الفصل الأول
هناك طرقًا لا يُفترض بأحد أن يسلكها، وأبوابًا تبقى مغلقة لسببٍ ما.
وحين يُفتح أحد تلك الأبواب بالخطأ، لا يعود كل شيء كما كان.
في ذلك اليوم، لم تكن نور تعلم أن زيارة عادية إلى مكتبة جدها ستقودها إلى أول تلك الأبواب.
وقفت هى بين الأرفف الطويلة، تمرر قطعة القماش فوق طبقات الغبار المتراكمة.
كانت المكتبة تستعيد ملامحها بعد إغلاقٍ استمر أشهرًا بسبب مرض جدّها.
كان فى عينيها حماسٌ خافت، يمتزج بحنينٍ قديم إلى الأيام التي كانت المكتبة تضج فيها بالزوار.
ومع ذلك، لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي استقر في صدرها منذ أن فتحت الباب صباحًا، شعورٌ مبهم لا تملك له تفسيرًا.
مرت ساعة تقريبًا، أنهت فيها التنظيف سريعًا، ثم بدأت تعيد ترتيب الكتب واحدًا تلو الآخر، تتوقف عند كل غلاف وكأنها تبحث عن شيء لا تعرف اسمه.
لم تمضِ لحظات حتى قطع صوت عمّ صبري الصمت:
– ماذا تفعلين يا نور؟ ستقضين اليوم كله بين الكتب؟ لم تصل أي طلبية بعد.
رفعت رأسها بخفة، وقد أربكها صوته المرتفع نسبياً:
سأنتهي سريعًا يا جدي، فقط أرتّبها كما يجب أن تكون، فأعطنى بعض الوقت.
وفي تلك الأثناء، كان شاب في أواخر العشرينيات يسأل عن "مكتبة عم صبري".
دلّه أحد أطفال الحي، فاتجه إليها، وعيناه تتفحصان اليافطة المعلّقة أعلى الباب ليتأكد منها ؛ ثم دخل وألقى التحية بوجهٍ بشوش:
– السلام عليكم... هل أنت أستاذ صبري؟
نظر إليه عم صبري بحدة ورفع حاجبيه قليلاً قائلاً:
– نعم يا بني، من أنت؟ وماذا تريد؟
ابتسم الشاب ببساطة، وهو يمرر نظراته على أركان المكتبة ثم على الفتاة المنشغلة برص الكتب، ثم قال:
– أنا إسلام... الشخص الذى حدثك بخصوص كتب التوريد يا عم صبري.
لم يطل الحديث بينهم كثيرًا، فقد نهض عمّ صبري ليتفقد الشحنة بنفسه، بينما دخلت نور على خط المشهد فور سماعها كلمة "كتب".
كانت مئة كتاب وصلت أخيرًا بعد طول انتظار.
اقتربت بسرعة، وكأن التعب اختفى فجأة من جسدها.
وبينما كان الجد منشغلًا بالحسابات وتفقد الكتب ، كان إسلام يراقبها بصمتٍ غير مقصود، ثم قال بعد لحظة:
– ما اسمك؟
ترددت قليلًا ثم تحدثت قائلة:
– نور.
– إسمٌ جميل، هل تعملين هنا؟
كانت يديها تتشابك بتوتر قائلة:
– أساعد جدى فقط.
لم تدم اللحظة طويلاً رمقهم عم صبري بنظرة حادة، ففرت نور من أمامه سريعًا قبل أن ينهَرها، بينما توجّه إسلام إليه ليساعده في حمل الكتب إلى داخل المكتبة.
كانت الطلبية تضم مئة كتاب، قيمتها المادية خمسة آلاف جنيه. كانت نور تتابع المشهد بشغف كبير، في حين كان جدها يدفع ثمن هذه الكتب.
قال عم صبري:
– أعطنى رقم هاتفك يا بنى، بحيث إن إنتهت الطلبية أحدثك على الفور ؛ فقد عانيت كثيراً حتى وصلت إليكم.
أومأ إسلام برأسه قائلاً:
– حسناً يا عم صبري، دوِّن عندك (010********).
ابتسم عم صبري بعدما دوّن الرقم في الأجندة، ثم سأله:
– هل أنت من تبيع هذه الكتب ؟
عدّل إسلام الكاب على رأسه وتحدث بنبرة فيها شيء من الفخر:
– لا يا عم صبري... أنا أعمل كمرشد سياحي.
قهقهت نور بخفة دون أن تُصدر صوتًا، فلاحظها بطرف عينه، وأخرج من حقيبته كتابًا ومدّه نحوها قائلًا، وهو يشعر بالحرج:
– يبدو أن عملى مضحك بالنسبة لك .
ثم ترك الكتاب نحوها ورحل دون إنتظار رداً منها، بينما شعرت هي بالحرج الشديد، فهي لم تكن تقصد.
نظرت إلى الكتاب الذي وضعه، وتفحصت عنوانه: "أشهر الأماكن التاريخية في مصر".
وضعت الكتاب في حقيبتها دون إكتراث، ثم توجهت نحو الكتب التي وصلت للتو، لتفرزها وترتبها، بينما كان عم صبري يوجهها كالعادة .
استندت إلى الحائط، وشعرت بثقل في ساقيها بعد ساعات من الوقوف، فجلست قليلًا لتستريح. أخرجت الكتاب من حقيبتها، ثم فتحته، وبدأت تقرأ عن أماكن لم تكن تعلم عنها شيئًا من قبل، حتى توقفت عند الصفحة رقم خمسين، والتي احتوت على فقرة بسيطة عن قصر البارون، وكانت صورة القصر تملأ الصفحة المقابلة.
نظرت للصورة بدهشة؛ من يراها يظن أنها ليست جزءًا من هذا الكتاب، فقد كان لونها وهيئتها مختلفين تمامًا عن البقية .
وفي أثناء تأملها، انقطع التيار الكهربى فجأة .
نفخت بضيق وقالت لنفسها بتأفف : "حقاً؟ الآن؟"
أغلقت الكتاب وانتظرت عودة الكهرباء على أحر من الجمر، لكن لا فائدة.
مرّت حوالى ساعة تقريبًا، حتى شعرت خلالها بالملل، ففتحت الكتاب من حيث توقفت، وأشعلت كشاف الهاتف، حتى تتابع القراءة.
عندما وجهت ضوء الكشاف على صورة قصر البارون، لاحظت شيئًا غريبًا.
الصفحة كانت أكثر سُمكًا من غيرها، ولونها مائل للاصفرار، بعكس الصفحات الأخرى التي كانت بيضاء.
وفي اللحظة التي وضعت فيها يدها عليها كى تتحسسها انطفأ كل ما حولها.
الأصوات اختفت فجأة ،حتى الهواء… توقف.
ثم سمعت صوتًا خافتًا قادم إليها، كأن صفحة تُقلب من تلقاء نفسها، لكن الكتاب لم يكن مفتوحًا من الأساس.
تشنجت أصابعها حول الكتاب وضغطت عليه بقوة؛ فانفتح وحده دون سعى منها، صفحة واحدة فقط فارغة للحظة…
ثم بدأت الكلمات تظهر أمامها ببطء؛ كأنها تُكتب أمام عينيها.
من هنا بدأ كل شيء..."
تجمدت نور في مكانها.
حدقت في الكلمات لثوانٍ، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كانت متأكدة أن الصفحة كانت فارغة قبل لحظات.
رفعت رأسها سريعًا ونظرت حولها.
المكتبة كما هي.
الأرفف في أماكنها.
المكتب الخشبي في آخر القاعة.
ولا أحد غيرها.
عادت ببصرها إلى الكتاب.
ظهرت جملة جديدة أسفل الأولى ببطء، حرفًا تلو الآخر:
"ومن هنا... لم يخرج أحد."
بردت أصابعها فجأة، وشعرت بأن أنفاسها أصبحت أثقل، أغلقت عينيها لثانية ثم فتحتهما من جديد، كأنها تنتظر أن تختفي الكلمات.
لكنها كانت لا تزال هناك.
وفجأة...
صدر صوت مكتوم من بين الأرفف.
صوت سقوط شيءٍ ما على الأرض، التفتت نحوه بسرعة.
كان الممر فارغًا لا أحد.
ولا شيء يتحرك؛ لكنها لم تخطئ السمع.
وحين أعادت نظرها إلى الصفحة، كانت جملة ثالثة قد ظهرت بالفعل:
"إن بدأتِ القراءة... فلن تتوقفي."
انقلبت صفحة وحدها.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
تسارعت حركة الأوراق كأن يدًا خفية تعبث بها، أمسكت نور الغلاف بكلتا يديها محاولة إغلاقه، ضغطت على الغلاف أكثر، لكن يديها توقفتا فجأة، وكأن قوة خفية تمنع الكتاب من الإغلاق.
في تلك اللحظة خفتت الإضاءة من جديد لم تنطفئ تمامًا؛ لكن الظلال بين الأرفف أصبحت أعمق من اللازم ،وتسللت إلى أذنها خشخشة خافتة، هذه المرة لم تأتِ من الكتاب.
بل من مكان ما داخل المكتبة، مكان لم تستطع تحديده.
ثبتت عيناها على الصفحة وببطء شديد...
بدأت كلمات جديدة تتشكل أمامها.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!