستلتقطعا سواء وافقت أم لا. "
أسماء ابتسمت بانتصار.
"أخيرا شخص يفهمني. "
سامر أشار نحو وجهه.
"أنا لم أستيقظ بالكامل حتى. "
ردت أسماء فورا.
"هذا وجهك الطبيعي. "
انطلقت ضحكة عالية من إيما، بينما أخفى خالد ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.
نظر سامر إليهم بصدمة درامية.
"أنتم جميعا ضدي. "
تدخل صخر بهدوء.
"التقطي بسرعة. "
ضحكت أسماء بانتصار.
"أحب تعاونك يا صخر. "
خلال الطريق، امتلأت الحافلة بالأحاديث والضحكات، لكن وسط كل هذا كله، كان هناك تناقض واضح.
أوس يراجع الخريطة للمرة الثالثة بينما آسر ينظر الطريق الخارجي بهدوء.
الأول يثق بالخرائط والآخر يثق بالطريق.
إيما لاحظت ذلك وأدركت شيئا غريبا، هما مختلفان جدا لكن بينهما تشابه لا تستطيع فهمه بعد.
بعد قرابة ساعة، وصلت الحافلات إلى الموقع.
ما إن نزل الجميع حتى ضربهم هواء البحر بقوة.
المشهد أمامهم كان مذهلا.
أمواج البحر تضرب الصخور بعنف، رذاذ ماء يتطاير مع الرياح، منحدرات صخرية ممتدة، ونباتات متناثرة بين الشقوق.
المكان جميل لكنه خطير.
رفعت أسماء عينيها بانبهار.
"المكان أجمل مما توقعت. "
قال خالد وهو يراقب التضاريس.
"وأصعب أيضا. "
نظر صخر حوله.
"الحركة هنا تحتاج انتباها. "
صفر الأستاذ بالصفارة التي يحملها في يده.
"استعموا جيدا لأنني لن أكرر كلامي مرة أخرى. "
اجتمع الطلاب فورا حوله في دائرة كبيرة.
"ستعملون كمجموعات، كل مجموعة ستأخذ منطقة، سأضع المشرف عليكم حسب كفاءتكم. المطلوب منكم تمثيل تلك المنطقة في خريطة مع إظهار تضاريسيها وتقديم تقرير لي."
بدأ الأستاذ بتقسيم المجموعات وتحديد المشرف عليهم.
مجموعتهم حصلت على منطقة صخرية متوسطة الصعوبة وأوس هو المشرف.
بمجرد وصولهم لمنطقتهم، بدأ أوس تلقائيا بتنظيم العمل.
"خالد معي لتخطيط الخرائط. "
ثم نظر نحو إيما وأسماء.
"أنتما للملاحظات. "
ثم صخر.
"القياسات. "
سامر ويزن أومآ.
"سنساعد. "
وأخيرا وقعت عيناه على آسر، صمت لحظة.
"استطلع المنطقة ضمن النطاق المحدد لنبدأ بتمثيلها على الخريطة. "
لم يرد آسر لكنه لم يعترض.
بدأ الجميع بالعمل.
في البداية، سارت الأمور بشكل جيد.
أسماء تنظم وتعطي إيما لتدون.
خالد يناقش أوس في المعطيات، صخر يساعد في القياسات وسامر ويزن يخففان التوتر بالمزاح بينما آسر يحدد تضاريس المنطقة.
الرياح اشتدت قليلا.
فجأة كادت إحدى أوراق إيما تطير.
لكن قبل أن تسقط، امتدت يد وأمسكتها.
خالد.
ناولها الورقة بهدوء.
"انتبهي. "
رفعت إيما نظرها إليه.
ابتسمت بلطف.
"شكرا. "
توقفت عيناه عليها للحظة. ثانية واحدة فقط ثم قال بهدوءه المعتاد.
"الرياح تزداد. "
ابتسمت.
"سأنتبه. "
عادت لعملها.
أما خالد فعاد للخريطة لكن شيئا ما بقي في صدره، هادئا وصامتا مثل عادته.
مرت الدقائق التالية بهدوء نسبي.
صوت الأمواج ظل الخلفية الثابتة لكل شيء، بينما توزعت المجموعة بين القياسات والملاحظات وتحليل التضاريس.
أوس كان مندمجا بالكامل مع العمل، عقله يعمل بسرعة، عيناه تنتقلان بين الخريطة، الموقع والإنحدارات الصخرية.
كعادته كل شيء عنده يجب أن يكون واضحا محسوبا ودقيقا.
على بعد أمتار، كانت أسماء تدون الملاحظات بسرعة وهي تحاول تثبيت الأوراق بين يديها بسبب الرياح المتزايدة.
زفرت بضيق وهي تمسك بأحد الأوراق التي بدأت ترتجف بقوة.
"الرياح اليوم عنيدة جدا. "
قال سامر وهو يثبت بعض الأدوات.
"مثل شخص أعرفه. "
نظر يزن نحو آسر.
"تماما. "
أطلق سامر ضحكة قصيرة.
لكن قبل أن يرد أحد، هبت موجة هواء أقوى من السابق فجأة.
وفي لحظة واحدة، انفلتت مجموعة من الاوراق من يد أسماء.
تطايرت الأوراق مع الرياح نحو حافة صخرية قريبة، تحركت أسماء بسرعة خلفها دون تفكير.
"أسماء، انتبهي! "
صرخت إيما فورا.
لكن أسماء كانت قد وصلت إلى الأورقة الأخيرة التي علقت قرب الحافة، انحنت بسرعة لتلتقطها.
وفي اللحظة نفسها.. انزلقت قدمها.
صدر صوت احتكاك حاد بين حذائها والصخر.
شهقت إيما واندفعت نحو صديقتها لتمسكها لكن يد منعتها.
"إيما، لا تتسرعي! "
قال أوس وهو يمسك يدها بقوة.
لكن بدون أي انذار، تحرك آسر بدون تفكير أو تردد، ركض مباشرة بسرعة عنيفة.
وصل إليها في اللحظة التي فقدت فيها توازنها بالكامل، امتدت يده وأمسك معصمها بقوة.
لكن قوة اندفاعه مع الرياح جعلته يختل هو أيضا للحظة.
"آسر! "
صرخت أسماء، أصابعه شدّت حول يدها بقوة أكبر.
حاول تثبيت قدميه فوق الصخور الزلقة، ثانية واحدة فقط لكنها بدت أطول بكثير.
وفي اللحظة التالية، تحرك صخر بسرعة، وصل إليهما ومد ذراعه مباشرة ليمسك آسر من الخلف.
وفي الوقت نفسه، كان أوس قد وصل أيضا.
أمسك بذراع أسماء وسحبها للخلف بسرعة.
ابتعد الأربعة أخيرا عن الحافة، ساد صمت ثقيل، حتى صوت البحر بدا أبعد للحظة.
أسماء كانت تلهث بقوة.
يد آسر مازالت ممسكة بمعصمها، أنفاسه مرتفعة وعيناه مثبتتان عليها.
"هل أنتِ بخير؟ "
خرج صوته حادا أكثر من المعتاد.
نظرت له أسماء ثم أومأت بسرعة.
"أنا... أنا بخير. "
ببطء، ترك آسر يدها.
لكن قبل أن يستقر الجو، انفجر أوس.
صوته خرج حادا بشكل صادم.
"هل فقدتما عقلكما؟! "
ساد الصمت فورا، الجميع تجمد، سامر اتسعت عيناه، يزن صمت تماما، إيما حدقت بأوس بصدمة حتى خالد رفع رأسه بالكامل.
أوس؟ يرفع صوته؟ هذا وحده كان صادما.
شد أوس فكه بقوة، عيناه تنتقلان بين أسماء وآسر. ثم توقفتا على آسر.
"كان يمكن أن تسقطا. "
رد آسر فورا، لا يزال يتنفس بسرعة.
"وكان يجب أن أتركها؟ "
اشتد الصمت أكثر.
رد أوس بحدة واضحة.
"كان يجب أن تفكر أولا! "
اشتعلت عينا آسر.
"لم يكن هناك وقت للتفكير. "
رد أوس فورا.
"وهذا بالضبط مشكلتك. "
مال آسر للأمام خطوة.
"مشكلتي أنني اتحرك؟ "
اشتد التوتر بينهما.
"على الأقل لا أقف وأحسب كل شيء بينما شخص على وشك السقوط. "
الجملة خرجت حادة جدا وضربت شيئا داخل أوس مباشرة.
لثانية واحدة.. اختفى صوت البحر، اختفت الرياح، اختفى كل شيء.
ومضات فقط.. زجاج مكسور.. أنفاس متقطعة.. امرأة تبكي.. صوت مرتجف مألوف...
"أوس... "
تصلب جسده بالكامل، انقبض صدره بقوة مفاجئة حتى شعر وكأن الهواء اختفى من حوله.
وفي تلك اللحظة، لاحظت إيما التغير فورا.
وجه أوس لم يتغير كثيرا، لكنه شحب بشكل واضح، عيناه أصحبتا مخيفتين بهدوئهما.
قبل أن ينفجر الموقف أكثر، ارتفع صوت الأستاذ بصرامة من الخلف.
"ماذا يحدث هنا؟! "
التفت الجميع نحوه فورا.
كان يتقدم بخطوات سريعة، ملامحه متجهمة ونظراته تنتقل بين أفراد المجموعة.
توقفت عيناه على أسماء أولا.
"هل أصبتِ؟ "
هزت رأسها بسرعة.
"لا، أنا بخير. "
نظر بعدها إلى الحافة الصخرية ثم إلى الأوراث المتناثرة.
فهم ما حدث بسرعة، اشتدت ملامحه أكثر.
"كم مرة كررت التعليمات؟ "
ساد الصمت، لم يجب أحد.
ارتفع صوته أكثر.
"هذه منطقة خطرة، لا أريد أي بطولة غبية هنا. "
توقفت عيناه على أوس
"ألست أنت المسؤول عنهم؟ "
ساد صمت ثقيل.
تابع الأستاذ بنبرة أكثر حدة.
"اظهر بعض الكفاءة! "
صمت أوس، بقي واقفا في مكانه، انقبض فكه قليلا واكتفى بالنظر إلى الأرض للحظة قبل أن يرفع عينيه نحو الأستاذ من جديد. لم يكن يملك تبريرا يقوله.
فهو المسؤول عن المجموعة والحادث وقع أمامه.
"المسؤولية لا تعني توزيع المهام فقط، بل تعني أن تعود مجموعتك كاملة دون إصابات. أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت. "
صمت لثوان قبل أن يشير بحدة.
"عودوا جميعا إلى مواقعكم، الآن. "
بدأ الجميع بالتحرك ببطء لكن الجو لم يعد كما كان، اختفى المزاح تماما.
حتى سامر لم يجد ما يقوله، أسماء بقيت صامتة هذه المرة وهذا وحده كان غريبا.
كانت تشعر بثقل في صدرها، ليس فقط بسبب ما حدث... بل بسبب شيء آخر.
شيء رأته في آسر عندما أمسك يدها، شيء بين الخوف والغضب، شيء لم تره فيه من قبل.
عاد الجميع للعمل لكن الصمت صار سيد المكان، أوس عاد للخريطة، خالد استأنف مراجعة المعطيات، صخر أكمل القياسات وسامر ويزن أصبحا أكثر هدوءا.
إيما كانت تكتب لكن تركيزها لم يعد مع الأوراق، عيناها ذهبت نحو أوس مرة أخرى.
شيء ما لم يكن طبيعيا.
كلما رفعت نظرها نحوه وجدته جامدا أكثر من المعتاد، هادئا أكثر من اللازم.
وهذا ما أخافها لأنها تعلم شيئا واحدا، أوس عندما يغضب لا يصرخ عادة.. بل يصمت.. وهذا الصمت أخطر بكثير.
على الجهة الأخرى كان آسر يعمل بصمت لأول مرة منذ بداية اليوم.
ملامحه متصلبة لكنه شعر بنظرة عليه، رفع رأسه ووجد أسماء تنظر له.
لثوان تبادلت أعينهما النظرات ثم اقتربت منه بخطوات هادئة.
وقفت بجانبه وقالت بصوت منخفض.
"شكرا. "
نظر لها.
"على ماذا؟ "
ابتسمت ابتسامة قصيرة رغم التوتر.
"لأنك أنقذتني. "
"اي شخص كان سيفعل الشيء نفسه. "
خفض نظره ثم قال بهدوء.
"كوني أكثر حذرا المرة القادمة. "
ابتسمت أسماء بوضوح أكبر هذه المرة.
"أمرك، سيد التهور. "
رغم التوتر، ظهرت ابتسامة خفيفة جدا على طرف شفتيه، صغيرة جدا لكنها موجودة.
راقبت إيما المشهد من بعيد ثم عادت بعينيها نحو أوس فوجدته ينظر إلى اللاشيء.. ليس إلى الخريطة ولا إلى الموقع.. بل إلى نقطة بعيدة لا يراها سواه.
انقبض قلبها، شعرت بشيء ثقيل في صدرها، هناك شيء ما حدث قبل قليل، شيء أعمق من مجرد شجار مع آسر.
مع اقتراب نهاية اليوم، انتهى العمل أخيرا.
بدأ الطلبة بجمع الأدوات والعودة نحو الحافلات.
الشمس بدأت تميل نحو الغروب والضوء الذهبي انعكس فوق الصخور والبحر.
كان المشهد هادئا وجميلا.
داخل الحافلة، اختفى جو الصباح بالكامل.
لا ضحكات، لا مزاح، فقط صمت وتعب.
سامر أغلق عينيه فور جلوسه، يزن بقي صامتا قرب النافذة، صخر جلس بهدوئه المعتاد.
خالد رفع رأسه قليلا ووقعت عيناه على إيما، كانت واقفة للحظة مترددة ثم اتجهت مباشرة نحو أوس وجلست بجانبه.
توقفت عينا خالد عليهما، صمت، لم تتغير ملامحه ثم عاد ينظر للنافذة لكن أصابعه شدت قليلا فوق حقيبته.
جلست إيما بجانب أوس، كان ينظر للخارج صامتا لكن هذه المرة... صمته لم يكن عاديا.
انتظرت قليلا ثم همست.
"أوس. "
لم يلتفت لكنها أكملت.
"هل أنتَ بخير؟ "
صمت طويل ثم قال أخيرا.
"نعم. "
التفت إليه ببطء ونظرت إلى ملامحه الهادئة وإلى عينيه الثابتتين نحو النافذة، كانت تدرك الحقيقة.
هو يكذب.
يعرف أنها تعلم وهي تعرف أنه يعلم.
لكن رغم ذلك... لن يقول أكثر من هذا، ليس الآن، ربما ليس أبدا.
عادت تنظر نحو النافذة بصمت لكن شيئا واحدا أصبح واضحا لها.
أوس لم يكن يخفي مشاعره لأنه لا يشعر بل لأنه يحمل داخله شيئا ثقيلا جدا... شيئا لم يتعاف منه حتى الآن.
في الخارج استمرت الحافلة في شق الطريق.
أما داخل أوس...
فالماضي الذي دفنه منذ سنوات بدأ يستيقظ من جديد.
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل الثالث.
مليء بالأحداث المشوقة،أليس كذلك؟
هذا الفصل فتح الكثير من الجروح 😭😭.
أسرار كثيرة 😭
بدأت الرواية رسميا 🌚🌚.
حزنت على أوس، اللوم كان موجه له بصفته قائد المجموعة 😔💔.
حبيت التناقض بين أوس وآسر لكن أحسهم متشابهين بطريقة أخرى.
الفصل القادم سيكون مشوق، ستكتشفون الكثير من الأشياء 🌚.
انتظروا الفصول القادمة.
𓆩 : فَـقْــــــرَةُ الأسـْـــئـِلة 𓆪
أوس؟
أسماء؟
إيما؟
آسر؟
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
الرحلة الميدانية؟
سقوط أسماء؟
أسماء وآسر؟
أوس وإيما؟
ذكريات أوس؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.