صدى  الماضي
صدى الماضي
جزء 5 من 6
وضع القراءة:

الفصل الخامس

نظر بدر إلى الشاب الواقف بجوار جده، فمد يده مصافحًا إياه.
ابتسم الشاب وقال:
— أنا ابن عمك، حسين . لا أظن أنك ما زلت تذكرني.
انفرجت أسارير بدر، ثم ضحك قائلًا:
— بل تذكرتك! أنت الذي أمسك بالحَشره وركض خلفي بها حتى أبكاني.
حك حسين مؤخرة رأسه وهو يضحك بحرج، وقال:
— يبدو أنك ما زلت تحمل لي ضغينة منذ ذلك اليوم.
تعالت ضحكات الجميع، وانكسرت رهبة اللقاء.
أما جوري، فانشغلت بالنظر إلى جدها. كانت ملامحه تشبه ملامح والدها إلى حدٍ كبير، حتى خُيّل إليها أنها ترى والدها واقفًا أمامها.
تساءلت في سرها بحنين:
“لو أن أبي ما زال على قيد الحياة… هل كان سيصبح شبيهًا بجدي إلى هذا الحد؟”
قطع الجد خيط أفكارها حين التفت إلى فهد وقال:
— أخبرني والدك أنك ستأتي اليوم، لذلك قلت له إنني سأصطحبك معي، ما دمت متوجهًا لاستقبال أبناء سالم من المطار.
التفتت فهد إلى الجد وقال ابتسامه ممتنه :
— شكرًا جزيلًا ياجد يوسف جزاك الله خيرًا. لقد أتعبت نفسك معنا.
اكتفى الجد بابتسامة خفيفة، وهز رأسه قائلًا:
— لا شكر على واجب.
ثم نظرت جوري إلى جدها وقالت:
— جدي، أظن سوف اطلب سياره اخرى ، فالأمتعة كثيرة، ولا أعتقد أنها ستتسع كلها.
ابتسم الجد مطمئنًا وقال:
— لا يا ابنتي، ستكفي سيارة واحدة، لا تقلقي.
، توجهوا نحو السيارة.
قال الجد وهو يمد يده إلى باب السائق:
— سأقود أنا.
لكن فهد بادره قائلًا باحترام:
— لا يا جدي دعني أقود. اجلس أنت في المقعد الأمامي واسترح.
حاول الجد الاعتراض، إلا أن فهد أصر بلطف، فلم يجد الجد مجالا للرفض.
جلس الجد إلى جواره في المقعد الأمامي، بينما ركب بدر وجوري وحسين في المقاعد الخلفية، وانطلقت السيارة تشق طريقها خارج المطار، لتبدأ رحلة العودة.
كان فهد يختلس النظر إليها عبر المرآة الأمامية بين الحين والآخر، محاولًا ألا يطيل النظر حتى لا يلفت انتباه الجد.
تأمل ملامحها بصمت، ثم قال في نفسه:
“الآن فقط أدركت ما الذي كان ينقصني… لقد عادت.”
مرت السنوات، وكبرت جوري، وتبدلت ملامحها، إلا أن عينيها البندقيتين بقيتا كما هما… بنفس الدفء الذي سلب قلبه ذات يوم.
لكن شيئًا آخر استوقفه.
كان هناك حزن خافت يسكن عينيها، حزن لم يكن يعرف سببه.
تنهد بصمت، وقال في نفسه:
“ما الذي أثقل قلبك إلى هذا الحد؟”
للحظة، راوده شعور غريب بأن يطمئنها، أن يمحو ذلك الحزن عن وجهها، لكنه سرعان ما طرد الفكرة، وأعاد بصره إلى الطريق قبل أن يلحظ الجد شروده.
قطع الجد الصمت قائلًا:
— أخبرني والدك أنك حصلت على ترقية في عملك. مبارك يا بني. هل أصبحت ضابطًا؟
ابتسم فهد وقال:
— الحمد لله، نعم. ازدادت مسؤولياتي وكثرت الأعمال، لذلك قررت أن آخذ إجازة. وبما أن مطلق وأختي سيتزوجان، فقد وجدت أنها فرصة لأعود وأقضي بعض الوقت هنا. اشتقت إلى القرية… وإلى الإبل. حياة المدينة لم تعد تناسبني.
ضحك الجد وقال مازحًا:
— لأنها تخلو من زوجة تؤنس وحدتك. تزوج، وخذها معك، وعندها لن ترغب في العودة إلى القرية.
ضحك فهد وقال:
— أتظن ذلك؟
ابتسم الجد بثقة وقال:
— ستجد ابنة الحلال بإذن الله.
رفع فهد عينيه إلى المرآة مرة أخرى، وقال بهدوء:
— إن شاء الله.
فوجد جوري قد أغمضت عينيها، واستسلمت للنوم.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم يشعر بها، وهمس في نفسه:
“لم تتغير… ما زلتِ لا تستطيعين مقاومة النوم كلما جلستِ في سيارة، تمامًا كما كنتِ في صغرك.”
ثم أعاد نظره إلى الطريق، بينما كانت الذكريات تتسلل إليه واحدة تلو الأخرى..
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.