الفصل الثاني
كان ضوء المصباح يرتجف قليلًا في يد دانيال
ليس من البرد
بل من الصدمة الخفيفة التي اجتاحت جسده عندما رآها
فتاة جالسة ....ترتجف
استقرت عيناه على العلامة المحروقة *IX*
على الجانب الأيسر من عظمة الترقوة، أسفلها مباشرة.
لم تكن مجرد ندبة عشوائية.
كانت متقنة
متعمدة،
كأنها رسالة كُتبت بلغة لا يفهمها بعد.
الفتاة كانت لا تزال متكورة في الزاوية
أنفاسها المتسارعة تخترق صمت المستودع المهجور مثل نبض قلب خائف.
"هل أنتِ بخير؟"
جاء صوته منخفضًا....حذرًا
كمن يحاول تهدئة طائر جريح.
خطا خطوة صغيرة إلى الأمام، رافعًا يده ببطء كعلامة على أنه لا يشكل خطرًا.
لكن عينيها اتسعتا أكثر
كأن الضوء نفسه يحرقها.
فجأة
تراجعت بسرعة
ظهرها يصطدم بالجدار خلفها بعنف جعل الغبار يتساقط من السقف.
لم تصدر صوتًا
لم تصرخ
لم تتكلم
فقط تلك النظرة
مزيج من الرعب والتوسل كأنها ترى فيه شيئًا أسوأ من الظلام الذي تحتمي به.
"انتظري .... أنا لن أؤذيكِ"
قال متوقفًا في مكانه
يحاول أن يبدو ثابتًا رغم الاضطراب الذي بدأ يتسلل إليه.
.لم يكن معتادًا على هذا
كان يقرأ الناس بسهولة
لكن هذه الفتاة كانت كتابًا مغلقًا، صفحاته مشتعلة.
للحظة
بدا أنها قد تهدأ.
أنفاسها تباطأت قليلًا، ويداها، اللتان كانتا تتشبثان بقميصها الممزق، ارتختا.
لكن عندما حاول خطوة أخرى
انفجرت حركتها مرة أخرى.
قفزت إلى الجانب كقطة مذعورة
تعثرت في كومة من الصناديق الخشبية القديمة وسقطت على ركبتيها.
الضوء سقط على وجهها للحظة
شاحب،
عينان غائرتان،
وشفتان متشققتان
دانيال رفع يديه على الفور.
"حسنًا، حسنًا، سأبقى هنا. لا داعي للخوف."
ثم سمعها.
خطوات.
ليست منها
بل من مكان آخر في المستودع.
ثقيلة، متعمدة
تقترب من الجهة الأخرى للجدار المتهالك.
التفت بسرعة، مصباحه يمسح الظلام، لكنه لم يرَ شيئًا سوى الخطوط الباهتة للرفوف المغبرة. عندما عاد بنظره إليها،
لم تكن هناك.
"انتظري!"
صرخ هذه المرة صوته يتردد في الفضاء الفارغ.
ركض نحو المكان الذي كانت فيه، لكنها لم تترك سوى بقعة صغيرة من الدم على الأرض بسبب سقوطها.
الخطوات في الخلف توقفت فجأة، تاركة الصمت يعود أثقل من ذي قبل.
قلب دانيال كان ينبض بقوة وهو يعود إلى شقته تلك الليلة.
لم يستطع النوم.
جلس على مكتبه، ومفكرته مفتوحة أمامه. كتب بسرعة:
- فتاة، صامتة، خائفة.
- حرق: IX. وشم؟ ختم؟
- هربت. لماذا؟ من ماذا؟
- خطوات. شخص آخر؟
أغلق القلم
لكنه لم يستطع إغلاق الأسئلة التي بدأت تتكاثر في ذهنه.
لم تكن مجرد قصة صحفية الآن كان هناك شيء أكبر شيء يشعر به في عظامه.
لم يعد طبيبًا نفسيًا بعد الآن لكنه لم يستطع التوقف عن تحليلها
تلك النظرة
تلك العلامة.
بحث على الإنترنت
وجدها
IX....تسعة
لكن تسعة ماذا؟
رائ كل الارقام تقريبا او اول عشرة ارقام لاتينية
في اليوم التالي عاد إلى المستودع في ضوء النهار.
كان المكان أقل رعبًا، لكنه لم يكن أقل غموضًا.
بحث في الزاوية التي وجدها فيها. وجد قطعة قماش صغيرة ممزقة، ربما من قميصها
وبجانبها
محفورًا على الجدار بخط متعرج كأنه كُتب بسرعة: *VIII*
" ثمانية؟"
توقف. شعر ببرودة تتسلل إلى ظهره.
هل كانت هنا قبلها؟ أم أن شخصًا آخر ترك هذا؟
أخرج هاتفه، التقط صورة للكتابة، ثم كتب في مفكرته:
- VIII. ترتيب؟ أم تحذير؟
لم يكن متأكدًا بعد، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا انه لن يتوقف حتى يجدها مرة أخرى.
لم يكن الضوء الشاحب لصباح اليوم كافيًا ليطرد البرد الذي شعر به دانيال وهو يقف أمام المستودع.
نعم قد كان المكان مختلفًا في النهار .... أقل رعبًا
لكنه لم يفقد تلك الهالة الثقيلة التي تجعلك تشعر أنك مراقب.
في يده، هاتفه، يعرض الصورة التي التقطها للكتابة على الجدار
بجانبها، في مفكرته، كانت الكلمات التي كتبها ليلة أمس لا تزال ترن في ذهنه
لم يكن متأكدًا من أين يبدأ، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد
تلك الفتاة لم تكن هناك بالصدفة.
وتلك الأرقام لم تكن مجرد خربشات.
كان هناك شيء يحتاج إلى فك رموزه
أخرج قطعة القماش الصغيرة التي وجدها ممزقة، متسخة
لكنها لا تزال تحمل رائحة خافتة لشيء معدني،
ربما الدم.
وضعها في جيبه بعناية، كأنها دليل قد يتفتت إذا أساء التعامل معه.
في مكتب *النبض الحر*
حاول أن يبدو طبيعيًا. جلس على مكتبه، يتظاهر بمراجعة بريده الإلكتروني، لكن عينيه كانتا مثبتتين على شاشة الحاسوب.
حاول البحث ... اختفاءات ... مستودع ... أرقام
النتائج كانت متفرقة تقارير قديمة عن أشخاص فقدوا في المنطقة،
معظمها بدون تفاصيل، وبعض المنتديات التي تتحدث عن نظريات المؤامرة.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه
مقالة من صحيفة محلية قبل ثلاث سنوات
بعنوان لغز الضواحي: هل المستودعات القديمة تخفي أسرارًا؟
لم تذكر أرقامًا، لكنها أشارت إلى نشاط مشبوه و شهود تحدثوا عن أشخاص غامضين
كتب في مفكرته:
- ثلاث سنوات. نشاط مشبوه. ارتباط؟
ثم أضاف:
- الفتاة .... ضحية أم ناجية؟
لم يكن لديه إجابة، لكن السؤال بحد ذاته كان كافيًا ليدفعه للمضي قدمًا.
قرر أن يتحدث إلى إيثان، الذي كان أول من ذكر المستودع.
اقترب من مكتبه
حيث كان إيثان يعبث بقلم بين أصابعه.
"تلك الشائعة عن المستودع المهجور... من أين سمعتها؟"
سأل دانيال، محاولًا أن يبدو عابرًا.
إيثان رفع كتفيه.
"من رجل في الحانة قبل يومين. كان يتحدث عن أضواء غريبة، أشخاص يدخلون ولا يخرجون. بدا مخمورًا، لكنك تعرف، أحيانًا الحقيقة تخرج من أفواه السكارى."
ضحك، لكن دانيال لم يبتسم. شكره بهزة رأس وعاد إلى مكتبه.
في تلك الليلة،
لم يعد إلى المستودع مباشرة.
بدلاً من ذلك
ذهب إلى الحانة التي يتردد إيثان اليها أحيانًا مكان صغير في وسط المدينة
تفوح منه رائحة الخمور الرخيصة والسجائر القديمة.
جلس في زاوية
يراقب الوجوه
يستمع إلى المحادثات.
بعد ساعة، لاحظ رجلاً عجوزًا يجلس بمفرده
يداه ترتعشان وهو يمسك بكأس نصف فارغ.
كان يتمتم لنفسه، كلمات متقطعة
"كثيرون ....يوشمون.....يقتلون.....لا احد يبقى حيًا"
اقترب دانيال بحذر وجلس على الطاولة المجاورة.
"سمعتك تتحدث عن شيء غريب,"
قال بنبرة هادئة، كأنه يشارك سرًا صغيرًا.
"ما الذي رأيته؟"
العجوز رفع عينيه المغشاة، وتردد قبل أن يتكلم.
"هناك... أشياء تحدث في تلك الأماكن. المستودعات. يأخذونهم، يضعون عليهم علامات. رأيت واحدًا مرة، على صدره رقم. لم أعد أذهب هناك بعد ذلك."
توقف، وكأن الكلمات أرهقته، ثم أضاف
"ابتعد عنه. لن تجد سوى الموت ..... انا ....انا وجدت الموت"
كان خائفًا ....
دانيال شعر بقشعريرة، لكنه لم يظهرها.
"أي رقم رأيته؟"
سأل، صوته ثابت.
العجوز هز رأسه.
"لا أتذكر. سبعة؟ ثمانية؟.... كل ما أعرفه أنهم لا يتوقفون."
ثم أدار ظهره، منهيًا الحديث.
تنهد دانيال و استند على الكرسي محاولا فهم ما قيل له
في شقته تلك الليلة
جلس دانيال أمام مكتبه مرة أخرى. أخرج الصورة من هاتفه، وقطعة القماش من جيبه، ووضعهما بجانب مفكرته. كتب:
- VIII اي ثمانية على الجدار. IX اي تسعة على الفتاة.
- تحدث العجوز في الحانة عن علامات، أرقام. تجربة؟ عصابة؟
- يأخذونهم. من؟ ولماذا؟
نظر إلى الكتاب على رفّه *علم النفس الجنائي: عقول القتلة*
وتساءل عما إذا كان ما يواجهه الآن أكبر من مجرد قاتل واحد. كان هناك شيء منظم هنا، شيء يتجاوز خياله. لكنه لم يكن خائفًا. ليس بعد. كان مصممًا.
قرر أن الخطوة التالية ستكون العودة إلى المستودع مرة أخرى
لكن هذه المرة، لن يذهب وحيدًا. كان بحاجة إلى عين ثانية، شخص يثق به.
لكنه لم يكن متأكدًا بعد من يمكن أن يكون ذلك الشخص.
في اليوم التالي
. كان جالسًا على مكتبه، الضوء الخافت من المصباح يرسم ظلالًا طويلة على الجدران.
أمامه، الصورة التي التقطها وقطعة القماش الممزقة،
ومفكرته المفتوحة على صفحة مليئة بالملاحظات المتشابكة.
كان يشعر أن هناك شيئًا يفوته خيطًا رفيعًا جدًا بحيث لا يستطيع الإمساك به بعد.
أعاد قراءة ما كتبه
كلمات غامضة، لكنها بدأت تتشكل في ذهنه كجزء من صورة أكبر. بقي يتمتم لنفسه
"لماذا كانت الفتاة تحمل الرقم تسعة باللغة الاتينية محروقة على جلدها؟ ولماذا كان الرقم ثمانية محفورًا على الجدار؟ هل كانا مرتبطين بشخص آخر، أم بشيء أكثر تنظيمًا؟ "
شعر بنبض خافت في صدغه
ليس خوفًا
بل إثارة.
كان يعرف هذا الشعور منذ أيامه القديمة، عندما كان يجلس أمام مريض ويحاول فك شفرته.
بعد ذلك
قرر أن يعود إلى المستودع
لكن هذه المرة لن يذهب وحيدًا كما قرر
كان يحتاج شخص يمكنه أن يرى ما قد يفوته.
فكر في إيثان للحظة
لكنه استبعد الفكرة بسرعة إيثان كان فضوليًا
لكنه لم يكن دقيقًا.
ثم تذكر كلير، المصورة في الصحيفة. كانت هادئة، ذكية، ولديها عين للتفاصيل التي يغفل عنها الآخرون.
كانت قد عملت معه في قصص سابقة، وكان يثق بحدسها.
في المكتب ذلك اليوم التقى بها
كانت كلير تجلس على مكتب، تعبث بكاميرتها، شعرها البني القصير يتدلى على جبهتها.
"ما الأمر، دانيال؟ تبدو كمن لم ينم منذ أسبوع,"
قالت دون أن ترفع عينيها.
"أحتاج مساعدتك,"
قال مباشرة.
"هناك شيء في المستودع المهجور على أطراف المدينة. قصة محتملة، لكنها... غريبة. أريدك أن تأتي معي وتلتقطي بعض الصور."
رفعت حاجبها.
"غريبة ؟... كيف؟"
"لا أعرف بعد,"
توقف للحظة ثم اضاف
"لكن هناك شيء هناك. شيء لا أستطيع تفسيره."
لم يذكر الفتاة أو الأرقام. ليس الآن. كان يريد أن ترى بنفسها، دون أن يؤثر عليها.
ترددت للحظة، ثم أومأت.
"حسنًا. لكن إذا كان هذا مضيعة للوقت، أنت مدين لي بقهوة."
وصلا إلى المستودع في وقت متأخر من بعد الظهر، عندما كان الضوء الذهبي للغروب يتسلل عبر النوافذ المحطمة.
كان المكان هادئًا بشكل مخيف،
لكن دانيال شعر بتوتر خفيف في الهواء
. قاد كلير إلى الزاوية حيث وجد الفتاة، فلاحظت كلير بسرعة وأشارت إلى الكتابة على الجدار
"ما هذا؟"
سألت كلير، وهي ترفع كاميرتها وتلتقط صورة.
"لا أعرف,"
قال، لكنه كان يكذب جزئيًا.
"لكنني وجدت شيئًا آخر هنا أمس. شخصًا. فتاة. كانت خائفة، ثم هربت."
كلير أنزلت الكاميرا ونظرت إليه.
"ولماذا لم تقل هذا من البداية؟"
"لأنني لم أكن متأكدًا مما رأيت,"
قال، وهو يتجنب عينيها.
"لكن هناك شيء غير صحيح هنا. أشعر به."
بدأا يبحثان في المكان.
كلير التقطت صورًا للجدران، الأرضية، الرفوف المغبرة.
كان دانيال يتحرك ببطء، يبحث عن أي علامة أخرى. ثم لاحظ شيئًا خدشًا صغيرًا على إحدى الأعمدة المعدنية،
بالكاد مرئيًا. اقترب، ومرر أصابعه عليه. كان محفورًا بعناية: *VII*.
"كلير، تعالي هنا,"
قال، صوته مشدود.
التقطت صورة للخدش، ثم نظرت إليه. "رقمين الآن؟ ما الذي يحدث هنا، دانيال؟"
لم يجب على الفور. كان ذهنه يركض. كل ما رآه هنا.
همس لنفسه فقط
" VIII....IX...ثم VII ؟"
عبس بضيق
"شئ هنا لا يسير كما يجب"
ثم تذكر كلمات العجوز هل كان هذا دليلًا على شيء أكبر؟
فجأة، سمعا صوتًا
همهمة خافتة، كأنها محرك بعيد.
التفتا معًا،
لكن الضوء في الخارج كان قد بدأ يتلاشى، ولم يستطيعا رؤية شيء.
"يجب علينا الذهاب,"
قالت كلير، صوتها مشوب بالتوتر.
"ليس بعد,"
ردف بسرعة.
"هناك شيء هنا. أعرف ذلك."
لكنهما لم يجدا المزيد تلك الليلة. عندما عادا إلى السيارة، كان دانيال صامتًا، يفكر.
كان يعرف أنه اقترب من شيء. لكنه لم يستطع بعد معرفه ما هو
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!