الفصل الخامس
كان المكان مختلفًا تمامًا، وتعالت الأصوات في أرجائه، فنظر كلٌّ منهما إلى الآخر بخوفٍ شديد.
اتسعت عيناهما عندما ظهر شخص يهبط من أعلى الدرج. أسرعا بالاختباء حتى لا يراهما، ثم همست نور:
– من هذا؟ هل تعرفه؟
عقدت حاجبيها وهي تتابعه، ثم أردفت:
– وما الذي يرتديه؟
حكَّ إسلام ذقنه بحيرة، فلم يكن يعلم شيئًا، ظل ينظر إلى الرجل، ثم إلى أرجاء القصر. لم يكن المكان هكذا عندما دخلاه.
لكن ما جعلهما يبتلعان ريقهما بصعوبة كان ظهور سيدة ترتدي فستانًا بدا وكأنه ينتمي إلى العصر الفيكتوري.
اتسعت عينا نور، وشعرت بقلبها يخفق بعنف. كانت تتمنى أن يكون ما تفكر فيه صحيحًا... بينما كان إسلام يتمنى بشدة ألّا يكون كذلك.
اقتربت السيدة من الستار، ثم نظرت خلفه، إلى المكان الذي يختبئان فيه.
تبادل الاثنان نظرة مذعورة.
لقد انكشف أمرهما...
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن متوقعًا على الإطلاق.
تخطتهما السيدة، وكأنهما غير موجودين.
كانا في حالةٍ من الذهول، لكن نور تركته وذهبت لتتأكد بنفسها، بينما وضع إسلام يده على وجهه من فعلتها تلك.
وقفت أمام السيدة مباشرةً، ولكن بلا جدوى؛ فلم تكن السيدة، ولا حتى الخدم، ينظرون إليها، وكأنها غير مرئية.
تركتهم نور وتوجهت إلى إسلام مرةً أخرى.
نظر إليها، فوضعت إصبعها بجانب شفتيها وكأنها تفكر في شيء، ثم قالت:
– لا يرانا أحد إذًا... ماذا سنفعل؟
وضع إسلام يده على رأسه، وقال بعصبيةٍ ونفاد صبر:
– تسألينني؟ أنتِ من وضعتنا هنا! هيا يا فيلسوفة، أخرجينا!
وضعت يدها في خصرها، ورفعت حاجبيها قائلةً:
– أنا من وضعتك؟ أم كتابك اللعين؟
ثم نظرت إلى باب القصر، وأردفت:
– لا يحتاج الأمر إلى تفكير... من الباب.
كان ينظر إلى الباب، وفي داخله شيء يخبره أن الأمر ليس بهذه السهولة. ثم لاحظ شيئًا لم يلتفت إليه من قبل؛ كانت ملابس نور تناسب ذلك العصر، وكذلك ملابسه.
جلس على الأرض، ووضع يده على فمه، وكأنه لم يستوعب ما يحدث، بينما كانت نور لا تفهم شيئًا، فأردفت قائلةً:
– ما بك؟ هل تذكرت شيئًا؟
أمسك بطرف الفستان الذي ترتديه، ووجّه نظره إليها. نظرت إلى ملابسها ثم إلى ملابسه، وفتحت فمها ببلاهة، قبل أن تجلس بجانبه وهي تبحث عن حقيبتها، وتلتفت يمينًا ويسارًا.
نظر إليها، وابتسم بسخرية، ثم أردف قائلًا:
– تبحثين عن حقيبتك وهاتفك؟
مسح وجهه بيده، وأكمل بالنبرة نفسها:
– هل أنتِ بلهاء؟ انتُزعت ملابسنا دون أن نشعر، فهل ستجدين الحقيبة؟
تنهدت بعمق وأغمضت عينيها، لكن حين فتحتهما، وقعتا على شيء، فابتسمت بأمل، ونهضت من مكانها، وتوجهت إلى حيث وقع بصرها.
نظر إليها إسلام، فوجدها تتجه نحو الكتاب، ثم تناولته وتوجهت إليه.
كان ينتظر منها أن تتحدث، فأردفت قائلةً:
– انهض، ها قد وجدنا الكتاب. سنأخذه ونتجه نحو الباب.
نهض معها وهو مستسلم تمامًا، فربما كان الكتاب هو المخرج حقًا من هنا.
كانا يتحركان بحذرٍ شديد نعم، كانا يعلمان أنهما غير مرئيين، لكنهما ظلّا ينظران حولهما بين الحين والآخر. تبادلا النظرات، ثم نظرا إلى الكتاب، وتوجها نحو الباب.
لكن أثناء خروجهما، حدث شيء غريب؛ شعرا بشيء يدفعهما إلى الداخل. لم يكن شخصًا... بل شيئًا غير مرئي.
ابتسم إسلام بسخرية، ورفع حاجبيه قائلًا:
– هل أنتِ سعيدة؟ لقد علقنا هنا إلى الأبد.
عقدت نور حاجبيها باستنكار، وقالت:
– تتحدث معي وكأنني من جلبتك إلى هنا! لا تنسَ أنني أتيت بمفردي، وأنت كذلك.
ثم أكملت وهي تنظر إلى الكتاب:
– أظن أن هذا هو السبب.
مد يده إليها لتناوله، ثم أشار لها أن تتبعه كي يجلسا في مكان بعيد عن ذلك الضجيج.
تنفس بعمق، ثم فتح الكتاب، لكنه توقف فجأة، وراح يقلب صفحاته يمينًا ويسارًا، قبل أن ينظر إليها بتعجب:
– نور، أتذكرين أن هذا الكتاب كان قديمًا للغاية، صحيح؟
أومأت برأسها سريعًا، فابتلع ريقه بصعوبة، ثم فتحه على الصفحة نفسها.
كانت صورة القصر لامعة، لكن الصفحة التالية كانت منزوعة، وكان أثر القطع واضحًا للغاية.
نفخ بضيق، ووضع الكتاب بعصبية على الأرض، ليكتشف أن الصفحة الأخيرة منه كانت فارغة، ناصعة البياض.
وفجأة، بدأت أحرف أخرى تتشكل على الصفحة.
نظرت نور إليها بأمل، ثم هزته كي ينظر هو الآخر.
كانا ينتظران في لهفة، ولم يعودا خائفين كما كانا من قبل.
تشكلت الجملة أمام أعينهما:
– ابحثوا عن الحقيقة... ربما تكون هي طوق النجاة.
نظرا إلى بعضهما البعض في حيرة، وقطع تفكيرهما صوتٌ عالٍ لامرأة:
– جان، لا تذهب قبل تناول الفطور.
ثم ذهبت إليه بابتسامة واسعة ومشرقة.
خمن كلٌّ من إسلام ونور أنها الزوجة، ثم أردفت نور قائلة:
– انهض كي نبحث عن الحقيقة، فالجلوس هنا لم يُجدِ نفعًا.
نظر إليها وهو يرفع حاجبه بسخرية، فأشارت له بيدها بمعنى: «ابقَ أنت هنا».
– سأبحث أنا، واستمر بالنحيب على حظك العاثر.
نظرت نور إلى حيث يجلسون، فرأت عائلة سعيدة حقًا، كان الزوج يقرأ الجريدة، بينما كانت هي منشغلة بإطعام الأطفال. ثم نهض من موضعه، وقبَّل رأسها قبل أن يغادر، وأردف قائلًا:
– كريستيان، لن أتأخر، سأعود على العشاء.
صعدت نور إلى الطابق العلوي، دون أن تعلم عمّا تبحث، فعادت مرة أخرى إلى إسلام كي يفكر معها؛ ولكن هيهات، فقد وجدته نائمًا وكأنهما ليسا في كارثة.
كانت تستشيط غضبًا، فهزته بعنف كي يستيقظ. فتح عينيه ونظر إليها، ثم أردف قائلًا وهو يتثاءب:
– هل وجدتِ الحقيقة بهذه السرعة؟
وضعت يدها في خصرها، وتحدثت بنبرة حادة:
– هل تستهزئ بي؟ تبدو كلوح ثلج لا تأبه بما وقعنا فيه! عمَّ سنبحث ونحن لا نعلم شيئًا؟ ألستَ مرشدًا سياحيًا وتعلم الحقيقة من الأساس؟
جلس إسلام وهو يفكر في حديثها، كان عليه أن يتذكر كل شيء يعلمه عن هذا القصر.
تذكر أن حديث عادل أدى إلى موته، إذًا لم تكن مجرد إشاعات. نظر إليها وتحدث قائلًا:
– كل ما أعلمه أن لعنة القصر مرتبطة بموت شخصٍ هنا، تلك هي الأساطير المزعومة عنه.
كانت تحك رأسها كدلالة على التفكير، بينما كان ينتظر منها أن تتحدث، فأردفت قائلة:
– معرفة الحقيقة تتطلب منا مراقبة الأشخاص هنا. أنا سأراقب كريستيان، وأنت ستراقب جان.
عقد حاجبيه بعدم استيعاب، وأجاب:
– من هؤلاء الأشخاص الذين تتحدثين عنهم؟
تنهدت بنفاد صبر منه، وقالت:
– السيد والسيدة اللذان رأيناهما اليوم. علمت أسماءهما أثناء حديثهما. هيا، انهض.
أومأ برأسه؛ لأن هذا هو الحل الوحيد أمامهما الآن.
ولكن لفت انتباهه شيء؛ فقد كانا يتحدثان بلغة غريبة، ومع ذلك كان يفهمها. نظر إلى نور وأردف قائلًا:
– هل تفهمين حديثهم؟
أدركت هي الأخرى أنها تفهم تلك اللغة الغريبة، فأومأت برأسها له بمعنى نعم.
أمسكت يده، وذهبا إلى المطبخ حيث توجد كريستيان.
كانت تعد العشاء وتتحدث مع الخادمة قائلة:
– سأطعم الأولاد قبل مجيء جان، وأنتِ ستتولين أمر ذهابهم إلى الفراش.
ثم أكملت قائلة:
– أووه، تذكرت! أريد أيضًا أن تطفئي جميع أضواء القصر، شموع فقط.
كانت نور تبتسم؛ فيبدو أنها تعشق زوجها بشدة، أما إسلام فكان يضحك ببلاهة على نظراتها تلك.
وعند حلول المساء، كانت كريستيان تنتظر جان على أحرّ من الجمر، وكذلك إسلام ونور، حتى فُتح باب القصر أخيرًا...
ولكنه لم يكن بمفرده؛ كانت برفقته سيدة أخرى و...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!