الفصل الأول؛
:دوّى النداء في أرجاء صالة المغادرة
“النداء الأخير للمسافرين على متن الرحلة المتجهة إلى الجنوب…”
ارتجفت أصابعها وهي تشدّ على بطاقة الصعود، وكأن الورقة الصغيرة أثقل من أن تُحمل. رفعت رأسها نحو البوابة، ثم أعادته إلى الأرض. لم تكن تخشى الرحلة، بل كانت تخشى ما ينتظرها.
كان يكفي أن تستدير الآن، أن تغادر المطار، وأن تدفن الماضي مرةً أخرى تحت ركام السنوات. لكن الماضي لم يكن يومًا شيئًا يُدفن؛ كان يعرف دائمًا كيف يجد طريقه إليها.
أغمضت عينيها للحظة، فتدفقت الذكريات دفعةً واحدة… المكان الذي ظنت أنها لن تعود إليه أبدًا، الوجوه التي حاولت نسيانها، والكلمات التي ما زالت تنبض في ذاكرتها كأنها قيلت بالأمس.
تنفست ببطء،.
لم تكن رحلتها إلى الجنوب رحلةَ عودةٍ إلى مكان، بل عودةً إلى الجرح الذي تركته خلفها منذ سنوات.
عودة إلى الماضي…
كانت السماء تمطر بغزارة، حتى بدا المطر وكأنه يحاول أن يغسل الألم العالق بينهما.وقفت جوري أمامه، أصابعها المرتجفة تتشبث بيده، بينما كانت دموعها تختلط بمياه المطر.
قالت بصوتٍ متقطع: أرجوك… لا تفعل هذا. ما الذنب الذي اقترفته؟ لقد وعدتني أن لا شيء في هذا العالم سيفرق بيننا… فما الذي تغيّر؟
انتزع يده من بين أصابعها بعنف، ونظر إليها بازدراء.
قال ببرود:
“لا تتظاهري بالبراءة… أنتِ تعلمين جيدًا ما الذي فعلته. أشعر بالاشمئزاز منك. اغربي عن وجهي… فأنتِ لن تكوني زوجتي أبدًا.”
دفعها بقسوة، فسقطت على الأرض المبتلة.
لم يلتفت إليها، بل أكمل طريقه بخطوات هادئة، وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياته.
حدقت في ظهره وهو يبتعد شيئًا فشيئًا، وعيناها ممتلئتان بالذهول قبل الحزن.
همست لنفسها:“كيف انهار كل شيء…؟”
عودة إلى الواقع…
“…النداء الأخير للمسافرين على متن الرحلة المتجهة إلى الجنوب.”
انتفضت جوري من شرودها عندما شعرت بيدٍ تهز كتفها برفق.
التفتت لتجد شقيقها بدر ينظر إليها بقلق.
قال بهدوء: إن كنتِ لا تريدين الذهاب، فلا تجبري نفسك على ذلك لمجرد أنني طلبت منك.”
خفضت بصرها إلى بطاقة الصعود في يدها، بينما كان قلبها يخوض المعركة ذاتها التي ظنت أنها انتهت منذ سنوات.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!