صدى  الماضي
صدى الماضي
جزء 2 من 2
وضع القراءة:

الفصل الثاني:

رفعتُ بصري إليه، فرأيتُ في عينيه ذلك البريق الذي لم أره منذ زمن. ابتسمتُ له ابتسامةً هادئة، أخفيتُ خلفها كل ما عجزتُ عن قوله، ثم همستُ:لطالما تمنيتَ الذهاب، وكنتُ أنا من يقف بينك وبين تلك الأمنية. أما اليوم… فقد طلبتَ هذه الرحلة هديةً لتخرجك من المرحلة الثانوية، وحينها أدركتُ أن رغبتك لم تعد نزوة عابرة، بل رغبه حقيقه.
ابتسمتُ مرةً أخرى، لكن هذه المرة كان في ابتسامتي شيءٌ من الاستسلام، وقلت:هيا… لنذهب
سحبتُ الحقيبة خلفي، فانسابت عجلاتها فوق أرضية المطار بصوتٍ خافت، بينما رفعتُ يدي أعدّل طرحة رأسي بعناية، ثم أسدلتُ اللثام على وجهي بعدها اتجهتُ نحو بوابة الصعود، بخطواتٍ ثابتة.
ما إن جلس بدر إلى جوار نافذة الطائرة حتى عاد إليه ذلك الحماس الطفولي الذي لم تنجح السنوات في انتزاعه منه. كان بدر متحمسًا على نحوٍ لافت، يملأ وجهه إشراقٌ جميل. وكلما نظرتُ إليه، شعرتُ بطاقةٍ تبعث في النفس البهجة
قطع صمتي بصوتٍ هادئ، وهو لا يزال يحدق عبر النافذة:آخر مرة أتيتِ إلى هنا… كان عمركِ يقارب عمري الآن، أليس كذلك؟
التفتُ إليه دون أن أجيب، فأكمل مبتسمًا ابتسامةً صغيرة:لا أتذكر الكثير من تلك الرحلة… كنتُ صغيرًا جدًا آنذاك.
أما أنا… فكنتُ أتذكر كل شيء. جبته وأنا أجول بنظري في أرجاء الطائرة.نعم… تقريبًا
لم أكد أتم كلمتي حتى قاطعها صوتٌ هادئ جاء من جواري:عذرًا… يبدو أن هذا المقعد يخصني.
التفتُّ ببطء نحو مصدر الصوت.
ما إن وقع بصري عليه حتى انتابني شعورٌ غريب، كأنني رأيته في مكانٍ ما… أو في زمنٍ مضى. ظللتُ أحدق فيه للحظات، أحاول انتزاع تلك الذكرى الهاربة من أعماق ذاكرتي، لكنني لم أفلح.
وخزةٌ خفيفة في ذراعي أعادتني إلى الواقع.
التفتُّ إلى بدر، فإذا به يقول للرجل بهدوء:
لا أظن ذلك… أرني تذكرتك.
نهض بدر قليلًا ليتأكد من رقم المقعد، بينما وجدتُ نفسي أعود إليه من جديد.
كانت عيناه سوداويين، عميقتين على نحوٍ يصعب تجاهله، وشعره البني مرتبًا بعناية، ينسدل بخصلاتٍ خفيفة فوق جبينه. أما بشرته القمحية فكانت تضفي على ملامحه دفئًا خاصًا، وزاده قامته الطويلة وبنيته المتناسقة حضورًا لافتًا، حتى بدا وكأنه يلفت الأنظار دون أن يحاول.
في تلك اللحظة، رفع بصره نحوي.
ارتبكت وأشحتُ بعيني سريعًا، متظاهرةً بالانشغال.
بعد أن تفحص التذكرة، ابتسم الرجل باعتذار
وقال:
 أعتذر، يبدو أنني أخطأت في رقم المقعد.
ثم مدَّ يده إلى بدر مضيفًا:
اسمي فهد.
صافحه بدر مبتسمًا وقال:
لا بأس، اسمي بدر. تشرفتُ بمعرفتك.
ابتسم فهد ابتسامةً ودودة، ثم سأل:
هل أنتم ذاهبون للسياحة ؟
بدت الدهشة على وجه بدر من السؤال، لكنه أجابه ببساطة:لا ابن عمي سيحتفل بزفافه، ونحن ذاهبون لحضور الحفل.
اتسعت ابتسامة فهد وقال:
مبارك، وأسأل الله أن يتمم لهم على خير.
ثم أومأ مودعًا، واتجه إلى مقعده.
تابعتُه بطرف عيني حتى ابتعد، بينما بقي ملامحه تطرق أبواب ذاكرتي،لعلي أتذكره .
ما إن أقلعت الطائرة حتى التفتُّ إلى بدر وقلتُ برفق:حاول أن تنام قليلًا. عندما نصل سنستقل سيارةً إلى القرية، ولا أريدك أن تُرهق نفسك.
هزَّ رأسه موافقًا، ولم تمضِ سوى دقائق حتى استسلم للنوم، بينما بقيتُ أنا يقظة.
شغَّلتُ أحد الأفلام على الشاشة الصغيرة أمامي، لكن عيني كانتا تحدقان فيه دون أن ترياه. كانت المشاهد تتوالى، والأصوات تتعاقب، أما ذهني فكان بعيدًا… بعيدًا جدًا.
لم أستطع إيقاف سيل الأفكار الذي اجتاحني.
كيف أصبحت تلك القرية بعد كل هذه الأعوام؟ وهل ما زال منزل والدي قائمًا كما تركته، أم ابتلعته السنوات كما ابتلعت كل شيء؟
ثم تسلل سؤالٌ آخر، كان أثقل من سابقه.
هل يشعر بالذنب؟
هل مرَّ عليه يومٌ واحد تذكَّر فيه ما فعله بي؟ أم أنه طوى تلك الصفحة ومضى بحياته وكأنني لم أكن يومًا جزءًا منها؟
وهل تزوَّج؟ وهل وجد السعادة التي سلبها مني؟
أغمضتُ عينيَّ للحظة، لكن الذكريات كانت أقوى من أن تُغلق في وجهها الأبواب. كلما حاولتُ الهرب منها، وجدتُها تجلس إلى جواري، كراكبٍ لم يشترِ تذكرة، لكنه يصرُّ على مرافقتي حتى نهاية الرحلة.
3 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.