وضع القراءة:

الفصل الرابع

لم تستطع نور أن تطرد كلمات الكتاب من رأسها، فقد ظلت تلاحقها طوال الليل، حتى أيقنت أن الهروب منها لم يعد خيارًا.
كانت تُودِّع جدها وجدتها، والدموع تلمع في عينيها، إلا أن قلبها كان يغمره شعورٌ بالسعادة من أجلهما. كانت سعيدة لأن جدها سيحقق أمنيته أخيرًا ويؤدي العمرة، رغم أن شيئًا غامضًا كان يثقل صدرها.
وما إن استدارت متجهة إلى الخارج، حتى تحسست موضع الكتاب داخل حقيبتها. توقفت لثوانٍ، ثم سرحت في الفكرة التي لم تغادر عقلها منذ الأمس.
ماذا لو ذهبت إلى قصر البارون؟
لم يكن لديها ما تخسره. زيارة واحدة قد تمنحها إجابة عن كل الأسئلة التي تؤرقها، أو تثبت أن ما رأته لم يكن سوى أوهام.
عقدت العزم أخيرًا، وغيرت طريقها قبل أن تتجه إلى المنزل... لتسلك الطريق المؤدي إلى قصر البارون.
وفي مكانٍ آخر، كان إسلام يستعد للخروج إلى عمله، لكنه توقف فجأة.
مرر يده في جيب سترته... ثم في جيب بنطاله... ثم فتش حقيبته على عجل.
لا شيء.
أغلق عينيه لحظة، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم وضع يده على رأسه وهو يحاول استرجاع أحداث الأمس.
لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلًا...
فقد كان يعلم أن هاتفه لم يُفقد إلا في مكانٍ واحد.
قصر البارون.
وفي اللحظة نفسها... كان الاثنان يشقان طريقهما إلى المكان ذاته، دون أن يعلم أحدهما أن الآخر يسير إليه أيضًا.
كلما اقتربت السيارة من قصر البارون، تسارعت نبضات قلب نور. لم يكن خوفًا بقدر ما كان شعورًا غامضًا يتسلل إلى أعماقها، كأن المكان يناديها بصمت.
وما إن توقفت السيارة، حتى دفعت الأجرة، ثم هبطت منها ووقفت على الجانب الآخر من الطريق، قبالة القصر مباشرة.
رفعت رأسها تتأمله بانبهار.
لم تصدق أنه يبدو بهذه الفخامة والهيبة، على عكس الصورة القاتمة التي رسمتها الأخبار في ذهنها.
لكن دهشتها لم تدم طويلًا.
فقد لمحت شابًا يتجه بخطوات مترددة نحو البوابة.
اتسعت عيناها وهمست في دهشة:
– إسلام!
وراقبته حتى اختفى داخل القصر، ثم أسرعت تعبر الطريق خلفه.
لن تتكرر هذه الفرصة مرة أخرى.
في الداخل...
رفع رأسه نحو القصر، ثم عاد ببصره إلى الأرض. "لن يستغرق الأمر سوى دقائق... سأجد الهاتف وأغادر."
لكن قدميه لم تتحركا.
كان المكان يثير داخله خوفًا لا يعرف له سببًا.
كان إسلام يتقدم بخطوات متثاقلة، بينما صورة عادل وهو يستغيث به لا تفارق مخيلته.
مرر كفيه على وجهه، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأجبر نفسه على متابعة السير.
راحت عيناه تجولان بين أرجاء القصر، ثم هبطتا إلى الأرضية، يبحثان عن أي أثر لهاتفه... أو لأي دليل يثبت أن ما حدث بالأمس لم يكن وهمًا.
وفجأة...
شق الصمت صوتٌ أنثوي خافت يناديه:
– إسلام!
تجمد في مكانه.
لم يلتفت.
أغمض عينيه للحظة، وأطلق زفيرًا طويلًا، ثم همس في نفسه:
"تماسك... ربما تتوهم من جديد."
لكن الصوت عاد مرة أخرى، هذه المرة أقرب:
– من الجيد أنني وجدتك.
استدار ببطء...
فوجد نور تقف خلفه، تنظر إليه باستغراب، وكأنها تتساءل عن سبب جموده المفاجئ.
تنهد براحة واضحة، ثم قال وهو يضع يده على صدره:
– إنها أنتِ...
كاد الدم أن يتجمد في عروقي.
ثم عقد حاجبيه وأضاف في حيرة:
– ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟
رمقته نور بنظرة غاضبة، امتزج فيها التوتر بالاستياء، ثم أشارت إليه بإصبعها قائلة:
– وتسألني لماذا جئت؟!
رفعت حاجبيها في دهشة وأردفت بنبرة حادة:
– أليس هذا ما أردته منذ البداية؟!
قطب إسلام جبينه وقال باستغراب:
– ماذا تقصدين؟ وما مصلحتي في أن تأتي إلى هنا؟
أطلقت ضحكة ساخرة قصيرة، زادت من حيرته، ثم هزت رأسها بيأس، وأخرجت الكتاب من حقيبتها.
رفعته أمامه قائلة:
– هذا... أتذكره؟
نظر إلى الكتاب، ثم إليها، وقد ازدادت علامات الاستفهام على وجهه.
تنهد بنفاد صبر وقال:
– هل يمكن أن تشرحي بدلًا من هذه الألغاز؟ ما علاقة الكتاب بكل هذا؟
اقتربت منه حتى أصبحت تقف إلى جواره مباشرة، ثم حاولت فتح الكتاب.
لكن صفحاته بقيت منطبقة بإحكام، كأن قوة خفية تمنعها.
عبست في ضيق، وحاولت مرة أخرى... دون جدوى.
ظل إسلام يراقبها في صمت، وقد بدأ يشك في سلامة تصرفاتها.
وقال في حيرة:
– هل انتهيتِ؟
لم تجبه، بل ناولته الكتاب.
أخذه منها على مضض، ثم فتحه بسهولة تامة.
اتسعت عينا نور في ذهول، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
همست لنفسها:
– مستحيل...
أما إسلام، فراح يقلب الصفحات يمينًا ويسارًا، ثم قال باستغراب:
– لا أرى شيئًا غريبًا... هل يوجد خطأ في الكتاب؟
راحت عينا نور تتنقلان بين وجه إسلام والكتاب، تراقب كل حركة تصدر عنه بلهفةٍ امتزجت بالخوف.
أما هو، فأخذ يقلب الصفحات في هدوء، محاولًا العثور على ما تتحدث عنه.
لكن فجأة...
توقفت الصفحات من تلقاء نفسها عند صورة قصر البارون.
حاول أن يقلبها.
مرة...
واثنتين...
لكنها بقيت ثابتة.
عقد حاجبيه في حيرة، ثم انحنى قليلًا نحو الصفحة، وقد ضاقت عيناه وهو يقرأ بصوتٍ خافت كاد لا يُسمع:
– "من هنا بدأ كل شيء... ومن هنا لم يخرج أحد."
شهقت نور، وارتفعت يدها تلقائيًا إلى فمها، بينما اتسعت عيناها في ذهول.
أما إسلام، فقد ظل يحدق في الكلمات، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
تمتم بصوتٍ مضطرب:
– هذه الجملة... لم تكن موجودة.
رفع بصره إليها، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحه، ثم قال:
– كيف ظهرت؟!
حتى أُغلق باب القصر خلفهما بعنف.
التفتا خلفهما في آنٍ واحد، وقد ارتسم الرعب على وجهيهما.
تبادلا نظرةً قصيرة، امتزج فيها الذهول بالخوف.
اندفع إسلام نحو الباب محاولًا فتحه، لكن نور أسرعت خلفه وأمسكت بذراعه، وهي تنظر حولها في اضطراب، كأنها تنتظر ظهور شيءٍ من بين أرجاء القصر.
أمسك إسلام بالمقبض ودفع الباب بكل قوته.
مرة...
ثم أخرى...
لكنه لم يتحرك قيد أنملة، وكأنه أصبح جزءًا من الجدار.
وبينما كان يحاول للمرة الثالثة، انزلق الكتاب من بين يديه وسقط على الأرض.
وما إن لامس البلاط...
حتى انفتحت صفحاته من تلقاء نفسها.
أخذت الأوراق تتقلب بسرعةٍ جنونية، حتى بدا صوتها أشبه بعاصفةٍ من الورق.
وفجأة...
توقفت.
انبعث من الكتاب ضوءٌ أبيض ساطع، حتى اضطر الاثنان إلى تغطية أعينهما بأيديهما.
وما إن خفت الضوء قليلًا...
بدأت الكلمات تُكتب على الصفحة أمام أعينهما، حرفًا تلو الآخر:
"ها قد بدأت الحكاية."
لم تكد الجملة تكتمل...
لم تكد الجملة تكتمل...
حتى اهتز القصر بأكمله.
وتساقط الغبار من السقف.
تراجع إسلام خطوة إلى الخلف، بينما تشبثت نور بذراعه.
وفجأة...
اختفى كل شيء.
اختفى الضوء.
واختفى القصر.
وعندما فتحا أعينهما...
لم يكونا وحدهما.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.