الفصل الخامس عشر
حاولت رليان التفكير في الأمر بجدية، هل إن حازت على قلب سليم خلال هذه الفترة، فسوف تتخلص من أمبر حقًا؟
أمسكت هاتفها بتردد، ثم سارعت إلى مهاتفة سارة، لتجيبها الأخرى بهدوء:
- أهلًا يا ريليان.
لم تستطع ريليان منع نفسها من البكاء، فأجابتها بحرقة:
- سارة... أريد أن أتعلم مبادئ دينكم.
توقفت سارة عن الإجابة... بل عن كل شيء حولها، لقد صُدمت من جملتها هذه.
تساءلت ريليان بتوجس، بعدما لم تتلقَّ أي إجابة منها:
- ما الأمر؟ هل أنتِ رافضة؟
ثم أكملت بحزن، وهي تمسح دموعها بإحباط:
- أعتذر يا سار...
قاطعتها سارة، وهي تصرخ بسعادةٍ كبيرة:
- انتظري، انتظري يا فتاة! هل حقًا ما تقولينه؟ هل ما وصل إلى مسامعي صحيح؟
أجابتها ريليان بتأكيدٍ متردد بعض الشيء:
- أجل.
التفتت سارة، واحتضنت سليم بقوةٍ وسعادة، والذي نظر إليها باستغراب.
ثم أجابتها:
- حسنًا، حسنًا، لقد أسعدتِني بذلك يا ريليان. لا تعلمين ماذا فعلتِ بي يا فتاة، إنني سعيدةٌ جدًا من أجلكِ.
تنفست ريليان براحة، بعدما وجدت منها هذا القبول، ثم خاطبتها بضيق:
- ظننتكِ سترفضين من صمتكِ يا سارة.
هزت سارة رأسها، وهي تنظر إلى سليم بسعادة:
- ومن أين اختلقتِ هذا التفكير؟ ثم إنني عرضت عليكِ الأمر اليوم، فلماذا أرفض؟
تنهدت ريليان براحةٍ كبيرة:
- هذا جيد، إذًا متى ستعلمينني؟
أجابتها سارة بتريث قبل اعطاءها أي أمل:
- انظري، سأخبر سليم بالأمر، ثم أعطيكِ الجواب بعد ذلك.
علت دقات قلبها، وارتسمت ابتسامةٌ عاشقة وخفيفة على محياها، ثم أجابتها بخجل:
- حسنًا... إنني بانتظاركِ، عزيزتي.
عادت سارة تحتضن سليم، الذي ما زال متعجبًا من تصرفاتها الغريبة، ثم قالت بسعادة:
- حسنًا، اعتني بنفسكِ جيدًا.
أغلقت سارة الهاتف، ثم قذفته على سرير سليم، وقبلت وجنته بسعادة.
أبعدها عنه بضيقٍ من تصرفها، ثم سألها باستغراب:
- ماذا دهاكِ يا سارة؟
أجابته، وهي تنظر إليه بفرحةٍ كبيرة:
- ريليان تريد أن تتعلم أمور ديننا الإسلامي.
دقيقة...
دقيقتان...
بل ثلاث دقائق، وسليم ينظر إلى سارة، محاولًا استيعاب الأمر.
ثم ابتسم لها بهدوء، وقد تحرك شيءٌ في قلبه جراء ما سمعه، فدخول شخصٍ إلى الإسلام أمرٌ يسعده.
قال:
- هذا شيءٌ جميل، أعانها الله على ذلك، وهداها، وسدد خطاها.
تحدثت سارة، وهي تبادله الابتسامة:
- إنني سعيدةٌ جدًا يا سليم، بكونك ستتولى أمر تعليمها، أليس كذلك؟
عقد ما بين حاجبيه باستغرابٍ تام:
- من سيعلّم مَن يا سارة؟
نظرت إليه سارة بتوجسٍ من ردة فعله، ثم أجابت:
- أنت ستعلّم ريليان. أنت تعرف عقلية النصارى، وتستطيع مجابهتهم، وهناك أيضًا كثيرون أسلموا على يديك، أليس هذا صحيحًا؟ وغير ذلك، فأنا أفتقر إلى أشياء كثيرة.
تحدث سليم بهدوء، مؤكدًا حديثها:
- أجل، هذا صحيح، لكنني لم أقم بتعليم فتاةٍ أمور ديننا من قبل.
نظرت إليه سارة بإحباطٍ كبير:
- هذا يعني أنك لن تساعدها، أليس كذلك؟
حرك سليم رأسه نافيًا:
- لا، يمكنني ذلك، لكن ليس بطريقةٍ مباشرة. أمي تعلم الكثير عن الدين، وأنتِ أيضًا، ثم إنه يمكنها حضور الندوات التي تُقام في المسجد، كما فعلت في المرة السابقة، حسب قولكم. لكنها ستحتاج إلى وقتٍ طويل حتى تُشهر إسلامها، كوني على علم بذلك، أي إنها لن تُشهره بين ليلةٍ وضحاها.
أومأت سارة بتفهم، وأملٌ صغير أنار داخل قلبها:
- حسنًا، لكنك ستكون معنا خطوةً بخطوة، أليس كذلك؟
أومأ لها بتأكيد:
- أجل، هذا صحيح.
ثم تحدث متذكرًا:
- بعد أسبوع سيكون هناك لقاءٌ دعوي، في قاعةٍ كبيرة بأحد الفنادق. سيحضره أناسٌ كثيرون من مختلف الديانات، وهذا هو اللقاء الذي يُسفر غالبًا عن إسلام بعض الأشخاص. يمكنكِ إخبارها إن أرادت القدوم إلى هناك.
توجهت سارة نحو هاتفها بسرعة، ليوقفها سليم مبتسمًا من تصرفها:
- ليس الآن يا سارة.
ابتسمت سارة، وهي تضغط على اسم ريليان:
- بل الآن يا سليم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
نظرت ريم إلى الهاتف، زافرةً بملل، ثم أعادت النظر إلى محتواه، لتفتح عينيها بصدمةٍ كبيرة.
عادت ببصرها إلى إبراهيم بخوف، وهي تبتلع ريقها، ليتحدث الآخر بغضب:
- ما هذا؟ أجيبي.
حاولت الثبات والمحافظة على هدوئها، ثم أجابته:
- كما ترى، رسالةٌ من أمي تريد أن تطمئن على عليّ لأنه كان متعبًا.
نظر إليها بشك، غير مصدّق ما تتفوه به، ثم أمرها:
- اتصلي بها الآن، وأسمعيني ماذا تريد.
عقدت ما بين حاجبيها بخوف، وابتلعت ريقها، ثم أمسكت الهاتف منه، متحدثةً برجفةٍ خفيفة:
- هل أنت لا تصدقني يا إبراهيم؟
أغمض عينيه بضيق من حديثها:
- اتصلي بها وحسب يا ريم.
دعت الله أن يخرجها من هذا المأزق، وهي تتذكر رسالة والدتها التي قرأتها للتو:
"ريم حبيبتي، هل أنتِ بخير؟ لماذا لا تجيبين على هاتفك؟ هل حدث شيء؟ وما هي آخر الأخبار؟ أريحي قلبي."
هاتفت والدتها بعدما وضعت المكبر، لتجيبها الأخرى بقلقٍ ولهفة:
- ماذا حدث؟ هل أنتم بخير؟
أجابتها ريم بسرعة، متداركةً الأمر قبل أن تتفوه والدتها بأي شيء:
- أعتذر يا أمي لأنني لم أعاود مهاتفتكِ. لا تقلقي، عليّ بخير، لقد تحسنت صحته، وها هو يجلس بجانب والده ويتناول الحلوى.
تفهمت والدتها الأمر بسرعة، وهدأت من روعها:
- حقًا؟ لقد أراحتني. أحمد الله أنه بخير. وكيف حال إبراهيم؟ هل هو بخير يا حبيبتي؟
زفرت ريم براحةٍ بعدما تفهمت والدتها الموقف بسرعة، ثم أجابتها بابتسامةٍ خفيفة، وهي تنظر نحو إبراهيم:
- أجل، إنه بخير، ويوصل سلامه لكِ.
نظر إبراهيم إليها، زافرًا بقوة، ثم التفت إلى سما، التي كانت واقفة، وأشار إليها أن تقترب وتجلس بجانبه.
تقدمت الأخرى وجلست بجانبه، لينظر إليها عليّ بخبث، ثم جلس على قدميها، مقبلًا وجنتها، وهمس لها بطفولية:
- هل لديكِ المزيد من الشوكولاتة؟
ضحكت بقوة، ثم وضعت يدها على فمها بسرعة، متذكرةً أن ريم ما زالت تهاتف والدتها.
التفتت إليها باعتذار.
أغمضت ريم عينيها بقوة، ثم خرجت من الصالة متجهةً نحو غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، والتي هي في الأصل غرفة أطفالها، ثم حدثت والدتها:
- أمي، لن أستطيع مهاتفتكِ وإبراهيم موجود هنا، وأنتِ أيضًا حاولي ألا تهاتفيني، وسأحاول أنا عندما يخرج، لأنه يشك بالأمر، حسنًا؟
جاءها صوت أم خالد بحزن:
- حسنًا، اعتني بنفسكِ يا ريم، وقبلي وجنتي صغاركِ.
ابتسمت ريم بحزن، وهي تخرج من الغرفة:
- حسنًا، قبّلي خالد من أجلي.
تنهدت والدتها بحنان:
- إن شاء الله يا حبيبتي. هيا، استودعكِ الله.
توجهت ريم نحو المطبخ لتكمل إعداد الطعام، وما زالت تهاتفها:
- أستودعكِ الله الذي لا تضيع ودائعه.
في الخارج، نظرت سما إلى إبراهيم بتوترٍ خفيف، ثم سألته ببعض الخوف:
- أريد أن أهاتف أمي يا إبراهيم.
رفع حاجبه الأيمن متسائلًا:
- لماذا؟
تمسكت بعليّ بتوجس، ثم أجابته برهبة:
- أريد أن أطمئن عليها، ثم إنني منذ زمنٍ طويل لم أهاتفها... أرجوك.
نفى برأسه، وهو ينظر إليها بحدة:
- لا.
نظرت إليه باستنكارٍ تام:
- ولماذا لا؟!
هز كتفيه ببساطة، وهو يمسك سيجارته:
- لا يمكنكِ مهاتفتها، ولا تجادليني يا سما.
وقفت من جانبه، بعدما أبعدت عليّ عنها، ثم تحدثت بتسرع:
- سوف أذهب لأهاتفها يا إبراهيم، وسآخذ الهاتف منك.
توجهت نحو غرفتهما، فلحق بها بسرعة ليمنعها من فتح خزانة ثيابه.
لكنه وجد أن هاتفها قد اختفى، فنظر إليها بصدمة:
- هل أخذتِه؟
كتفت يديها أمام صدرها بعنادٍ وتحدٍ:
- أجل، وسأهاتف أمي يا إبراهيم.
بسط كفه بهدوء بعدما أطفأ سيجارته:
- أعطيني الهاتف يا سما.
ابتعدت عنه بخوف، لأنها تعرف أن وراء هذا الهدوء عاصفةً مدمرة، لكنها أصرت على عنادها، ثم أجابته:
- لن أعطيك إياه، ولن تمنعني من مهاتفتها.
خرجت ريم من المطبخ، وهي تستمع إلى صوت صراخ الاثنين، لتقف عند باب الغرفة، فتجد إبراهيم منهمكًا في ضرب سما بعنف، وهو يتحدث بغضب:
- أقول لكِ، أحضري الهاتف يا سما!
استمعت ريم إلى تأوهات سما، وهي تجيبه بضعف:
- لن أعطيك إياه يا إبراهيم، حتى وإن قتلتني.
أطلقت سما صرخةً قوية عندما تلقت ضربةً في عينها اليمنى، جعلتها تترنح في مكانها.
تحول إبراهيم إلى وحشٍ وهو ينهال عليها ضربًا.
أسرعت ريم بعدما تداركت الأمر، وهي تشاهد الأخرى تتلقى الضربات دون أي مقاومةٍ تُذكر.
إنها المرة الأولى التي يتشاجران فيها ويصلان إلى هذه المرحلة.
هل السبب الهاتف؟
إنها لا تعلم لماذا يأخذ إبراهيم هاتف سما بين الحين والآخر ويخفيه، خاصةً عندما يتشاجران.
ربما يخشى أن تهاتف والدتها، وتخبرها بحياتها معه، أو بوجود زوجةٍ أخرى في حياته.
أمسكت ريم بذراع إبراهيم، تحاول منعه من مواصلة ضربها، لكنها بدت كعصفورٍ أمام هيئته الضخمة.
فإبراهيم ذو جسدٍ رياضي، وعضلاتٍ مفتولة، وطولٍ فارع.
أخرجت صوتها الضعيف، متوسلةً، ومرتعبةً من ردة فعله تجاهها هي الأخرى:
- إبراهيم... توقف، أرجوك.
نظر إليها بعينين حمراوين من شدة الغضب، ثم أعاد نظره إلى سما، التي كانت تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، ليأمرها بقوة:
- أعطيني الهاتف يا سما.
حركت رأسها نافية، ثم أجابته بالعناد نفسه، رغم ضعفها:
- لن أعطيك إياه.
كاد أن يكمل ما بدأه، لتقف ريم حاجزًا بينهما، بعدما شاهدت الدماء تسيل من أنف الأخرى.
وضعت يدها على صدر إبراهيم، محاولةً دفع الجبل الذي أمامها:
- أرجوك يا إبراهيم، يكفيها ما أخذته، اتركها وشأنها.
تحدث بغضب، وهو واقف في مكانه، لم يتزحزح خطوةً واحدة:
- اجعليها تُخرج الهاتف يا ريم.
نظرت ريم إلى سما باستعطاف:
- سما، حبيبتي، أعطيه الهاتف، لا تعانديه.
رفعت سما حاجبيها علامةً على الرفض.
ضغط إبراهيم على قبضته بقوةٍ غاضبة:
- سما، أعطيني الهاتف، وإلا ستندمين.
نظرت إليه لعدة ثوانٍ، ثم اعتدلت في وقفتها بضعف، بعدما ساعدتها ريم على ذلك.
اقتربت منه، ثم تحدثت بقوة:
- أنا أكرهك يا إبراهيم، ولن أعطيك الهاتف. طلقني، أريد أن أذهب إلى والدتي.
أغمض إبراهيم عينيه لعدة ثوانٍ، ثم فتحهما، ناظرًا إليها، وأجاب:
- أنتِ...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!