وضع القراءة:

الفصل الثانى

بدأت الكلمات تتشكل ببطء، حتى اكتملت أمام عينيها:
"لكلِّ مكانٍ حكاية... وما كُتب في كتب التاريخ ليس سوى نصف الحقيقة."
توقفت الكلمات لثوانٍ، ثم ظهر سطرٌ آخر أسفلها:
"أما النصف الآخر... فلم ينجُ أحدٌ ليرويه."
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، وحدقت في الصفحة غير مصدقة.
وما هي إلا لحظات حتى بدأت الكلمات تتلاشى، لتحل محلها صورة قصر البارون، لكنها لم تعد كما كانت...
فقد بدا القصر في الصورة حيًّا، تتراقص الظلال خلف نوافذه، وكأن أحدًا يراقبها من الداخل.
ظلَّت تحدق فيها بذهول. ما يحدث لم يكن طبيعيًا على الإطلاق.
أتُراه إسلام أراد إخافتها؟
راودها هذا الاحتمال للحظة، لكنها سرعان ما استبعدته. لماذا يفعل ذلك وهو لا يعرفها أصلًا؟
لا... لا بد أن وراء تلك الجملة سرًا خفيًا، وسرعان ما ستكتشفه.
وفي مكانٍ آخر، كان إسلام غارقًا في أفكاره، يتأمل مستقبله الذي بدا عالقًا في مكانه. يعمل بلا كلل، ولا يجني سوى القليل، ولم يحقق بعد ما كان يحلم به.
تذكَّر ضحكة نور حين أخبرها بعمله، فابتسم بسخرية مريرة وهو يحدّث نفسه:
«لعلها كانت محقة... فما أنا إلا مهرج يتنقل بين الناس، يروي لهم حكايات الماضي.»
تنهد في ضيق، وارتشف ما تبقى في كوب الشاي، ثم نهض متذكرًا أن عليه التوجه إلى المطار لاستقبال أحد السائحين، فغادر وهو يشعر بثقل الأيام ورتابة الحياة.
ومع حلول المساء، استعادت مكتبة عم صبري حيويتها بعد أشهرٍ من الإغلاق. توافد الزبائن بأعداد كبيرة، وامتلأ المكان بالحركة والأصوات.
تنقلت نور بين الأرفف، تلبي طلبات الجميع، بينما كان عم صبري يتابع المشهد بعينين يملؤهما الرضا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان بعد أن عاد الرزق إلى مكتبته.
حاولت نور أن تنشغل بالعمل، لكن كلما وقعت عيناها على حقيبتها، تذكرت الكتاب والجملة الغامضة، فعاد إليها ذلك الشعور المقلق الذي لازمها منذ قراءتها.
ولم تكد الساعة تشير إلى العاشرة حتى انصرف آخر الزبائن.
جلست نور على أحد الكراسي وقد أثقلها التعب، فاقترب منها عم صبري وقال برفق:
– هيا يا نور، لنغلق المكتبة. لقد تأخرت الساعة، ويبدو أنك أرهقتِ نفسك اليوم.
أومأت برأسها، وضعت الهاتف والكتاب داخل حقيبتها، ثم ساعدته في إغلاق باب المكتبة.
وبينما كانا يسيران، قال عم صبري:
– ذكِّريني غدًا أن أتصل بذلك الشاب الذي أحضر الكتب، فلعلنا نطلب شحنةً أخرى.
ابتسمت نور دون قصد وقالت:
– أتقصد إسلام؟
رمقها عم صبري بنظرة حادة، فسارعت إلى خفض بصرها، والتزمت الصمت.
في تلك الأثناء، كان إسلام يجلس في سيارة الأجرة، يحدق عبر النافذة بشرود. أثقلته ساعات التنقل، وأرهقه التفكير في مستقبل لا يبدو أنه يقترب.
وحين وصل إلى البناية التي يسكنها، ترجل من السيارة وصعد الدرج.
استقبلته خالته سعاد بابتسامتها الحانية، وقالت:
— أتيت أخيرًا يا بني؟ لقد تأخرت كثيرًا. وضعت لك الطعام على الطاولة، فتناول عشاءك ثم استرح، فلا بد أنك منهك.
ابتسم لها واحتضنها بحب، ثم اتجه إلى شقته المقابلة لشقتها.
فمنذ وفاة والده، تكفلت خالته برعايته، وأحاطته بعطفٍ لم ينقطع. وحين كبر، استأجرت له تلك الشقة ليبقى قريبًا منها.
دخل منزله، وأغلق الباب خلفه، ثم ألقى نظرة على المائدة الخالية إلا من طبق الطعام، وتنهد طويلًا.
كان يحلم ببيتٍ يمتلئ بالدفء، وأسرةٍ تؤنس وحدته، لكن واقعه لم يمنحه سوى عملٍ شاق وراتبٍ بالكاد يكفيه.
دخل غرفته، اغتسل، وبدّل ثيابه، ثم تناول عشاءه على عجل، واستلقى على فراشه، مستعدًا ليوم جديد لا يختلف عن سابقه.
في منزل عم صبري...
كانت نور قد بدّلت ثيابها وتناولت العشاء مع جدها وجدتها، اللذين تكفّلا بتربيتها منذ وفاة والديها.
لم تعرف معنى الدفء العائلي منذ ذلك الحين؛ فجدتها كانت تعاملها ببرودٍ وجفاء، وكأنها غريبة عن هذا المنزل، أما جدها، فرغم محبته الخفية لها، فقد اعتاد القسوة في حديثه، حتى غدت كلماته أشد وقعًا من صمته.
ولم يكن لها ملاذٌ سوى الكتب؛ تهرب إليها كلما ضاق بها العالم، وتجد بين صفحاتها الأُنس الذي افتقدته في الواقع، حتى أصبحت العزلة رفيقتها الأقرب.
لكن تلك الليلة، لم يكن عقلها مشغولًا بكتابٍ تقرؤه، بل بذلك الكتاب الغريب الذي وضعه إسلام بين يديها.
راودتها رغبةٌ ملحّة في التواصل معه؛ لعلّه يعلم شيئًا عن الكلمات التي ظهرت داخل صفحاته، أو يملك تفسيرًا لما حدث. كانت بحاجة إلى أي إجابة، مهما بدت بسيطة، خاصةً أنها لم تسمع من قبل عن قصر البارون، ولم تفهم سبب ظهور اسمه تحديدًا.
غير أن أفكارها انقطعت على صوت الباب وهو يُفتح بعنف.
دخلت الجدة، وقالت بنبرةٍ جافة لا تخلو من الضيق:
– أما زلتِ مستيقظة؟ أطفئي هذا المصباح ونامي. لن ينفعك السهر في شيء، وعليكِ أن تستيقظي في السابعة صباحًا لتفتحي المكتبة وتُنظفيها، فقد أنهك الغبار جدك اليوم.
أطرقت نور برأسها في صمت.
لم تجد ما تقوله، أو لعل الكلمات اختنقت في حلقها كما يحدث دائمًا.
أطفأت المصباح، ثم وضعت الكتاب تحت وسادتها بحذر، وكأنها تخشى أن يراه أحد، واستلقت على فراشها.
انسابت دمعةٌ صامتة على خدها، بينما ظل سؤالٌ واحد يطاردها حتى غلبها النعاس:
ما السر الذي يخفيه ذلك الكتاب؟
في صباح اليوم التالي...
استيقظ إسلام على رنين المنبّه الذي مزّق سكون الغرفة، فمدّ يده وأغلقه بتثاقل، ثم نهض من فراشه، وما زال الإرهاق يثقل جسده.
دخل الحمّام، اغتسل، وبدّل ثيابه على عجل، وما إن همَّ بمغادرة المنزل حتى رنّ هاتفه.
كان مدير شركة السياحة.
أجاب سريعًا، فجاءه صوته على الطرف الآخر مشوبًا بالعجلة:
– أين أنت يا إسلام؟ أسرع، لدينا برنامج مزدحم اليوم، والسائحون في انتظارك.
– أنا في طريقي، لن أتأخر.
أنهى المكالمة، وأغلق الباب خلفه مسرعًا.
وفي منزل عم صبري، لم تكن بداية الصباح أكثر هدوءًا.
كانت الجدة تقف بجوار فراش نور، تهز كتفها بعنف وهي تقول بنفاد صبر:
– هيا، استيقظي. إلى متى ستظلين نائمة؟
فتحت نور عينيها بصعوبة، وهمست بصوتٍ مثقلٍ بالنعاس:
– دعيني قليلًا يا جدتي...
قطبت الجدة حاجبيها، ثم رفعت صوتها عمدًا حتى يصل إلى عم صبري:
– إن لم تنهضي الآن، فسأنادي جدك ليتصرف معك. ما رأيت فتاةً أكثر كسلًا منك!
تنهدت نور في صمت، وأزاحت الغطاء عن جسدها، ثم نهضت دون أن تنطق بكلمة.
كانت تعلم أن أي محاولة للرد لن تزيد الأمر إلا سوءًا.
في شارع المعز لدين الله الفاطمي، كان إسلام يسير برفقة زميله عادل، يتقدمان مجموعةً من السائحين بين المباني التاريخية التي ازدانت بعراقتها.
كان عادل يجيب عن أسئلتهم بابتسامته المعتادة، بينما اكتفى إسلام بالاستماع، وقد بدا شارداً على غير عادته.
وفجأة، تقدّم أحد السائحين وسأل باللغة الإنجليزية:
– هل يمكننا زيارة قصر البارون؟ لقد سمعنا الكثير عنه، ونتمنى رؤيته.
تبادل إسلام وعادل نظرةً سريعة، ثم أومآ بالموافقة، وانطلقا بالمجموعة نحو القصر.
وفي تلك الأثناء، كانت نور قد انتهت من تنظيف المكتبة قبل وصول جدها.
وضعت المكنسة جانبًا، ثم جلست تحتسي كوبًا من الشاي، غير أن ذهنها لم يفارق ذلك الكتاب الغريب.
كانت الجملة التي ظهرت بين صفحاته تعود إليها كلما حاولت تجاهلها.
ولم يفارقها شعورٌ واحد...
كان عليها أن تجد إسلام.
فربما كان يملك الإجابة الوحيدة التي تبحث عنها.
قصر البارون
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى وصلت الحافلة إلى قصر البارون.
ما إن ترجل السائحون حتى علت وجوههم علامات الانبهار، وراحوا يتأملون المبنى العريق الذي ارتفع شامخًا، وكأنه يقف حارسًا لأسرارٍ دفنتها السنوات بين جدرانه.
أما إسلام، فكانت تلك زيارته الأولى للقصر، رغم ما سمعه عنه من حكاياتٍ وأساطير تناقلها الناس على مرِّ السنين.
تقدَّم عادل بخطواتٍ واثقة، وأخذ يشرح للسائحين تاريخ القصر، وطرازه المعماري الفريد، ثم أردف مبتسمًا:
– أما ما يُشاع عن القصر من لعناتٍ وأرواحٍ هائمة... فليست سوى أساطير نسجها الخيال، ولا أساس لها من الصحة.
تبادل بعض السائحين نظراتٍ مترددة، بينما انشغل آخرون بالتقاط الصور.
وفي اللحظة التي استدار فيها عادل ليواصل الشرح...
انزلقت قدمه فجأة.
اختل توازنه، ومال جسده إلى الخلف، قبل أن يختفي نصفه داخل حفرةٍ عميقة لم تكن موجودة قبل لحظات.
تجمّد الجميع في أماكنهم.
أما إسلام، فأسرع نحوه دون تردد، وانحنى ممسكًا بذراعه بكلتا يديه.
– تمسَّك بي يا عادل... لا تترك يدي!
كان عادل يرتجف بعنف، وقد شحب وجهه حتى كاد يخلو من الدم.
صرخ بصوتٍ مرتعش:
– الحقني يا إسلام... هناك شيء... شيءٌ يجذبني إلى الأسفل!
شدَّ إسلام ذراعه بكل ما أوتي من قوة، وهو يهتف:
– لا تستسلم... سأخرجك!
لكن عادل أطلق صرخةً مزَّقت سكون المكان.
– إنه هنا... إنه يسحبني!
وفي لمح البصر...
انفلتت يده.
واختفى داخل الحفرة.
ساد صمتٌ ثقيل، حتى إن أنفاس الواقفين بدت مسموعة.
ظلَّ إسلام يحدق في الفتحة المظلمة، غير قادرٍ على استيعاب ما حدث، بينما تعالت صيحات السائحين من حوله.
أخرج هاتفه بيدٍ مرتجفة، واتصل بمدير الشركة، الذي أبلغ الشرطة وهيئة الآثار على الفور.
وخلال دقائق، امتلأ القصر برجال الأمن والمسعفين والعاملين.
أغلقوا المكان، وبدأوا البحث.
لكن...
لم يعثروا على أي حفرة.
وقف إسلام مذهولًا، وحدق في الأرض التي ابتلعت صديقه قبل دقائق.
كانت مستوية تمامًا...
لا أثر لكسرٍ، ولا شقٍ، ولا حتى حفرةٍ صغيرة.
وكأن شيئًا لم يحدث.
وفجأة، دوّى صوت أحد رجال الإنقاذ:
–وجدناه!
هرول الجميع نحو مصدر الصوت.
كان عادل مسجّى في منتصف القاعة، ساكنًا بلا حراك.
اقترب الطبيب، وانحنى لفحصه، ثم رفع رأسه قائلًا بصوتٍ خافت:
– لقد فارق الحياة... السبب الظاهر أزمةٌ قلبية حادة.
تراجع إسلام خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناه في ذهول.
كيف يُعقل ذلك؟
قبل دقائق فقط، كان يستغيث به، ويتشبث بيده، ويقسم أن شيئًا ما كان يسحبه إلى الأسفل.
أما الآن...
فلا حفرة.
ولا أثر للسقوط.
ولا دليل على أن ما رآه حدث بالفعل.
لم يبقَ سوى جثمانٍ صامت...
وسؤالٍ واحد أخذ يتردد في أعماقه:
إذا لم يكن ما رآه حقيقة... فمن الذي كان يصرخ طالبًا النجدة؟
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.