صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 10 من 12

الفصل التاسع

على الجانب الآخر كانت هناك فتاةٌ في أواخر العقد الثاني، بيضاء البشرة، بشعرٍ بلون الخروب وعيونٍ عسلية، تجلس بحزن ودموعها تتسابق فيما بينها للنزول. إن نظرت إليها تجزم أنها في عقدها الرابع مما عاشته وشاهدته في حياتها.
كانت شاردة الذهن تشاهد شريط حياتها، بدءًا من وقوعها في الحب الطائش للشخص غير المناسب. لقد أحبته بعقل فتاةٍ مراهقةٍ تجرب شعور الحب لأول مرة، لكن بعد ذلك اكتشفت أنه شخص متزوج، لتصرف النظر عنه بيأس، لكن ما زال هناك بصيص أمل بداخلها تجاهه.
انتقلت إلى حياتها الجامعية، وخاصة إلى ذلك اليوم الذي تقدم لخطبتها، لتكون أسعد فتاةٍ خُلقت على وجه الكرة الأرضية. لقد عاشت بسعادة معه في بداية زواجهم، لكنها اكتشفت أمر علاقاته التي كانت تصل إلى بيتها وغرفتها الخاصة. رغم ذلك لم تخبر والدتها بذلك لأنها تحبه، وكانت على أمل أنه سيتغير في يومٍ من الأيام، لكنه كان في ازديادٍ وتوسعٍ في هذه العلاقات غير الشرعية.
بعد ذلك بدأت تشعر بالنفور منه، والحب يتقلص شيئًا فشيئًا. إنها تتذكر أول مرةٍ طالبته بالطلاق عندما كانت تحمل طفلها الثاني، وخاصة أنها رأت علاقاته أمام ناظريها بعدما أمسكته بالجرم المشهود.
أخبرها أن تحمل حقيبتها وتتوجه إلى بيت والدتها بشرط أن تترك ابنها. تحاملت على نفسها، مذكرةً نفسها بحبه، لتبقى على ذمته باختلاف الأفكار.
انتقلت إلى قبل سنتين من الآن عندما حضر إلى المنزل وخلفه فتاةٌ في نفس عمرها ليخبرها بكل بساطة أنها زوجته. بكت، أجل بكت بشدةٍ لجزائها على تحمله والصبر عليه، ليكافئها بهذه الزيجة. ومن مَن؟ من إحدى فتياته. يا الله، رحماك وعفوك وغفرانك، إلهي ساعدني وارحمني.
تحملت وتقبلت أمر زواجه كما تحملت أمر علاقاته، لكن أنه لا يعدل بينهم ويفضل الجديدة عليها، لا تتحمل هذا. وشعرت بنيرانٍ تحرق قلبها، حتى إن طفليها عليّ وعمر يحبان سما زوجة والدهما، وهذا أيضًا يزيد الطين بلة عليها.
ماذا فعلت في حياتها كي تجازى بهذا؟ إنها أطيب فتاة، لم تحمل الإساءة لأي شخص.
انتبهت إلى طفلها عليّ الذي بدأ بمسح دموعها، لتبتسم له مقبلةً وجنتيه. نظرت إلى باب الغرفة لتجد سما، زوجة زوجها، تقف هناك، لتبتسم لها بهدوء.
نعم، إن علاقة الاثنتين عادية جدًا ولا يوجد بينهما عداوة. في الحقيقة كان العكس في بداية تواجد سما، لكن بعد ذلك اتفقتا الاثنتان وأصبحت علاقتهما جيدة نوعًا ما.
خاطبتها بهدوء:
- ما الأمر؟
بادلتها سما الابتسامة برقة:
- إنه موعد تحضير العشاء.
اعتدلت ريم من فوق سريرها متوجهةً نحو المطبخ، لتستمع إلى رنين هاتفها. نظرت إليه بعدما عادت نحوه لتجد أن المتصلة والدتها.
أخذت نفسًا عميقًا ناظرةً إلى سما التي تنتظرها، لتمسك بهاتفها، لا تريد أن تعلمها بأمر إخبارها لوالدتها. لقد أكد إبراهيم عليهما بعدم معرفة الأهالي لهذا الأمر، وأيضًا سما، فوالدتها لا تعرف بأمر زواجه السابق.
نظرت للهاتف الذي بين يديها، لتعيد النظر إلى سما، لتجد أن إبراهيم قد دلف لتوه. بدت علامات القلق ظاهرةً عليها عندما عاود هاتفها الرنين، وخاصة عندما تساءل إبراهيم عن هوية المتصل.
ابتلعت ريقها بتوتر، هل تسرعت عندما أفرغت مشاعرها لوالدتها أم ماذا؟ هل أخطأت في ذلك؟
أغمضت عينيها بخوف عندما قام بأخذ الهاتف وأجاب والدتها...
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في صباح اليوم التالي استيقظت ريليان، التي نامت بدموعها، لتقف من سريرها بخمول وبعض الصداع. نظرت إلى ساعة الحائط أمامها لتجدها الواحدة ظهرًا.
أغمضت عينيها متذكرةً عندما أيقظتها رلين للذهاب إلى المدرسة، لتخبرها بعدم رغبتها بذلك.
هبطت إلى الأسفل بعدما قامت بغسل وجهها، لتجد والدتها تجلس وهي تأمر الخادمة ببعض الأوامر.
تساءلت باستغراب:
- هل لدينا وليمة اليوم؟
ابتسمت جوليا إليها بسعادة:
- وأخيرًا استيقظت العروس، ألم تتجهزي بعد؟
نظرت بصدمةٍ واستغراب:
- أتجهز؟ لماذا؟
ابتسمت جوليا وهي تغمز بعينها:
- سوف تأتي عائلة أمبر بعد قليل لطلبكِ حسب الأصول.
تحول وجهها للون الأحمر لتتحدث بغضبٍ عارم:
- لا أريد، ما زلت صغيرةً يا أمي.
تأففت جوليا وهي تنظر إلى الخادمة:
- هيا اذهبي يا ريليان للتجهز، لقد أخرجت لكِ عدة فساتين، ارتدي أحدها، وأفضل الفيروزي لأنه مناسب عليكِ ويفصل قوامكِ الممشوق.
مسحت دموعها بظاهر كفها وهي تنظر إلى والدتها بحزنٍ جلي، لتتوجه نحو السلم.
لماذا لا يهتمون بأمرها؟ لماذا يريدون زواجها هذا؟ لماذا لا يحبونها ويستمعون إليها كما يستمعون إلى بقية أشقائها؟
لقد تقدم ديفيد قبل شهر ورفضه والدها متعللًا بأمر دراستها وأنها ما زالت صغيرة. إنهما في نفس العمر، هل يريدون الخلاص منها حقًا؟
فتحت باب غرفتها لتنتبه إلى الفساتين المعلقة، والتي لم تلمحها من قبل. حقًا لم تنتبه إليها، من أين ظهرت أو أين كانت متواجدة؟
نظرت إلى الفساتين لتجد هناك أنواعًا كثيرة، منها الطويل ومنها القصير، وجميعها تكشف أكثر مما تخفي.
تنهدت وهي تقلب بها واحدًا تلو الآخر، لتمسك بالفستان الفيروزي، والذي يصل إلى أعلى ركبتيها، بفتحةٍ دائريةٍ في الأعلى ومكشوف من الخلف.
أبعدته عنها ناظرةً إليه بضيق، لتلوي فمها بتهكم. هل تريد والدتها عرض جسدها؟
صحيح أنها ترتدي ثيابًا مكشوفة، لكنها ليست فاضحة إلى هذا الحد.
نظرت إلى الفستان ذي اللون الجنزاري (الأخضر المزرق)، لتجده طويلًا نوعًا ما. أخرجت زفيرًا مثقلًا لتستمع إلى صوت رلين التي دلفت قبل قليل.
قبلتها بسعادةٍ عارمة، ناظرةً إلى أليس التي بجوارها، لتتقدم منها الأخرى بسعادةٍ كبيرة:
- كيف حالكِ يا فتاة؟
ابتسمت لها أليس معانقةً إياها بقوة:
- اشتقت لكِ يا ريليان، أقصد يا عروس.
ابتعدت عنها ريليان بضيقٍ لم تظهره لها:
- وأنا اشتقت لكِ أيضًا، كيف أتيتِ؟
أجابتها رلين بفخر:
- لقد هاتفتها وأخبرتها بالأمس، وسوف تنتقل إلى مدرستنا الخاصة أيضًا.
لم تتمالك ريليان نفسها لتعانق صديقتها بسعادةٍ حقيقية، إنها أول صديقةٍ لها.
- فعلتِ خيرًا يا فتاة.
نظرت إليها أليس بتساؤل:
- لماذا لم تتجهزي حتى الآن؟ لقد شاهدت سيارة أمبر قبل قليل عندما كنت أتحدث مع جولي.
عبست بضيق لتتحدث متنهدةً، لا تريد أن تخبرهما أنها لا تريده لأنهما ببساطة لن يتفهما ذلك:
- حسنًا، اخرجا ودعاني أتجهز إذًا.
بعد مدة كانت ريليان تجلس بجانب أمبر، والذي حضر مع والده السيد أنطوان والسيدة أماندا.
طوال الوقت لم يخفض نظراته المخترقة والمتفحصة لها.
لقد تمت خطبتهما قبل ساعة، بعدها تحدثوا في أمر الزواج والذي سيتم بعد انتهاء دراستها الثانوية، أي بعد سنتين من الآن.
نظرت إلى الحلقة الفضية التي تقيد إصبعها البنصر، والتي شعرت أنها حلقةٌ من غضب الرب تقيدها بالكامل، وليس فقط إصبعها.
وقف أمبر بسعادة مخاطبًا والدها السيد جرير:
- هل لي يا عم أن أذهب مع ريليان؟ لقد قمت بحجز أحد الأماكن لأحتفل معها بهذا اليوم المميز.
أومأ له، لينظر إليها بعد ذلك:
- اذهبي معه يا عزيزتي وخذا وقتكما.
أمسك أمبر بيدها مقبلًا إياها برقةٍ وحب، لتنهض بوجهٍ محمر غضبًا، ليظن الآخر والجميع أنه احمرار خجل.
توجها نحو الباب، لتبعد يدها من يده، لينظر إليها باستغرابٍ تام:
- ما بكِ يا ريليان؟
نظرت إليه بغضبٍ مستعر، وقد علا صوتها:
- لماذا فعلت هذا يا أمبر؟ ألم تكن تريد أن تأتي غدًا؟ لماذا غيرت رأيك؟
ابتسم لها بحب ليقترب منها أكثر:
- لأنني أحبكِ يا ريليان، لا أريدكِ أن تكوني لغيري.
حركت رأسها بسخريةٍ تامة:
- وكأنني أريدك يا أمبر، صدقني منذ آخر حركة فعلتها وأنا أنفر منك، لم يعد لك مكانٌ في قلبي.
تخطاها نحو سيارته السوداء ليقوم بفتح الباب لها، بعدم اكتراث لحديثها:
- هيا أميرتي، تفضلي بالجلوس.
نظرت إليه بضيق، لتضع شعرها على كتفٍ واحد متقدمةً نحو السيارة، لتجلس على المقعد بعصبيةٍ كبيرة. لن تفتعل مشكلةً الآن، فما زالا أمام منزلها.
توجه الآخر إلى الجهة الأخرى ليجلس خلف المقود، متوجهًا نحو المكان الذي قام بالحجز فيه.
نظرت ريليان إلى الحانة التي توقفت أمامها بنفورٍ كبير وشعورٍ بالغثيان أصابها. لقد بدأت حقًا تنفر من هذه الأماكن، وهي لا تعلم السبب.
ترجلت من مكانها بعدما فتح لها، ليدلفا إلى الداخل.
نظرت حولها بتوجس بعدما جلست على الطاولة المزينة بالورود الحمراء، لتجده قد جلس ملاصقًا لها، واضعًا يده على كتفها يحاوطها بتملك.
ابتعدت عنه بضيق، مبتسمةً كي لا يلحظ أحد ذلك:
- أريد الذهاب إلى المرحاض قليلًا.
أمسك بزجاجة العصير مومئًا لها:
- حسنًا كما تريدين يا حبيبتي، لكن لا تتأخري.
ابتسمت له قبل أن تختفي بين الحشود متوجهةً نحو المرحاض.
بعد مدة تجاوزت العشر دقائق من الانتظار، ذهب أمبر إليها ليستكشف أمر إطالتها، ليقوم بسؤال الفتاة التي خرجت من المرحاض للتو:
- هل يمكنكِ أن تطلبي لي فتاةً من الداخل؟ إنها ترتدي فستانًا أخضر أو أزرق، بشعرٍ بني طليق، واسمها ريليان.
توجهت الفتاة إلى الداخل، لتخرج إليه متحدثةً بميوعة:
- إنها ليست بالداخل، إن كنت تحتاج شيئًا فأنا بالخدمة.
أنهت حديثها بغمزةٍ مقززة.
نظر بصدمة ليتركها متوجهًا إلى الخارج باحثًا عنها.
سأل الحراس، لينفوا رؤيتها، ليضرب الحائط بغضبٍ كبير من فعلتها.
لقد هربت إذًا من الباب الخلفي.
فتح هاتفه ليتصل بها وهو يتوجه نحو سيارته، شاتمًا بأبشع الألفاظ.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كان سليم يجلس في غرفته وهو يقرأ في كتاب التفسير، ليغلقه متوجهًا إلى الخارج بعدما انتهى منه.
نظر إلى الساعة ليجدها السادسة مساءً، ليخاطب نفسه:
- هل كان عليكما يا أمي أن تذهبا عند خالي، أنتِ وسارة، اليوم؟ إنه يوم إجازتي، ماذا أفعل به وحدي؟
تذكر أمر الكتيبات الدينية التي سيوزعها في المسجد بعد صلاة العشاء، والتي تركها في سيارته، ليتوجه نحو الباب بكسل.
فتح الباب ليتركه مواربًا خلفه بسبب قرب السيارة وعدم وجود أحدٍ بالمنزل.
بعد أن أحضرها أغلق الباب خلفه، ليشعر بوجود شخصٍ ما بالداخل.
نظر حوله باستكشاف، ليشم عطرًا نسائيًا عم أرجاء البيت.
عقد بين حاجبيه، مغلقًا أنفه، مانعًا الرائحة من التسلل إليه حتى لا تأخذ الفتاة وزرًا، لأن هذا العطر ليس عطر سارة شقيقته ولا عطر والدته أيضًا.
حمحم بصوته ثم تحدث بصوتٍ مرتفع متسائلًا:
- من هنا؟
أجابته ريليان ببعض الخجل الممزوج بالخوف بعدما تقدمت منه:
- أنا ريليان، أين خالتي وسارة؟
لف جسده موليًا إياها ظهره عندما استمع إلى اقتراب الصوت، ليجيبها بهدوء:
- ليستا هنا، إنهما بالخارج ولن تعودا اليوم، ثم إنكِ كيف دلفتِ إلى هنا؟
أجابته بتوتر، ضاغطةً على يديها:
- لقد كان مفتوحًا عندما طرقته، ولم أجد أحدًا هنا.
تنهد بهدوء ليخاطبها بعقلانية:
- يمكنكِ الذهاب يا آنسة.
كادت أن تجيبه لتستمع إلى طرقاتٍ عنيفة على باب المنزل، ليقع قلبها خوفًا بعدما استمعت إلى صراخ أمبر.
توجه سليم إلى الباب، لتقترب منه بخوف متمسكةً بطرف قميصه:
- أرجوك، لا تخبره أنني هنا، أرجوك.
عقد بين حاجبيه باستغراب:
- هل تعرفين الطارق؟
أجابته ببكاء، محاولةً عدم صدور صوتٍ منها:
- أجل، لقد تمت خطبتنا قبل قليل، لكنني لا أريده، إنه ليس بشخصٍ جيد، أرجوك لا تخبره أنني هنا.
ازدادت طرقات الباب، ليبتعد عنها سليم بهدوء، لتختفي خلف الحائط ودموعها تسيل على وجنتيها، متمسكةً بقلادتها، تدعو الرب أن يحفظها وينجيها.
فتح سليم الباب ليجد أمامه شابًا بعيونٍ خضراء وشعرٍ أشقر مائل إلى الأصفر، وعلامات الغضب تملأ وجهه، ليخاطبه بهدوء:
- ما الأمر؟
تحدث أمبر بغضب، وقد برزت عروق وجهه:
- هل رأيتَ فتاةً بشعرٍ بني وفستانٍ قصير دلفت من هنا؟ لقد أخبروني أنها أتت إلى هذا الشارع، ولم يتبقَّ سوى هذا المنزل.
نظر سليم إليه بهدوءٍ وصمت، الأمر الذي أوقع قلب ريليان، التي ما زالت تبكي وهي تتمسك بالصليب الذي يزين جيدها، لتفتح عينيها على مصرعيهما عندما استمعت إلى رده.
««::::::::::-:::::::::::»»
6 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.