الصمت الصاخب
الصمت الصاخب
جزء 5 من 5
وضع القراءة:

الفصل الخامس

كان الصباح قد أشرق على شقة دانيال، لكن الضوء الذي تسلل من النافذة لم يفعل شيئًا لتخفيف الظلمة التي بدت وكأنها تتسرب من الفتاة نفسها.
كانت لا تزال في زاويتها، متكورة كما تركها ليلة أمس، يداها مشدودتان على ذراعها حيث لمسها، عيناها مثبتتان على الأرض.
لم تتحرك نحو الماء أو الطعام الذي وضعه لها، ولم تصدر أي صوت. كانت كشبح، موجودة ولكن غائبة، كأن الخوف قد أفرغها من كل شيء إلا الوجود المادي.
دانيال وقف على بعد، يراقبها وهو يحتسي قهوته الباردة.
كان قد أمضى الليل يقلب في الأرشيف الرقمي، يبحث عن أي شيء قد يربط التقرير القديم بما يراه الآن.
لم يجد الكثير، لكن التفاصيل التي عثر عليها كانت كافية لتجعله يشعر أن هناك شيئًا أكبر.
التقرير ذكر أن الجثة كانت في حالة سيئة، وأن الندبة لم تُفحص بعمق لأن القضية أُغلقت كحادث غرق. لكنه لاحظ ملاحظة صغيرة في نهاية التقرير مفادها ان الشرطة تلقت بلاغًا عن شخص مشبوه في المنطقة قبل أسبوع من العثور على الجثة، لكن لم يتم التحقيق.
كتب في مفكرته:
- فتاة ميتة، ندبة محروقة. قبل 7 سنوات.
- شخص مشبوه. هل كان مرتبطًا؟
- الشرطة لم تحقق ؟ رشوة داخلية ؟
نظر إلى الفتاة مرة أخرى. كان يعرف أنها المفتاح، لكنها لم تعطه شيئًا سوى الصمت. حاول مرة أخرى أن يقترب، هذه المرة دون نية اللمس...جلس على بعد خطوتين منها، متكئًا على الحائط، وتحدث بنبرة هادئة، كأنه يفكر بصوت عالٍ. "لا أعرف من أنتِ، أو ما الذي حدث لكِ. لكن تلك العلامة على صدركِ..... إنها تعني شيئًا، أليس كذلك؟"
لم تتحرك. لم ترمش. لكن للحظة، بدا أن أنفاسها توقفت، كأن الكلمة العلامة قد لامست شيئًا بداخلها. لكنه لم يكن متأكدًا. ربما كان خياله يخدعه. ومع ذلك، كتب ذلك:
- ردة فعل خفيفة على ذكر العلامة على صدرها
في تلك اللحظة، قرر أن يغير نهجه مرة أخرى. إذا كانت لا تستجيب للكلمات أو الحركة، ربما كانت الأشياء المادية هي الطريق. أخرج الرسالة من جيبه *لا تثق بأحد. X قريب* ووضعها على الأرض بينهما، على بعد آمن منها. "وجدت هذا معكِ," قال بهدوء. "هل تعرفين من كتبه؟"
نظرت إلى الورقة للحظة أول حركة واضحة من عينيها منذ ساعات لكنها سرعان ما عادت إلى حالتها الجامدة. لكن تلك النظرة كانت كافية لدانيال. كتب:
- تعرفت على الرسالة؟ خوف أم ذكرى؟
كان يشعر أنه يقترب من شيء، لكنه لم يكن يعرف ماذا. كل محاولة كانت كأنه يحفر في الرماد شيء ما موجود، لكنه مدفون بعمق. قرر أن يأخذ خطوة أخرى إلى الخارج. اتصل بكلير في وقت لاحق من ذلك الصباح.
"أحتاجك أن تبحثي عن شيء لي," قال عندما أجابت.
"أي تقارير قديمة عن أشخاص مفقودين أو جثث تم العثور عليها مع ندوب غريبة محروقة، محفورة، أي شيء. ركزي على السنوات العشر الماضية."
"ما زلت تلعب دور المحقق؟" قالت كلير بنبرة ساخرة، لكنها وافقت. "سأرى ما يمكنني العثور عليه. لكن ما الذي يحدث مع تلك الفتاة؟ هل تكلمت؟"
"لا," قال ببساطة. "لكنها تعرف شيئًا. أنا متأكد."
عندما عاد إلى الفتاة بعد المكالمة، لاحظ شيئًا جديدًا. كانت يدها اليمنى، التي كانت تمسك ذراعها طوال الوقت، قد تحركت قليلًا. كانت الآن ممدودة على الأرض، أصابعها ترتجفان وكأنها تحاول الوصول إلى شيء. اقترب بحذر، متابعًا اتجاه يدها. كانت تشير أو ربما تحاول الإشارة إلى الرسالة.
لم يلمسها هذه المرة. تعلم الدرس. بدلاً من ذلك، دفع الورقة برفق بطرف قلمه لتقترب منها. "هل هذا ما تريدين؟" سأل، صوته منخفض.
للحظة، بدت وكأنها ستتحرك. أصابعها اقتربت من الورقة، لكنها توقفت فجأة، وتراجعت يدها إلى صدرها مرة أخرى. عيناها عادتا إلى الأرض، لكن دانيال لاحظ الارتجاف الجديد في كتفيها. كتب ذلك في مفكرته بسرعة
في تلك اللحظة، رن هاتفه. كانت كلير. "وجدت شيئًا," قالت، صوتها مشدود. "تقرير من قبل خمس سنوات. رجل تم العثور عليه ميتًا في مستودع آخر، على بعد عشرة أميال من ذلك المكان. كان على صدره ندبة محروقة 'VI' كتب انه ربما وشم. الشرطة قالت إنه انتحار، لكن الجيران ذكروا سيارة غريبة شوهدت في المنطقة لأسابيع قبل ذلك."
دانيال شعر ببرودة تتسلل إلى ظهره. "VI". ستة. كتب ذلك بسرعة:
- رجل ميت. VI محروق. قبل 5 سنوات.
- سيارة غريبة. نفس النمط؟
نظر إلى الفتاة مرة أخرى. كانت لا تزال صامتة، خائفة، لكن الخيط كان يتشكل الآن. كان هناك شيء يربط هذه الأرقام شيء مظلم، منظم، وأكبر مما توقع. لكنه كان يعرف أن الحقيقة لن تأتي منها مباشرة. كان عليه أن يحفر أعمق.
كان الضوء في شقة دانيال قد بدأ يتلاشى مع اقتراب الغروب، لكن الفتاة لم تتحرك من زاويتها.
كانت لا تزال هناك، متكورة، يداها مشدودتان على ذراعها، عيناها مثبتتان على الأرض كأنها تحاول أن تختفي في نفسها. كوب الماء والطعام بجانبها ظلا كما هما، دون أن تمسهما. الصمت الذي أحاط بها كان أثقل من أي كلمات، لكن دانيال لم يكن مستعدًا للاستسلام بعد. كان عليه أن يجعلها تستجيب ....... بأي طريقة.
جلس على الأرض على بعد آمن، مفكرته مفتوحة أمامه، لكنه لم يكتب شيئًا هذه المرة. بدلاً من ذلك، بدأ يتحدث، صوته هادئ ولكنه مليء بالعزم. "لا أعرف ما مررتِ به، لكنكِ هنا الآن. أنا لن أؤذيكِ. أنا فقط أريد أن أفهم." توقف، يراقب أي تغيير في وجهها. لا شيء. عيناها بقيتا فارغتين.
قرر أن يجرب شيئًا جديدًا. أخرج ورقة بيضاء وقلمًا من مكتبه، ووضعهما على الأرض بينهما، دافعًا إياهما برفق نحوها. "إذا لم تتحدثي، ربما يمكنكِ الكتابة. أي شيء. اسمك، ما حدث، أي شيء تشعرين به." انتظر، يراقب يديها المرتجفتين. للحظة، بدا أن أصابعها تتحرك ...حركة صغيرة جدًا، كأنها تفكر .... لكنها سرعان ما عادت إلى وضعها الجامد.
تنهد، لكنه لم يتوقف. أحضر كتابًا قديمًا من رفّه رواية بسيطة كان قد قرأها مرات عديدة وبدأ يقرأ بصوت منخفض. "كان اليوم مشمسًا، لكن الرياح كانت تحمل همسًا غريبًا..." كان يأمل أن الصوت، الإيقاع، ربما يخترق حاجزها. لاحظ أن أنفاسها تباطأت قليلًا، لكنه لم يكن متأكدًا إن كان ذلك استجابة أم مجرد صدفة. توقف بعد صفحة، ينتظر. لا شيء.
شعر بالإحباط يتسلل إليه، لكنه دفعه بعيدًا. نهض وأحضر قطعة قماش صغيرة من المطبخ، بللها بالماء، ووضعها بجانب كوب الماء. "وجهكِ متسخ قليلًا," قال بنبرة خفيفة. "يمكنكِ استخدام هذا إذا أردتِ." لم تتحرك، لكن عيناها تبعتا الحركة للحظة قبل أن تعودا إلى الأرض.
في تلك اللحظة، قرر أن يجرب شيئًا أكثر جرأة. أخرج الرسالة مرة أخرى ورفعها أمامها، لكن هذه المرة تحدث بصوت أقوى قليلًا. "هذا كان معكِ. هل تعرفين ما يعنيه؟ هل هو شخص؟ ام مكان؟" لاحظ أن كتفيها ارتجفتا قليلًا، لكنها لم ترفع عينيها. كان ذلك شيئًا صغيرًا، لكنه شيء. كتب تلك الملاحظة الصغيرة
ثم جرب نهجًا آخر. أحضر مصباحًا صغيرًا من مكتبه، ووجه الضوء نحو الجدار بجانبها، مكونًا ظلالًا بيديه أرنب، طائر، شكل بسيط.
"كنت أفعل هذا عندما كنت صغيرًا," قال، محاولًا أن يبدو عاديًا. "هل كنتِ تحبين الألعاب؟"
بينما كان دانيال يصنع ظل الطائر على الجدار، شعر للحظة بعبثية الموقف؛ طبيب نفسي وصحفي يحاول محاورة 'شبح' بلغة الأطفال، للحظة، بدا أن عينيها تتبعان الظلال، لكنها سرعان ما عادت إلى حالتها الجامدة . فكتب:
-نظرة للظلال. اهتمام؟ أم رد فعل لا إرادي؟
كل محاولة كانت تصطدم بجدار صمتها، لكن دانيال لم يكن يرى ذلك كفشل تام. كان يرى خدوشًا صغيرة ردود فعل دقيقة، كأنها تقاوم شيئًا بداخلها. لكنه كان يعرف أن الضغط أكثر قد يدمرها. قرر أن يعطيها مساحة، لكنه لم يتوقف عن التفكير.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.