الصمت الصاخب
الصمت الصاخب
جزء 1 من 5
وضع القراءة:

الفصل الاول

الساعة تشير إلى السابعة صباحًا لكن الضوء الشاحب الذي يتسلل من نافذة شقة دانيال
لا يحمل معه أي وعد بيوم مشمس.
الهواء في الغرفة مشبع برائحة القهوة المركزة التي يعتمد عليها ليبدأ يومه وصوت صفحات جريدة الصباح وهي تتقلب بين يديه يملأ الصمت.
على الطاولة أمامه كتاب مفتوح
بعنوان *علم النفس الجنائي: عقول القتلة*
صفحاته مليئة بالهوامش المكتوبة بخط يده الدقيق.
لم يكن يقرأه لأنه مضطر بل لأنه لا يستطيع التوقف.
دانيال في أواخر العشرينات لم يكن يشبه الصحفيين الآخرين في مكتب *النبض الحر*.
لم يكن يحب الأضواء ولا المقابلات الصاخبة ولا حتى رائحة الحبر الطازج في الطابعات.
كان يفضل الزوايا الهادئة الملاحظات الصغيرة التي يدونها في مفكرته والحقائق التي يجمعها كما يجمع عالم آثار شظايا حضارة منسية.
شعره الأسود القصير المبعثر وعيناه البنيتان الحادتان كانتا تخفيان شيئًا أعمق من مجرد فضول صحفي.
لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك. لم يكن يتحدث عن الكثير على أي حال.
ذلك الصباح
رن هاتفه بإلحاح غير معتاد كان الرقم لشخص يعرفه ... شخص من مركز الشرطة
تردد للحظة قبل أن يجيب لكنه عرف أن صمته لن يغير شيئًا.
"دانيال؟ نحتاجك هنا. ...قضية قتل.... العجوز في شارع الجسر. الصحافة مدعوة لذا... ربما تستطيع مساعدتنا أكثر مما تعتقد القضية مُجبرة ان تكون علنًا و نحن لا نريد اي ضوضاء على الأقل لا تزعجنا كالصحافيين الاخرين."
"حسنا....قادم"
في مسرح الجريمة كان الهواء ثقيلًا برائحة الرطوبة والغبار.
منزل العجوز هنري كلايد
كان يبدو كأنه عبارة عن كوخ قديم متداعٍ أثاثه يبدو وكأنه لم يُمس منذ عقود.
الشرطة كانت قد أحاطت المكان والجيران تجمعوا على بعد خطوات يتهامسون بكلمات متقطعة.
الجثة كانت لا تزال في غرفة المعيشة مغطاة بملاءة بيضاء لكن بقعة الدم التي تسربت من تحتها كانت تروي قصة عنيفة.
"سرقة.... على الأرجح"
قال الضابط لوكاس وهو يفرك جبهته بإرهاق.
"الباب مكسور.... والخزنة في الخلف مفتوحة..... لكن شيئًا ما غريب هنا. الجيران يقولون إن العجوز كان يخفي شيئًا. لا أحد يعرف ماذا."
دانيال لم يرد على الفور.
وقف على بعد، يراقب المشهد بعينين لا تفوتهما تفصيلة.
الزجاج المكسور... لم يكن متناثرًا كما ينبغي.
الكرسي مقلوب... لكن الطاولة بجانبه ثابتة.
شيء هنا... لم يُكسر بعشوائية.
انتقلت عيناه إلى الحاضرين....الجيران... الشرطة...
ثم توقفت عند شاب يقف بعيدًا، يفرك يديه بتوتر واضح.
"من هذا؟"
"جين... ابن أخ الضحية" قال لوكاس.
اقترب دانيال ببطء، لا ليواجه... بل ليلاحظ.
"كيف كان عمك؟"
"عادي..."
الإجابة جاءت سريعة أكثر مما ينبغي.
لم يعلّق دانيال.
فقط سجّل في مفكرته:
- توتر غير مبرر... إجابات مختصرة... تجنب النظر
خلال الساعات التالية لم يندفع دانيال نحو استنتاج.
تحدث إلى الجيران.
سيدة عجوز ذكرت صراخًا قبل يومين.
طفل قال إن جين كان يأتي أحيانًا... ويغادر بسرعة.
لم تكن أدلة... بل خيوط.....لكنه كان يعرف كيف يتبع الخيوط.
لاحقًا جلس في سيارته أمام منزل جين بعدما عرف عنوانه من مذكرات التحقيق
لم ينزل فورًا.
كان يراقب.
الضوء في الداخل انطفأ... ثم عاد..... ثم انطفأ من جديد ...لمدة اطول
تردد.
لم يكن من حقه الدخول...
لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي ينتظر.
دفع الباب برفق... كان غير مغلق. هذا ما اثار قلقه لم تأتي الشرطة الى هنا بعد
توقف لحظة عند العتبة.
"خطوة واحدة... وقد أفسد كل شيء"
تمتم لنفسه.
لكنه دخل.
لم يعبث كثيرًا فقط نظر... كما يفعل دائمًا.
شيء في الأرضية لفت انتباهه.
لوحٌ لم يكن في مكانه تمامًا.
انحنى ببطء... رفعه قليلًا...
ووجدها.
علبة معدنية.
لم يفتحها فورًا.
اكتفى بالنظر إليها...
وكأنها تجيب قبل أن تُفتح.
عاد إلى جين هذه المرة طلب منه الحديث في مقهى قريب
وهناك وضع دانيال العلبة على الطاولة.
لم يتكلم....فقط راقب.
جين حاول أن يبدو هادئًا... لكنه فشل.
"ما هذا؟" قالها وهو يضحك... ضحكة قصيرة، جافة.
"أخبرني أنت."
الصمت طال هذه المرة.
"أنت صحفي..."
"وأنت خائف."
ثم اضاف بأبتسامة
" و الخائف يخطئ"
الجملة سقطت بثقل.
نظر جين بعيدًا... ثم عاد بعينيه إليه.
"لم أكن أنوي قتله..."
لم يحتج دانيال أن يقول أكثر.
البقية... خرجت وحدها..
قاده دانيال الى لوكاس مجددا و اخبره ببساطة عما حدث
عندما سأله الضابط لوكاس لاحقًا
"كيف عرفت كل هذا وأنت مجرد صحفي؟"
ابتسم دانيال ابتسامة خفيفة
"قرأت كتابًا عن علم النفس الجنائي. يساعد أحيانًا."
لم يكن يكذب تمامًا لكنه لم يقل الحقيقة كلها لم يكن بحاجة لذلك
لم يكن يريد أن يعرفوا أن السنوات التي قضاها في عيادة نفسية يفكك عقول المرضى
كانت لا تزال تعيش فيه ترى ما لا يراه الآخرون.
اليوم التالي كان الصباح يمر ببطء في شقة دانيال كما يمر دائمًا.
القهوة في الكوب أمامه بدأت تبرد لكنه لم ينتبه كان منهمكًا في قراءة مقال قديم من أرشيف *النبض الحر*
شيء عن اختفاء أشخاص في ضواحي المدينة قبل خمس سنوات
لم يكن المقال مميزًا مجرد تقرير روتيني كتبه صحفي نسي اسمه الآن لكن هناك شيء في التفاصيل أزعجه
كلمات مثل "مستودع مهجور" و"لا أدلة" ظلت عالقة في ذهنه كحبات رمل في ترس يدور تعطل الحركة دون ان تُرى
دانيال لم يكن من النوع الذي يطارد القصص الكبيرة لمجرد العناوين الرنانة
كان يفضل الأشياء التي لا يراها الآخرون الخيوط الرفيعة التي تتدلى من نسيج الحياة اليومية
ربما كان ذلك بسبب سنواته القديمة تلك التي قضاها يستمع إلى أناس يحاولون إخفاء أنفسهم خلف كلماتهم لم يعد يمارس تلك المهنة لكنه لم يتخلَ عن عاداتها أبدًا.
في مكتب الصحيفة ذلك اليوم كان الجو مملًا كالمعتاد أصوات لوحات المفاتيح تملأ الهواء ورائحة الحبر والورق القديم تتسرب من كل زاوية
زميله إيثان كان يتحدث بصوت عالٍ عن شائعة سمعها من أحد المصادر أضواء غريبة تظهر في مستودع مهجور على أطراف المدينة
. "يقولون إنه مسكون أو شيء من هذا القبيل.... ربما قصة جيدة لعدد نهاية الأسبوع؟"
قال إيثان بابتسامة ساخرة لكنه لم ينتظر ردًا قبل أن يعود إلى هاتفه.
دانيال لم يرد أيضًا لكنه كتب في مفكرته:
- مستودع... أضواء... شائعات
ثم أضاف بخط صغير:
- اختفاءات؟
لم يكن متأكدًا مما يبحث عنه لكن شيئًا ما في تلك الفكرة جذب انتباهه
لم يكن يؤمن بالأشباح لكنه كان يؤمن بالأسرار وكل سر يبدأ من مكان ما.
في تلك الليلة بعد انتهاء دوامه قرر الذهاب لم يكن قرارًا متسرعًا كان قد أمضى النهار يبحث في الأرشيف الرقمي للصحيفة يقلب في تقارير قديمة عن المنطقة وجد إشارات متفرقة
شكاوى من الجيران عن ضوضاء ليلية قبل سنوات
تقرير شرطة عن شخص مفقود لم يُحل
وحتى مقالة غامضة عن نشاط غير قانوني لم تُوضح تفاصيله.
لم يكن هناك ما يكفي ليجعل القصة كبيرة لكن كان هناك ما يكفي ليجعله يشعر أن شيئًا ما ينتظره هناك.
ارتدى معطفه الرمادي أخذ مصباحه اليدوي ومفكرته وخرج إلى الليل.
الطريق إلى المستودع كان طويلًا وهادئًا عندما وصل كان المكان أكثر قتامة مما تخيل المبنى الضخم بجدرانه المتصدعة ونوافذه المحطمة بدا كجثة هامدة تحت ضوء القمر الباهت.
وقف للحظة عند الباب المكسور
يستمع.
لم يكن هناك أضواء تلك الليلة لكن الهواء كان ثقيلًا بشيء لا يستطيع تحديده
ربما رائحة الرطوبة أو شيء أعمق
أمسك المصباح بقوة أكبر ودخل.
كانت خطواته تتردد على الأرضية المتآكلة والغبار يتراقص في شعاع الضوء
تقدّم ببطئ
ثم......
توقف.
لم يكن الصوت للريح.
ولم يكن صدى خطواته.
بل...
شيءٌ يتنفس
.ببطء.
في الظلام.
خافت ولكنه واضح
يأتي من زاوية بعيدة.
توقف قلبه للحظة
ثم تسارع نبضه
ثم بدأ يتبع الصوت خطوة بخطوة حتى وصل إلى تلك الزاوية المظلمة.
3 قراءة
2 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.