وداعاً وليس إلى اللقاء [5]
**♪~الكتابة ليست هروبًا، بل محاولةٌ لفهم ما لا يُفهم، وتأريخ ما لا يُقال.~♪**
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**Pov: {Narvexa}**
طوال حياتي لم أعرف معنى الخصوصية.
لا داخل هذا المنزل المزدحم بالأصوات، ولا بين جدرانه التي تُفتح أبوابها دون استئذان.
غرفتي؟
لم تكن تُعدّ غرفة أصلًا في أعينهم، مجرد مساحة منسية لا تثير اهتمام أحد.
أما أنا، فكنت أراها عالمي الصغير… ملجئي الوحيد.
ولسوء حظهم – أو ربما حسن حظي – لم يكترث أحد لذلك.
لم أطلب الكثير، فقط بضع لحظات من الصمت،
قليل من السكون الذي لا أذوقه إلا نادرًا.
لكنهم دائمًا هناك، يسحبون تلك اللحظات كما لو أنها لا تخصني.
...
اليوم أيضًا لم يتركوني وشأني.
تطاردني أصواتهم وتعليقاتهم كأنني مادة للسخرية لا تنفد.
طرقات متتالية على الباب – العاشرة ربما – ولم يفهم من خلفه بعد أنني لا أرغب بالرد.
وفي النهاية، فتحت الباب.
كان أبي واقفًا، يحدّق في وجهي لثوانٍ طويلة،
ثم تذكّر فجأة أن لديه فتاة... تُدعى ابنته.
**«لماذا تجلسين دون مساعدة والدتكِ؟ أنتِ ابنةٌ عاقّة»**
أوه، يبدو أنني من نسيتُ أنه يفضّل طفلته المدللة، ابنه العاقل، على الفتاة المنحوسة التي أنجبها بالخطأ.
**«حسنًا أبي، أنا قادمة»**
رغم كل شيء... لا أستطيع كسر احترامي له.
ربما كان يحبني يومًا ما.
قال وهو يتحرك مغادراً:
**«لا تتأخري يا نارفيكسا. عليكِ إنهاء عملك بسرعة، الامتحانات بعد أسبوعين، ويجب أن تجتازيها»**
طبعًا يا أبي... سأفعل.
لكن ليس لأجلك، بل لأن الفشل سيبدو في نظر الجميع استمرارًا طبيعيًا لوجودي.
كأنني منذ البداية وُلدت متأخرة عن الركب،
والآن عليّ أن أركض فقط كي لا أبدو أبطأ مما يتوقعون.
توجهت نحو المطبخ حيث كانت أمي.
غالبًا لا تنتظر مني شيئًا، أو ربما تنتظر فقط ألا أفسد عليها شيئًا.
ابتكرت طبقًا جديدًا، فقط كي لا يُقال إنني بلا فائدة.
وكأن وصفة طعام يمكنها أن تبرر وجودي.
ثم جاءت تهديداتها، بنبرتها المعتادة المغلفة بحبٍّ زائف.
ذلك النوع من الحب الذي يُستخدم كعذرٍ لتسميم الروح.
قالت ما لا داعي لتكراره… لكنه بالتأكيد ليس مما يُقال لمن نحب.
أمي… رمز الحنان المشروط،
التي تؤمن يقينًا أنني لعنة سقطت على العائلة خطأ.
وبما أن هذا آخر يومٍ لي بينهم،
بين هذه الجدران التي تحكمني،
وسط عائلة تكرهني لأسباب أعرف منها اثنين فقط… والباقي لا يهم.
أردت أن يمر اليوم بهدوء، دون شغب، دون صراخ.
لكن كيف يمكن للهدوء أن يعيش طويلًا في بيتٍ كهذا؟
فور دخول أختي العزيزة، أعادت فتح الجراح بمهارةٍ يحسدها عليها الشيطان.
نظرت في وجوههم أتعجب لأمرهم؛
يتنازعون حول قراري، حول مصيري، وكأنني غير موجودة أصلًا.
أنا، التي يتجادلون بشأنها كما لو كنت جمادًا بلا وعي.
حالتي تشبه طفلًا رضيعًا تُرك في غابة،
تتقاذفه الوحوش فيما بينها لأنها لا تعرف كيف تأكله.
لكن للأسف... هذه ليست غابة.
إنها عائلتي.
عائلتي التي تتناقش الآن بهدوءٍ عن مصيري، عن المكان الذي سأُسلَّم إليه... أو ربما يُباع جسدي إليه.
تجاهلت كل شيء وعدت إلى غرفتي.
لا رغبة لي بالكلام، فالضجيج في داخلي أعلى من أي صوت.
ضجيجٌ صامت يلتهمني،
وصراخٌ لا يُسمع، لكنه يُحدث شقوقًا في داخلي.
أنا وذاتي... نقف على حافة الانهيار، كلانا ينتظر سقوط الآخر أولًا.
أنظر إلى انعكاسي في المرآة،
فلا أرى سوى ظلالٍ داكنة، تبتسم ببطءٍ ساخر.
تسكن عينيّ ملامح موتى لا يُدفنون،
وابتسامتي تراوغ الحياة بينما تخفي رماد الحروب خلفها.
خارجي هادئ... لكن الداخل هش، متصدّع، يتداعى بصمتٍ لا يرحم.
••
••
••
✓
**Pov: {Leandr}**
العالم مذهل...
يخفي أسرارًا ومغامرات تحتاج إلى مجنونٍ شجاعٍ ليغوص في بحارها.
كم كان حلمًا طفوليًا... أصبح الآن كابوسًا يبتلعني كل ليلة.
تناولت آخر سلاح وضعته في حقيبتي.
أتحرك كثيرًا، لكن بداخلي خواء لا تمسّه الأصوات.
كل ليلة يفتح فيّ الظلام ثقبًا جديدًا... وأسقط فيه بلا نهاية.
بحثت طويلًا عن ملاذٍ يحميني،
لكن العالم ضاق بي... فأطبقت جدرانه حولي
لم أجد مأوى سوى الموت
نعم، أشعر أنني أعيش فقط عندما أقتل
في تلك اللحظة، أشعر بالحرارة، بالانتشاء... كأن الحياة تعود لنبضي عبر جثة أخرى..
أعلم أنه جنون وأن هذا خاطيء واحتاج إلى طبيب نفسي، لكن هذا خارج إرادتي.
طرقٌ على الباب قطع أفكاري
تناولت الزجاجة الصغيرة التي ترافقني دائمًا، وفتحت الباب.
**«حان موعدنا، هل أنت جاهز؟»**
كان ذلك "ويليام"، آلة بشرية لا تعرف السكون
كأنه ينهار كلما توقف عن العمل.
**«دائمًا جاهز، يا رفيقي»**
صعدنا إلى سطح المبنى، حيث سبقتنا "أبريال"
نظرت إليهما بصمت. فريق صغير، مجنون، لا أحد فينا يملك سببًا للعيش.
تبادلنا النظرات... ليبدأ العد التنازلي.
••
••
••
✓
**Pov: {Aydia}**
الليل ينسحب ببطء، كأنه لا يريد أن يتركني وحدي مع قراري.
الممرات خافتة، والضوء المتسلل من باب الحديقة يرسم خيوطًا باهتة على الأرض.
تسللت بخفة، أحمل حقيبة صغيرة، خالية إلا من الضروري... كقلبي الآن.
وقفت عند الباب.
أدرت وجهي نحو البيت.
صامتٌ، لكنه ليس باردًا.
هنا، كل شيء ما زال يحتفظ بحرارة الذكريات.
لا أحد مستيقظ — كالعادة، وهذا جيد.
هذا الهدوء يشبهني... يشبه قراري.
أنا آسفة.
آسفة لأنني سأرحل دون أن أقول شيئًا.
لكنني تعبت من أن أكون سبب الارتباك،
من أن أكون الذريعة التي تجعلكم تختبئون وتخافون.
أحبكم... أكثر مما تظنون.
ولهذا سأرحل.
سئمت من نظرات القلق في عيونكم.
من خوفكم عليّ أكثر من ثقتكم بي.
أن أكون الخطر، فقط لأنني هنا.
أنا لست خائفة من الرحيل.
أنا خائفة من أن تستمروا بالهرب لأجلي.
أنتم تستحقون الطمأنينة التي لم أعرفها يومًا.
أعلم، لو أخبرتكم، لكنتم هربتم معي من جديد... كما تفعلون دائمًا.
لكنني لم أعد أريد الهرب.
أريد أن تعيشوا.
ولأجل أن تعيشوا... يجب أن أختفي.
هذا ليس عقابًا، ولا نكرانًا...
بل الحب في أكثر أشكاله أنانية وصدقًا.
سأشتاق إليكم... أكثر مما أحتمل.
لكنكم ستنعمون بالهدوء أخيرًا... بدوني.
وداعًا... وليس إلى اللقاء.
ربما... في مكانٍ آخر، سنلتقي دون أن نعرف أننا فعلنا.
••
••
••
✓
**> أحيانًا... تكون البداية الأكثر هدوءًا، مقدمةً لعاصفةٍ لا تُبقي شيئًا على حاله<**
**♪Blakdot♪**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!