وضع القراءة:

الفصل الثالث

كان إسلام يحدق في الطبيب بصدمة، بينما راحت عيناه تجولان في أرجاء القصر في اضطراب.
أكان ما رآه قبل قليل مجرد وهم؟ أم أنه عاش شيئًا يعجز العقل عن تصديقه؟
قبل دقائق، كان عادل يتشبث بيده، يستغيث به بكل ما أوتي من قوة، ويصرخ بأن شيئًا ما يجذبه إلى الأسفل. أما الآن، فلم تكن هناك حفرة، ولا أثر لسقوط... بل جثمان مسجّى في منتصف القصر، وقد أكد الطبيب أن الوفاة نجمت عن أزمة قلبية حادة.
لم يستطع إسلام استيعاب ما حدث، اندفع إلى داخل القصر غير عابئ بمحاولات رجال الأمن إيقافه، حتى بلغ الموضع الذي وُجد فيه عادل.
ظل يحدق في جسده طويلًا، كانت ملابسه كما هي، نظيفة لا يعلوها غبار، وكأنه لم يسقط قط. ولو كان قد هوى فعلًا داخل حفرة، فلا بد أن آثار السقوط كانت ستبدو واضحة على ثيابه، خاصةً أن القصر مهجور، وأرضيته مغطاة بالغبار والأتربة.
ارتبك، ثم أسرع إلى المكان الذي اختفت فيه الحفرة.
توقف في مكانه، وحدق في الأرض بذهول.
لم يكن هناك شيء.
لا حفرة...
ولا شقوق...
ولا حتى أثر يدل على أن أحدًا سقط هنا قبل دقائق.
تراجع خطوة إلى الخلف، بينما أخذ الألم يشتد في رأسه شيئًا فشيئًا.
شعر وكأن أفكاره تتصادم داخل عقله، حتى غامت الرؤية أمام عينيه، واختل توازنه، ليسقط مغشيًا عليه فوق أرضية القصر الباردة.
وعند الظهيرة، كانت نور تجلس في مكتبة عم صبري، تدوّن عناوين الكتب التي طلبها الزبائن، استعدادًا لإضافتها إلى الطلبية الجديدة.
لم تكن تساعد جدها بدافع الشفقة أو لمجرد تمضية الوقت، بل لأن الكتب كانت عالمها الوحيد، والمكان الذي تجد فيه نفسها.
أما عم صبري، فكان يراقبها من بعيد بصمت.
تنهد في خفوت، وتسربت إلى رأسه أفكار حاول كثيرًا التخلص منها.
لماذا نجت هي وحدها؟
ذلك السؤال لم يفارقه منذ حادث السيارة الذي أودى بحياة ابنه وزوجة ابنه.
كيف كتب الله لها النجاة، بينما رحل الجميع؟
وكيف أصبح مسؤولًا عنها وحده، وهو الذي لم يعتد يومًا التعبير عن مشاعره؟
زفر بضيق، ثم نهض من مقعده وقال باقتضاب:
– سأذهب لأداء صلاة الظهر... اعتني بالمكتبة حتى أعود.
رفعت نور رأسها، وابتسمت ابتسامة هادئة.
– حسنًا يا جدي... تقبل الله منك.
أومأ برأسه، ثم غادر دون أن يضيف كلمة أخرى.
انتظرت حتى تأكدت من خروجه، ثم أخرجت الكتاب من حقيبتها بحذر.
كانت تعلم أنه لا يحب انشغالها بالقراءة أثناء العمل، لذلك كانت تحرص على ألا تفتحه إلا في غيابه.
تأملت الجملة التي ظهرت بين صفحاته، ثم أخرجت هاتفها وبدأت تبحث عن قصر البارون.
لم تجد في الكتاب سوى نبذة مختصرة عن القصر وغرفه وصاحبه، لكنها كانت تشعر أن الحقيقة أكبر بكثير مما كُتب.
وبينما تتصفح نتائج البحث، استوقفها خبر نُشر قبل ساعة واحدة.
"وفاة مرشد سياحي داخل قصر البارون في ظروف غامضة."
انعقد حاجباها.
فتحت الخبر بسرعة، ثم انتقلت إلى أخبار أخرى أقدم.
كانت الحوادث تتكرر...
مرة كل عدة أعوام.
والغريب أنها لم تحظَ يومًا باهتمام واسع، وكأنها طُمست عمدًا.
عادت بعينيها إلى الجملة المكتوبة في الكتاب، وهمست بصوت خافت:
– من هنا بدأ كل شيء... ومن هنا لم يخرج أحد.
ارتشفت قليلًا من الماء، ثم مدت إصبعها تتحسس الكلمات.
وفجأة...
اختفت الجملة.
واتسعت عيناها في ذهول.
وببطء شديد، بدأت حروف جديدة ترتسم أمامها، حتى اكتملت العبارة:
"ليست الحقيقة فيما قيل... بل فيما لم يُسمح لأحد أن يقوله."
شحب وجهها.
وأغلقت الكتاب بسرعة، كأنها تخشى أن تظهر كلمات أخرى.ارتجفت يداها وهي تغلق الكتاب بسرعة، وفي اللحظة نفسها انفتح باب المكتبة.
رفعت رأسها في فزع، لتجد عم صبري يدخل بخطواته المعتادة.
لم تشعر بنفسها.
أسرعت نحوه واحتضنته بقوة، كأنها تتشبث بشيء يبدد ذلك الخوف الذي استوطن قلبها.
توقف في مكانه، وقد باغته تصرفها.
ربت على كتفها بحذر، وقال وقد ارتسمت على وجهه ملامح القلق:
– ماذا حدث يا نور؟ هل ضايقك أحد أثناء غيابي؟
هزت رأسها نفيًا، لكنها لم تتركه إلا بعد لحظات.
نظرت إليه بتردد، ثم سألت بصوت خافت:
– جدي... هل تعرف شيئًا عن قصر البارون؟
عقد حاجبيه مفكرًا، ثم حك ذقنه ببطء.
قصر البارون؟ نعم... سمعت عنه منذ سنوات، لكنه قصر قديم، ولا أتذكر عنه الكثير.
سكت قليلًا، ثم أردف:
– كل ما أعلمه أن كثيرين لقوا حتفهم هناك في ظروف غامضة، أما الحقيقة... فلا يعلمها إلا الله.
ازدادت ملامح نور اضطرابًا.
وقالت وهي تحاول إخفاء قلقها:
– ألا تعرف سبب تلك الحوادث؟ لا بد أن وراءها سرًا.
زفر عم صبري في ضيق، ثم هز كتفيه قائلًا:
– الناس لا تكف عن اختراع الحكايات. منهم من يقول إن صاحب القصر قتل شقيقته، ومنهم من يروي قصصًا أغرب من ذلك، لكن لا أحد يملك دليلًا.
ثم غيّر مجرى الحديث قائلًا:
– هيا، اصنعي لي كوبًا من الشاي، وأحضري الأجندة. أريد الاتصال بمندوب الكتب.
ابتسمت نور ابتسامة خافتة، ونهضت مسرعة.
لم يكن ما يشغلها كوب الشاي، بل فرصة الحديث مع إسلام.
كانت تشعر أن لديه إجابة، أو على الأقل طرف خيط يقودها إلى الحقيقة.
وضعت كوب الشاي أمام جدها، ثم ناولته الأجندة.
أخذ يقلب صفحاتها حتى عثر على الرقم، ثم ضغط على زر الاتصال.
رن الهاتف طويلًا...
لكن أحدًا لم يجب.
أعاد الاتصال مرة أخرى.
وبعد لحظات، جاءه صوت رجل غريب:
– السلام عليكم.
قطب عم صبري حاجبيه، وقال باستغراب:
– وعليكم السلام... أهذا هاتف إسلام؟
رد الرجل:
– لا يا حاج، لكنني وجدت الهاتف ملقى أمام قصر البارون، فظننت أن صاحبه سيحاول الاتصال به.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال عم صبري:
– حسنًا يا بني، شكرًا لك. إذا تواصل معي صاحبه، سأخبره.
أنهى المكالمة وهو يزفر بضيق.
اقتربت نور منه بسرعة، وسألته بفضول:
– ماذا حدث؟
رفع بصره إليها وقال:
– يبدو أن هاتف إسلام ضاع أمام قصر البارون. سأضطر إلى التواصل مع الشركة بدلًا منه، وإلا ستتأخر الطلبية.
اتسعت عيناها في ذهول.
وقالت دون أن تشعر:
– يا إلهي...
نظر إليها عم صبري باستغراب.
– ما بك؟
ترددت لحظة، ثم قالت:
– قرأت منذ قليل خبرًا عن وفاة شاب داخل قصر البارون... أخشى أن يكون هو.
ساد الصمت بينهما.
وأطرق عم صبري برأسه، وقد انقبض قلبه فجأة.
تمتم بحزن:
– لا حول ولا قوة إلا بالله...
ثم أضاف بصوت خافت:
– قصر لا يأتي من ورائه خير.
نهض بعد ذلك ليستقبل أحد المارة الذين توقفوا أمام المكتبة، بينما بقيت نور مكانها، شاردة الذهن.
كانت تشعر أن كل ما يحدث ليس مجرد مصادفة.
وأن ذلك الكتاب...
يعرف أكثر مما ينبغي.في شقةٍ صغيرة متواضعة، كان إسلام مستلقيًا على فراشه، يحدق في سقف الغرفة بعينين مرهقتين.
لم يستطع استيعاب ما حدث في قصر البارون.
كلما حاول إقناع نفسه بأنه كان يتوهم، عاد صوت عادل يتردد في أذنيه، مستغيثًا به، يستنجد به، وكأن اللحظة لم تنتهِ بعد.
أغمض عينيه بقوة، ثم زفر بضيق.
كان بحاجة إلى يومٍ كامل بعيدًا عن العمل، بعيدًا عن كل ما يذكره بذلك القصر.
مد يده يبحث عن هاتفه ليبلغ مدير الشركة بتغيبه، لكنه لم يجده.
اعتدل في جلسته، وأخذ يفتش الطاولة، ثم حقيبته، ثم جيوب ملابسه، دون جدوى.
انعقد حاجباه في استغراب.
– أين اختفى؟
نهض من مكانه، وخرج إلى شقة خالته سعاد المقابلة.
ما إن فتحت الباب حتى ابتسمت قائلة:
– تعال يا حبيبي... ما بك؟
هز رأسه وقال في إرهاق:
– لا شيء يا خالتي... لكنني لا أجد هاتفي. أيمكنك الاتصال به؟ ربما تركته في مكانٍ ما داخل الشقة.
أخرجت هاتفها على الفور، وضغطت على رقمه.
ظل إسلام يبحث في كل زاوية من المنزل، بينما كان صوت الاتصال يتردد دون أن يسمع رنينًا.
أعادت المحاولة مرة، ثم أخرى...
لكن النتيجة كانت واحدة.
عاد إليها وهو يهز رأسه بأسى.
– يبدو أنني نسيته خارج المنزل.
ربتت على كتفه بحنان وقالت:
– لا تقلق... ستجده غدًا بإذن الله.
ابتسم ابتسامة باهتة.
– ليت الأمر بهذه البساطة.
تمنى لها ليلة هادئة، ثم عاد إلى شقته وأغلق الباب خلفه.
جلس على أقرب مقعد، وأسند رأسه إلى الحائط.
تسللت إلى ذهنه فكرة أقلقته.
ماذا لو سقط الهاتف داخل قصر البارون؟
شعر بانقباض في صدره.
لم يكن يخشى ضياع الهاتف بقدر ما كان يخشى العودة إلى ذلك المكان مرة أخرى.
وأثناء شروده، عاد إليه صوت عادل...
"ساعدني يا إسلام... هناك شيء يجذبني إلى الأسفل!"
فتح عينيه مذعورًا.
كان الصمت يملأ الشقة.
لكن الكلمات ظلت تتردد في رأسه، كأنها لم تغادره منذ ساعات.
مرر يده على وجهه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع.
تمتم بصوتٍ متهدج:
– رحمك الله يا عادل...
ثم أطرق برأسه طويلًا.
لم يكن يبكي صديقه فحسب...
بل كان يبكي عجزه عن إنقاذه.
في تلك الليلة، وقبل أن تغلق مكتبة عم صبري أبوابها، كانت نور تجمع أغراضها استعدادًا للعودة إلى المنزل.
رفع عم صبري رأسه من خلف المكتب وقال:
– ستبقين وحدك في المكتبة غدًا.
توقفت عن ترتيب حقيبتها، ونظرت إليه باستغراب.
– وحدي؟ ولماذا؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وقال:
– سأذهب لاستلام تأشيرة العمرة لى ولجدتك، وأشتري بعض المستلزمات قبل السفر.
أشرقت ملامحها على الفور.
أسرعت نحوه، وقبلت يده قائلة بسعادة:
– مبارك يا جدي... أسأل الله أن يتقبل منك، ولا تنسني من دعائك.
نظر إليها لحظة، ثم ربّت على رأسها في صمت.
كانت تلك الحركة البسيطة أبلغ من كثير من الكلمات.
أغلقت نور أبواب المكتبة، وسارت إلى جوار جدها في الطريق المؤدي إلى المنزل.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا...
المارة...
السيارات...
وأضواء الشوارع.
لكن داخل حقيبتها...
كان الكتاب يرقد في صمت.
وكأنه...
ينتظر.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.