صدى  الماضي
صدى الماضي
جزء 8 من 8
وضع القراءة:

الفصل الثامن

استيقظت جوري على رنين هاتفها.
تناولت الهاتف بتثاقل، لتجد أن المتصل هو بدر عبر مكالمة فيديو.
ما إن فتحت المكالمة حتى رأته يقف أمام المرآة، ممسكًا ببنطال وقميص، يقلبهما بين يديه وكأنه يستشيرها في اختياره.
ما إن استوعبت ما ينوي ارتداءه حتى اعتدلت في جلستها وقالت بصدمة:
— هل جُننت؟! نحن في قرية، ولسنا في المدينة! ارتدِ ثوبًا، وغترة، وعقالًا.
أطلق بدر زفرة متذمرة وقال:
— لكن الثوب غير مكوي… ولا توجد هنا خادمة لتكويه.
رمقته جوري بنظرة حادة وقالت:
— أحضره إليّ، وسأرى ما يمكنني فعله.
رفع حاجبيه وقال بخبث:
— أرجوك… لا تحرقيه.
ضيقت عينيها وقالت باستنكار:
— وهل سبق أن أحرقت لك شيئًا؟
أجابها بسرعة، وهو يكتم ضحكته:
— وهل سبق أن أمسكتِ مكواة أصلًا؟
صمتت للحظة، ثم قالت بكل براءة:
— لا.
انفجر الاثنان ضاحكين.
لوّحت له بيدها وهي تقول:
— أحضره بسرعة، وسأجد من يساعدني في كيه.
ابتسم بدر وقال:
— حاضر… سأكون عندك بعد قليل.
وانتهت المكالمة، بينما بقيت جوري تهز رأسها مبتسمة، وهي تتمتم:
— هذا الفتى لن يكبر أبدًا.
نهضت جوري على عجل، وارتدت فستانًا طويلًا ذا أكمام طويلة، ثم وضعت وشاحها ولفته على رأسها بإتقان دون أن تغطي وجهها.
وما إن خرجت من الغرفة حتى توقفت للحظة تتأمل المكان.
“لقد رمم جدي المنزل…”
لم يعد كما كان في ذاكرتها؛ فقد تغيرت تفاصيله من الداخل، لكنه احتفظ بذلك الدفء الذي طالما أحبتْه.
أخذت تتجول في الممرات، تبحث عن المطبخ، لكنها لم تهتدِ إليه.
فخرجت إلى فناء المنزل، لتجد بدر قد وصل وهو يحمل ثوبه.
ناولها إياه وهو يقول:
— أحضرته.
رفعت رأسها إليه، وما إن رأته حتى انفجرت ضاحكة.
كان يرتدي قميص الداخلي الخاص بالثوب مع سروال طويل، بينما يقف منتظرًا إنقاذه.
رمقها بنظرة متذمرة، فكتمت ضحكتها بصعوبة وقالت:
— أين المطبخ؟ أريد أن أجد سلمى.
ابتسم بدر وقال:
— من هناك. بالمناسبة… لقد حفظت المنزل كله.
هزت رأسها، ثم اتجهت نحو المطبخ.
وما إن دخلت حتى وجدت الجدة، وسلمى، وفتاتين تساعدانهما في إعداد العشاء.
ابتسمت وقالت:
— السلام عليكم.
ومدت يدها لتحيي إحداهما، لكن الفتاة سحبتها مباشرة إلى عناقٍ قوي وهي تقول بعتابٍ ممزوج بالفرح:
— أيتها الصديقة الخائنة! كيف رحلتِ كل تلك السنوات دون أن تسألي عني؟
اتسعت عينا جوري.
هذه الرائحة… أعرفها.
ابتعدت قليلًا لتتأمل وجهها، ثم ابتسمت بدهشة:
— آية!
شدتها إلى عناقٍ أقوى وهي تقول:
— سامحيني…
ضحكت آية وقالت:
— كنت أظن أنك نسيتِني.
هزت جوري رأسها بسرعة وقالت:
— وكيف أنساك؟
ابتسمت آية وقالت:
— عندما أخبرني فهد أنكم كنتم معه في الطائرة نفسها، ارتديت عباءتي وركضت إلى هنا، لكنك كنتِ نائمة.
شهقت سلمى وهي تضع يدها على خصرها وقالت:
— يا كاذبة! ألم تقولي إنك جئتِ لمساعدتي في إعداد العشاء؟
ضحكت آية وقالت بمكر:
— وأساعدك أيضًا… لكن كان لا بد أن أرى جوري أولًا.
ثم غمزت لها، فضحكت جوري.
لاحظت جوري فتاة تقف بصمت، فتقدمت منها بخجل.
ابتسمت سلمى وقالت:
— هذه نرجس، ابنة عمي سعد… توأم حسين.
ابتسمت جوري وقالت:
— بالطبع أتذكرها… اقتربي.
اقتربت نرجس بخجل، فاحتضنتها جوري بحرارة.
ثم رفعت جوري الثوب وقالت:
— أحتاج إلى مساعدتكما… يجب أن أكوي هذا الثوب.
قالت سلمى:
— نرجس، أحضري المكواة.
— حاضر.
التفتت جوري إلى نرجس وقالت وهي تخفض صوتها:
— تعالي معي… لدي اعتراف.
وما إن خرجتا من المطبخ حتى أمسكت بذراعها وقالت بتوسل:
— أرجوك… أنقذيني! أنا لا أجيد الكي إطلاقًا.
ضحكت نرجس وقالت:
— إذًا تعالي، وسأريكِ الطريقة.
وبعد دقائق، انتهتا من كي الثوب.
ابتسمت جوري بامتنان وقالت:
— شكرًا لك.
ثم اتصلت ببدر وطلبت منه أن يأتي إلى الفناء.
وصل بعد لحظات، فأعطته الثوب.
نظر إليه بدهشة، ثم قال:
— أنتِ من كواه؟
رفعت رأسها بفخر وقالت:
— نعم.
حدق فيها بشك، ثم قال:
— كاذبة.
ضحكت وهي تشير إلى نرجس:
— حسنًا… لقد كشفتني. نرجس هي من قامت بذلك.
نظر إليها بدر باستغراب وقال:
— نرجس؟
أجابت:
— أخت صديقك حسين.
هز رأسه وقال:
— صحيح… أخبرني حسين أن له أختًا، لكنني لا أذكر أنني رأيتها.
ربتت جوري على كتفه وقالت:
— هيا، اذهب واستعد، أما أنا فسأعود لأساعد في إعداد العشاء.
ابتسم بدر بمكر وقال:
— في الطبخ أنتِ ماهرة… أما في كل شيء آخر، فأنتِ فاشلة.
اتسعت عيناها، وانحنت بسرعة تلتقط حصاة صغيرة من الأرض.
ما إن رآها حتى ركض هاربًا وهو يضحك.
لوحت بالحصاة في الهواء وهي تصرخ خلفه:
— هل أنا عدوّتك أم أختك أيها الوغد الصغير؟!
عادت جوري إلى المطبخ، وقد عقدت العزم على ألا تبقى ضيفة في بيت جدها.
رفعت أكمام فستانها إلى ما فوق معصميها، ثم ابتسمت وهي تنظر إلى النساء المنشغلات بإعداد العشاء، وقالت بحماس:
— حسنًا… أخبرنني، ما الذي يحتاج إلى المساعدة؟
التفتت إليها الجدة، ثم ابتسمت بحنان وقالت:
— لا يا ابنتي، أنتِ ضيفتنا اليوم، اذهبي واستريحي.
هزت جوري رأسها باعتراض، واقتربت منها وهي تأخذ السكين من يدها برفق.
— وهل يمكن أن أكون ضيفة في بيت جدي؟ لقد اشتقت إلى هذه الأجواء أكثر من أي شيء آخر.
تبادلت سلمى وآية نظرة سريعة، ثم ابتسمتا.
قالت آية وهي تشير إلى سلة الخضراوات:
— إذًا ابدئي بتقطيع هذه، ولنرَ إن كانت مهارتك في الطبخ ما زالت كما كانت.
رفعت جوري حاجبها بثقة وقالت:
— ستندمين لأنك شككتِ بي.
ضحكت النساء جميعًا، وسرعان ما امتلأ المطبخ بالأحاديث والضحكات، حتى بدا وكأن السنوات التي فرقت بينهن لم تكن سوى أيام قليلة.
ما إن انتهت جوري من تقطيع السلطة حتى صفقت آية بخفة، وقالت مبتسمة:
— ما شاء الله! ستكونين زوجةً ماهرة.
تجمدت ملامح جوري للحظة.
كلمة واحدة…
لكنها كانت كفيلة بأن تعيدها إلى ذلك اليوم الذي أقسمت فيه ألا تسمح لرجل بأن يحتل مكانًا في قلبها مرة أخرى.
أجبرت نفسها على الابتسام، وقالت بهدوء:
— حقًا؟
لاحظت سلمى التغير الذي مر على وجهها، فسارعت إلى تغيير الحديث، وضربت كفًا بكف وهي تقول بفزع:
— يا إلهي! لقد نسيت إعداد الحلويات… أمي ستقتلني!
التفتت إليها جوري وقالت بثقة:
— لا تقلقي، سأحل المشكلة خلال دقائق.
نظرت إليها الفتيات باستغراب، بينما أخرجت هاتفها، وبدأت تضغط على شاشته لثوانٍ، ثم ابتسمت وقالت:
— انتهى الأمر.
سألتها آية بفضول:
— ماذا فعلتِ؟
أجابتها جوري:
— طلبت الحلويات من أحد المتاجر عبر تطبيق إلكتروني. ستصل خلال نصف ساعة.
تبادلت سلمى ونرجس نظرة سريعة، ثم قالت سلمى بتردد:
— أخشى ألا يعجب أبي هذا الأمر…
عقدت جوري حاجبيها وقالت:
— ولماذا؟
ابتسمت سلمى ابتسامة خفيفة وقالت:
— هو محافظ بعض الشيء، ويفضل أن يكون كل شيء يُقدَّم للضيوف من إعداد أهل البيت.
ثم تنهدت وأردفت:
— لكن لا عليك، شكرًا لك. على الأقل أنقذتِني من ورطة حقيقية
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.