تردد [2]
**لا يكشف الطريق نفسه لمن لا يملك شجاعة السير فيه**
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
𝑷𝒐𝒗 : { 𝑵𝒂𝒓𝒗𝒆𝒙𝒂 }
كانت خطواتي بطيئة، تتعثر في الطريق كأن الأرض ترفض أن توصلني إلى حيث أنتمي.
المارّة يرمقونني بنظراتٍ مشمئزة، وأنا أُخفض رأسي متظاهرة باللامبالاة، بينما في داخلي غضبٌ يصرخ:
أنا لست هكذا… لم أُخلق لأبدو بهذا الضعف.
اقتربت من المنزل، وذاك الفرو الأبيض ركض نحوي قبل أن أصل.
**«أهلاً بك يا سيرو… الجبان الصغير. تركتني وسط الوحوش ونجوت بنفسك، سأحاسبك لاحقًا.»**
انحنيت لأداعب رأسه. ارتخى جسده بين يديّ، كأنه يعتذر بصمته.
لم أملك سوى تنهيدةٍ وابتسامةٍ واهية:
**«لا بأس، المهم أنك عدت.»**
لم أتمكن حتى من لمس الباب قبل أن يُفتح بعنف، ووجه أمي يطلّ عليّ كغيمةٍ مشحونة بالبرق.
**«أين كنتِ كل هذا الوقت؟ يبدو أنك بحاجة إلى تربيةٍ جديدة، وسأتكفّل بها بنفسي.»**
لم تسأل عن مظهري أو عن الخدوش في ذراعي. لم تسأل إن كنت بخير.
**«أمي… كنت أحتفل بنجاحي مع سيرو في الغابة. هاجمتنا ذئاب، ونجونا بمعجزة.»**
قلبت عينيها، وغضبها ازداد اشتعالًا.
**«كذبةٌ أخرى؟ ألم أقل لكِ إن تلك الروايات أفسدت عقلك؟ أقسم أني سأحرقها جميعًا قريبًا.»**
ابتلعت غصتي، فكلما حاولت قول الحقيقة بدوتُ أكثر كاذبةً في نظرها.
**«وما علاقة كتبي الآن؟»**
لم أُكمل… إذ وجدت يدها تشد خصلات شعري وتجرني للداخل.
**«هل تعاندينني أيضًا يا ابنة العاقّة؟!»**
تهاوت يدها على خدي الأيسر، صفعةٌ أحرقت جلدي ولم تحرّك رأسي؛ لأنها أمسكتني من شعري كأنها تمسك عارها بيديها.
**«ستقضين يومك في القبو، وغدًا تستيقظين قبل الفجر لتنظيفه… ثم تنظّفين البيت كلّه.»
تركتني لأصطدم بالأرض وذهبت تنادي أخي الأكبر.
زحفت قليلاً، أحاول النهوض، لكن جسدي يرتجف من الإرهاق أكثر من الألم.
دخل لوي، بشَعره الأشقر المموج ونظراته المتقززة:
**«أمي، لم لا تطلبين من أبي أن يأخذها؟ لا أريد لمسها، إنها مقرفة.»**
يا ليتك تدري كم أتمنى أن أمزّق خصلاتك تلك يا أخي العزيز.
لكن أمي أجابته ببرود:
**«والدك ليس هنا، وأنا لا أريد أن أراها أكثر من ذلك. ستتكفّل بها أنت.»**
نهضتُ بصعوبة، أتقدّم نحو القبو بخطواتٍ متعثّرة.
همست دون أن أنظر إليه:
**«تأكد أنك ستكون ثالث شخصٍ أقتله، أيها العزيز.»**
ضحك، ونبرة السخرية لم تفارقه.
**«لا تحلمي كثيرًا يا نارفيكسا… كوني شاكرة أننا لم نسلّمك للمنظمة. لولا اسم العائلة لكنتِ في عداد الموتى الآن.»**
**«توقّف عن قول هذا، كأنكم تتصدّقون عليّ. تصدقي المنظمة بي أشرف من بقائي بينكم.»**
فتح باب القبو، ودفعني من الخلف دفعةً غادرة.
هوى جسدي على الأرض، وغلق الباب قبل أن أستعيد توازني.
جبان. هكذا كان، وهكذا سيبقى.
نهضتُ، أزحف إلى ركني المعتاد — أريكةٌ مهترئة وأغطيةٌ فقدت رائحتها منذ زمن.
ألقيت نفسي عليها، أبحث عن راحةٍ لا تأتيني.
لكن الصورة الدموية عادت، ذاك المشهد الذي لم يفارقني منذ ساعتين.
جسدي يتقوّس من الغثيان، وكل ما في داخلي يريد الخروج.
**«كنت أظن أنني قوية… لكني لست سوى فتاةٍ ترتجف أمام الدم.»**
مواءٌ خافت جاء من خلف الشباك الحديدي.
اقتربتُ، وجدت سيرو هناك، عيناه الزرقاوان تلمعان كأنهما نجمتان في هذا العتم.
**«أيها الصغير… سأعفيك من العقاب. لا أحد يرافقني في وحدتي سواك.»**
مددت يدي من بين القضبان لأداعب رأسه. هدأ صوتي، وهدأ قلبي معه.
وبين أنفاسي الثقيلة، أخذني النعاس أخيرًا.
غدًا يومٌ آخر من الانكسار… يجب أن أنهض باكرًا.
❅❅❅❅❅
𝑷𝒐𝒗 : { 𝑨𝒊𝒅𝒊𝒂 }
وضعت الوسادة على أذنيّ أهرب من صوت أختي الصغير المزعج، لكن لا فائدة.
كعادتها، لا تعرف معنى الهدوء.
وحين خيّم الصمت أخيرًا، ابتسمتُ بارتياح.
لكن سعادتي لم تدم أكثر من ثانية —
انسكب الماء البارد على وجهي فجأة.
**«يسعد صباحك يا آدي! هيا، ستتأخرين كعادتك!»**
صرخت، أنفض الماء من شعري وأنا أبحث عن أي سلاحٍ قريب.
**«يا لكِ من طفلةٍ منحوسة! الساعة السادسة فقط، ماذا سأفعل بالمدرسة الآن؟! أقسم لو قتلتكِ سأريح العالم منكِ!»**
ركضت خلفها ممسكةً بمسطرةٍ خشبية.
**«أمي، ابنتكِ ستحاول قتلي! آدي، أنا أختك الصغيرة!»**
**«تذكّري هذا بعد فعلتك، يا صعلوكة!»**
توقّفت فجأة حين هتفت مهدّدة:
**«لو اقتربتِ أكثر سأخبر أبي عن هروبك الليلي من المنزل!»**
اللعنة، تعرف نقاط ضعفي جيدًا.
تنهدت، ألقيت المسطرة جانبًا.
**«حسنًا، صفقة صغيرة. لا تتحدثي عن هذا لأحد، ولن أخبر والدينا عن تلاعبك بمشاعر الفتيان، مفهوم؟»**
تجمّد وجهها، وتلاشت الدماء منه.
نعم، هذه الضربة في الصميم.
«آيديا! لا تفعلي! أعدك، لن أقول شيئًا!»
نظرتُ إليها بهدوءٍ مفتعل.
**«حسنًا. وعديني فقط أن تكفّي عن اللعب بمشاعرهم.»**
ابتسمت ببراءةٍ مصطنعة وقالت:
**«أعدكِ أن أحاول قدر استطاعتي ألا أفعل.»**
ماكرة صغيرة، تشبهني أكثر مما تدرك.
تركتها واتجهت لغرفتي. أخذت حمامًا باردًا، ثم ارتديت ملابسي وخرجت إلى الشارع.
نسيم الصباح يبعث على التفاؤل، لكني كنت مشغولةً بمشاهدتي العابرة:
من نافذة أحد البيوت، سمعت صوت فتاة تصرخ، وأمامها أخرى تبدو أكبر سنًا.
الأصغر تبكي، والأخرى تتحدث بهدوءٍ قاسٍ.
ثم ظهرت امرأة — أمّهما على الأرجح.
وقبل أن ألتقط أنفاسي، صفعت الصغيرة صفعةً قوية سُمِع صداها عبر الشارع.
تجمّدتُ في مكاني.
لو كانت أمي، لكانت سألت أولًا، واحتضنت ثانيًا، وعاقبت أخيرًا.
لكن تلك المرأة لم تنظر حتى في عيني طفلتها.
شعورٌ غريب انقبض في صدري.
كأن شيئًا في تلك الفتاة يناديني من بعيد — شعرها الأحمر، نظرتها المنكسرة…
أقسم أنني رأيتها من قبل، لكن أين؟
تابعت طريقي نحو المدرسة، لكنني لم أترك المشهد خلفي حقًا.
بقي يسير معي، كظلٍّ يهمس في أذني:
سيجمعكما الطريق يومًا، سواء شئتِ أم أبيتِ.
•
•
•
•
•
**> أحيانًا... تكون البداية الأكثر هدوءًا، مقدمةً لعاصفةٍ لا تُبقي شيئًا على حاله<**
**♪Blackdot♪**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!