الصمت الصاخب
الصمت الصاخب
جزء 4 من 5
وضع القراءة:

الفصل الرابع

كانت الفتاة مستلقية على أريكة دانيال، جسدها الهزيل غارق في بطانية رمادية وضعها حولها.
كان الضوء الخافت في الغرفة يكشف عن شحوب وجهها، وعيناها المفتوحتان قليلًا كانتا فارغتين، كأنهما تنظران إلى عالم لا يراه أحد سواها.
لم تتحرك منذ أن استيقظت من إغمائها قبل ساعة، لكنها لم تتكلم، لم تبكِ، لم تصدر أي صوت. فقط تلك الأنفاس الضعيفة، المتقطعة، كانت تؤكد أنها لا تزال على قيد الحياة.
دانيال جلس على كرسي قبالتها، مفكرته مفتوحة على ركبته، وقلمه يتحرك ببطء وهو يكتب ملاحظات متفرقة.
كان قد حاول التحدث إليها مرات عديدة منذ عودتهما من المستودع.
"ما اسمك؟" "هل أنتِ بخير؟" "من كتب تلك الرسالة؟"
لكن كل سؤال كان يتلاشى في الهواء دون رد.
لم تكن تنظر إليه حتى عيناها مثبتتان على نقطة غير مرئية في الجدار، ويداها مشدودتان على البطانية كأنها درع.
كلير كانت قد غادرت بعد أن تأكدت أن الفتاة لن تموت على الأقل.
"لا أعرف ما الذي تريد فعله بها..... لكنني لست متأكدة أنها ستتحدث أبدًا" قالت قبل أن تخرج، صوتها لا يزال يحمل نبرة الذنب.
لكن دانيال لم يرد...... كان منشغلًا بمحاولة فهم ما أمامه.
في البداية
افترض أنها تعاني من صدمة نفسية حادة ربما اكتئاب شديد أو اضطراب ما بعد الصدمة.
كان قد رأى حالات مشابهة في أيامه القديمة كطبيب نفسي..... المرضى الذين يغلقون أنفسهم.... يرفضون العالم، يتراجعون إلى صمت كأنه ملجأ.
اقترب منها بحذر، محاولًا استخدام نبرة هادئة، مطمئنة، كما كان يفعل مع مرضاه.
"أنتِ في أمان هنا.... لا أحد سيؤذيكِ .... يمكنكِ التحدث عندما تكونين مستعدة." لكن لا شيء. حتى عيناها لم ترمش.
حاول مرة أخرى
هذه المرة بتغيير النهج.
جلس على الأرض بجانب الأريكة، ليصبح في مستواها، وتحدث كأنه يروي قصة.
"وجدتكِ في المستودع... كنتِ خائفة جدًا..... لكنكِ لستِ وحدك الآن. أنا هنا لأفهم." توقف، ينتظر أي ردة فعل حركة، نظرة، أي شيء.
لكنها بقيت كتمثال، جسدها مشدود، وكأنها تحبس نفسها داخل قفص غير مرئي.
بعد ساعة من المحاولات الفاشلة، تنهد وأغلق مفكرته.
كان يعرف أن الأساليب النفسية التقليدية لن تنجح هنا.
لم تكن مجرد مريضة..... كانت لغزًا شيئًا أعمق، أكثر تعقيدًا مما يستطيع تشخيصه.
قرر تغيير استراتيجيته.
إذا لم تستجب كإنسانة، سيتعامل معها كقضية صحفية، كسر يحتاج إلى كشفه خطوة بخطوة.
في تلك الليلة، جلس على مكتبه، الرسالة التي وجدها معها مفتوحة أمامه ثم كتب في مفكرته:
- صمت تام. لا استجابة. خوف دائم.
- IX على جلدها. VIII وVII في المستودع. X في الرسالة.
- تحذير من ضحية سابقة؟ لماذا X؟ شخص؟ رمز؟
نظر إلى الرسالة مرة أخرى. الخط كان متعجلًا، مضطربًا، كأن من كتبه كان يهرب أو يحاول إيصال شيء قبل أن يُمسك.
عاد إلى الفتاة، يراقبها من بعيد.
كانت لا تزال في نفس الوضعية، لكن يداها ارتجفتا قليلًا، كأن شيئًا بداخلها لا يزال يقاوم.
لاحظ ندوبًا خفيفة على معصميها .
كتب ذلك أيضًا:
- ندوب على المعصمين.
كلما نظر إليها، شعر أن هناك شيئًا مظلمًا يحيط بها ليس مرضًا، بل تاريخًا. لكنه لم يكن يعرف كيف يصل إليه.
حاول مرة أخيرة تلك الليلة، وضع كوب ماء بجانبها وقال بهدوء، "إذا كنتِ بحاجة إلى أي شيء، أنا هنا." لكن عيناها بقيتا فارغتين، وكأن الكلمات لم تصلها أبدًا.
في اليوم التالي، قرر أن يركز على الأرقام بدلاً منها مباشرة.
أخذ الصور التي التقطتها كلير "VIII" و"VII" وبدأ يبحث في الأرشيف الرقمي للصحيفة مرة أخرى،
هذه المرة بكلمات مثل "أرقام رومانية" و "اختفاءات". وجد تقريرًا قديمًا، مدفونًا في صفحة ثانوية منذ سبع سنوات، عن فتاة تم العثور عليها ميتة قرب نهر خارج المدينة.
كانت الشرطة قد أغلقت القضية كحادث، لكن التقرير ذكر شيئًا غريبًا "ندبة محروقة على صدرها، لم يُحدد شكلها."
كتب في مفكرته:
- ضحية قديمة. ندبة محروقة. ارتباط؟
ثم نظر إلى الفتاة مرة أخرى. كانت لا تزال صامتة، خائفة، كأنها شبح يعيش في جسد.
لكنه كان مصممًا الآن أكثر من أي وقت مضى. إذا لم تتحدث، فسيجد الحقيقة بطريقته.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والشقة غارقة في صمت ثقيل، متقطع فقط بأنفاس الفتاة الضعيفة.
كانت لا تزال مستلقية على الأريكة، جسدها ملفوف بالبطانية، لكنها لم تكن نائمة تمامًا. كانت في حالة وسطى نصف فاقدة للوعي، عيناها مفتوحتان قليلًا، تتحركان ببطء كأنها تحاول استعادة شيء من الواقع.
دانيال كان يراقبها من كرسيه، مفكرته مفتوحة، لكنه توقف عن الكتابة منذ ساعة. كان ينتظر، يراقب، يحاول التقاط أي علامة قد تعطيه مفتاحًا.
فجأة، تحركت. كان ذلك بطيئًا في البداية أصابعها تشد البطانية، ثم رأسها يميل قليلًا. ثم فتحت عينيها بالكامل، وكأن شيئًا ما أيقظها من كابوس. للحظة، بدت وكأنها لا تعرف أين هي. نظرت حولها، عيناها تتسعان تدريجيًا، ثم استقرتا عليه.
"أنتِ بخير" قال دانيال بهدوء، رافعًا يديه كعلامة تهدئة. "أنتِ في مكان آمن الآن....." لكنه لم يكد ينهي كلماته حتى بدأت تتراجع. جسدها انزلق إلى الخلف على الأريكة، ظهرها يضغط على الذراع الخشبي، وكأنها تحاول أن تذوب في القماش لتبتعد عنه.
قام من كرسيه ببطء، محاولًا الاقتراب. "لا أريد أن أؤذيكِ. أنا هنا لأساعد." لكن كل خطوة كان يخطوها كانت تجعلها تتراجع أكثر. عندما وصل إلى حافة الأريكة، كانت قد انزلقت إلى الأرض، متكورة في زاوية الغرفة، ذراعاها ملفوفتان حول نفسها كدرع.
عيناها كانتا مملوءتين بالرعب، لكنها لم تصرخ فقط تلك النظرة الصامتة، كأنها ترى فيه شيئًا أسوأ من الموت.
"حسنًا، سأبقى هنا," قال، متوقفًا في مكانه. لكنه لم يستطع مقاومة المحاولة مرة أخرى. كان بحاجة إلى أي اتصال، أي جسر يمكنه بناؤه. مد يده ببطء نحوها، لم تكن مجرد رغبة في المساعدة، بل كانت محاولة يائسة لكسر هذا الجدار الزجاجي بينهما محاولًا لمس يدها المرتجفة التي كانت تتشبث بالبطانية. "أنا فقط...."
لم يكمل جملته. . ما أن لامست أطراف أصابعه جلدها البارد، انتفضت كأن تياراً كهربائياً ضربها. سحبت يدها بعنف، وأخذت تفرك المكان الذي لمسه بجنون، كأنها تحاول قشط أثر لمسته عن جلدها ثم سحبت يدها إلى صدرها، أصابعها تمسك المكان الذي لمسه بقوة، كأنه حرق جديد . جسدها كله كان يرتجف الآن، أنفاسها تتسارع، وعيناها تنظران إليه كأنه وحش.
دانيال تراجع خطوة، قلبه ينبض بقوة. "آسف," قال بسرعة، صوته منخفض. "لن أفعل ذلك مجددًا." لكنه لاحظ شيئًا في تلك اللحظة الطريقة التي أمسكت بها يدها، الرعب الخام في عينيها. لم يكن مجرد خوف عادي. كان شيئًا أعمق، شيئًا محفورًا فيها.
جلس على الأرض على بعد آمن، يراقبها وهي تظل في زاويتها. كتب في مفكرته:
- استعادة الوعي. خوف شديد من اللمس.
- ردة فعل جسدية: تمسك مكان اللمس كأنه ألم.
- صدمة؟ أكثر من ذلك؟
كان قد افترض في البداية أنها تعاني من اكتئاب أو صدمة نفسية، لكن هذا كان مختلفًا.
لم تكن ترفضه فقط كانت ترفض أي اقتراب، أي لمسة
حاول أن يتذكر ما قرأه في كتبه القديمة عن ردود الفعل هذه لكنه لم يكن متأكدًا بعد اي حاله هي الان .
في الساعات التالية، تركها في زاويتها، لكنه لم يتوقف عن المحاولة بطرق أخرى.
وضع كوب ماء وطبق طعام صغير على بعد خطوات منها، ثم عاد إلى مكتبه. "إذا كنتِ جائعة، إنه هناك," قال دون أن ينظر إليها مباشرة.
لكنها لم تتحرك. ظلت متكورة، يداها لا تزالان تمسكان ذراعها حيث لمسها، عيناها مثبتتان على الأرض.
بدأ يتعامل معها كلغز الآن، كما قرر سابقًا.
إذا لم تستجب للكلمات أو اللمس، فسيحللها من بعيد. نظر الى الصور التي التقطتها كلير، والرسالة وبدأ يربط الخيوط.
كان هناك نمط، لكنه لم يفهمه بعد. لاحظ أيضًا الندوب على معصميها
نظر إليها مرة أخرى. كانت لا تزال ترتجف قليلًا، لكنها لم تتحرك من مكانها. "من فعل هذا بكِ؟" تساءل بصوت منخفض، لنفسه أكثر منها. لم يكن يتوقع إجابة، ولم يحصل على واحدة.
في تلك الليلة، قرر أن يبحث أكثر في التقرير القديم الذي وجده الفتاة الميتة مع الندبة المحروقة. ربما كان هناك المزيد في أرشيف الشرطة. لكنه كان يعرف أن الاقتراب منها، من حقيقتها، سيكون أصعب من أي قضية واجهها من قبل. كانت لغزًا لن يتكلم، لكنه كان مصممًا على فك شفرته، مهما كلفه ذلك.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.