صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 3 من 10

الفصل الثالث

**تنهدت باسمةً بخفة، وهي تشعر ببعض الذنب تجاه سليم، لتجيبها بابتسامة حزينة بعض الشيء
- خالتي، أخبريني الحقيقة، لماذا لا يأكل سليم معنا أو معي بالأخص؟
توقفت قليلًا لتكمل متساءلة باستغراب:
- هل أنا نجسة؟
وضعت ابتهال ملعقتها على طرف طبقها لتنهد موضحةً ومجيبةً لها بابتسامة، كأنها تخاطب طفلًا صغيرًا كي تستطيع أن تفهمها الأخرى:
- إنَّ تصرف سليم صحيح، وسليم مئة بالمئة يا ريليان، ولا يقتصر هذا عليكِ، بل تصرفه يشمل كل أنثى من إناث حواء، إن ديننا الإسلامي يختلف عن الدين النصراني الذي تتبعين نهجه صغيرتي، هناك اختلاف شاسع كاختلاف الأرض والسماء بينهما، أولها أنه أمرنا ونهانا عن الاختلاط والحديث بين الجنسين إلا بين المحارم، وهذا أيضًا بحدود، هل فهمتِ؟
نظرت إليها تريد بتريث أن ترتب ما قالته لها حتى يتسنى فهم ما قيل لها توًا، فأومأت بعد عدة ثوانٍ وهي غير مقتنعة بما وصل إليها من فهم، لتبدأ بتناول الطعام ببطء.
رفعت أنظارها إلى سارة التي نهرتها موبخةً بعض الشيء عندما رأتها تأخذ بملعقتها من آخر الطبق حتى تصل لأوله، ثم تضع الملعقة في فمها، لتبتسم لها رغم الضيق الذي يعتريها:
- ماذا قلتُ لكِ من قبل يا ريليان؟
زفرت ريليان بضيق وهي تبعد يدها عن الطبق، لتكمل سارة بهدوء باسمة:
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك»، ما معناه يا ريليان؟
لوت ريليان جانب فمها بضيق وهي تضع الملعقة جانبًا:
- لكني لستُ على دينكم يا سارة، لقد كبرتُ على هذه الطريقة، وجميع من بالمنزل يأكل بها أيضًا.
نظرت إليها سارة بابتسامة صغيرة رغم الضيق الذي اعتراها:
- هذا الشيء لا يخص دينًا معينًا يا ريليان.
زفرت الأخرى بضجر لتنظر إلى باب غرفة سليم عندما فُتح، لتجده قد أبدل ثيابه الرسمية بأخرى تتكون من سروال جينز وقميص أسود.
تابعت حركاته نحو المطبخ بعينيها ليضع الصينية التي عليها الطعام، ثم بعد ذلك أرهفت السمع إلى صوت صنبور المياه، ويبدو أنه يقوم بغسل الأطباق المنتهية.
نظرت إلى انعقاد حاجبيه وانخفاض رأسه عندما خرج من الداخل، لتستمع إلى صوته الرزين وهو يخاطب والدته:
- أمي، سوف أذهب إلى المسجد، هل تريدين شيئًا مني أحضره لكِ عندما أعود؟
أجابته ابتهال بعدما ابتلعت ما في فمها برضا:
- لا يا بني، رضيَّ الله عنك أريد سلامتك فقط.
أوقفته سارة قبل أن يفتح باب المنزل، متسائلة:
- هل ستعطي درسًا اليوم؟
أجابها وهو يومئ برأسه، واضعًا يده على مقبض الباب:
- أجل، هل تريدين المجيء مثل كل مرة؟
اتسعت ابتسامتها وهي تجيبه بتأكيد:
- أجل بكل تأكيد، وهل سأفوت يومًا كهذا؟ لكن عن أي موضوع ستتناول اليوم؟
إلتفت اليها ناظرًا بهدوء بعدما فتح الباب:
-ستعلمين عندما تحضرين.
نظرت ريليان إلى سارة بفضول، متسائلة بعدما خرج:
- لماذا أنتِ سعيدة هكذا؟ وعن أي درس تتحدثين؟
أجابتها سارة وهي تلوك الطعام وما زالت الابتلسمة تشق وجهها البيضاوي:
- إنَّ سليم يعمل مهنتين في الوقت نفسه كما تعلمين، ويبدو أن اليوم سيقوم بإلقاء خطبة بعد صلاة العصر، أو يمكنكِ تسميتها درسًا، حيث أنَّ مواضيعه شيقة جدًا، ليس تفاخرًا بأخي، لكن صدقًا ستحبين الاستماع إليها.
نظرت ريليان بفضولٍ متردد، وهي تتخيل سليمًا كمعلمٍ لها يلقي درسًا:
- هل يمكنني الحضور؟
أجابتها سارة ببعض الارتياب:
- لا أعلم يا ريليان.
ثم خاطبت ابتهال بتساؤل:
- أمي، هل يجوز لها دلوف المسجد؟
أومأت ابتهال برأسها مؤكدةً بحديثها:
- أجل، لا مانع من ذلك يا سارة.
عقدت سارة ما بين حاجبيها باستفسار وقد اصابتها الحيرة:
- ألم يقل الله في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}؟ أليس هذا يدل على حرمانية الأمر لأنه يخص جميع المساجد؟
حركت ابتهال رأسها نافيةً بقطع وهي تنظر الى رد فعل ريليان بعدما استمعت الى الآية:
- المقصود هنا في هذه الآية هو المسجد الحرام، فلا يجوز دخول المسجد الحرام لجميع الكفار من اليهود والنصارى وعباد الأوثان والشيوعيين، فلا يجوز دخول أي مشرك المسجد الحرام، لا يهودي ولا نصراني ولا غيرهما، بل هذا خاص بالمسلمين،
ثم اولت اهتمامها الى سارة تكمل حديثها:
- أما بقية المساجد فلا بأس بدخولها لحاجة أو مصلحة، هل فهمتني يا سارة؟ أي إنها تستطيع الذهاب معكِ، لا تقلقي.
نظرت إليهم ريليان وهي لا تفهم شيئًا مما يقولون، لتتساءل بتردد:
- هل لا يجوز أيضًا أن أحضر الدرس؟
نفت ابتهال ذلك مجيبةً بهدوء:
- لا يا صغيرتي، يمكنكِ الذهاب وحضور الدرس الذي سيلقيه سليم كما اخبتركم للتو، لأنه لا توجد نية سيئة لذهابكِ.
عقدت ما بين حاجبيها وكذلك ساعديها مستغربة بضيق:
- وهل إن كانت نيتي سيئة لا يمكنني الاستماع إليه؟
أومأت ابتهال بتأكيد باسمة:
- بالتأكيد يا صغيرتي، فليس لأي شخص غير مسلم أن يدخل المسجد إلا ان اذن المسلمين له بالدخول، وأن يكون ذلك لمصلحة واضحة، كسماع القرآن أو الاستماع لموعظة أو رؤية المصلين لتأليف قلبه، أو تعريفه بالإسلام، أو بناء أو إصلاح، وألا يكون في دخولهم ابتذال للمسجد أو إنقاص من مكانته وهيبته.
نظرت سارة إلى ثياب ريليان المكشوفة بعض الشيء، لتنظر إلى والدتها، فتفهمت الأخرى ما يدور في ذهنها لتضيف قائلة:
- وأيضًا حرمته، كأن تدخل المرأة بلباس شبه عارٍ، أو يدخل الرجل بحذائه ملوثًا لبساط المسجد، أو رفع صوتهم أو إشغالهم.
نظرت ريليان إلى ثيابها المدرسية المكونة من تنورة قصيرة باللون الرمادي وقميص أبيض بأكمام طويلة، فوقه سترة قصيرة من ذات لون التنورة الرمادية، وحذاء رياضي بجوارب طويلة بعض الشيء، لتبتسم بإحباط:
- إذًا لا يمكنني الذهاب بهذه الثياب، أليس كذلك؟
ثم أكملت بحزن:
لقد فوتُّ الدرس الشيق.
أسرعت سارة بالحديث وقد نهضت عن المقعد مقتربة منها:
- بلى، تستطيعين، يمكنني إعطاؤكِ بعض الثياب إن أردتِ.
أومأت لها بابتسامة متحمسة، تريد أن تستمع إلى صوت سليم الهادئ الذي أحبته بحق، صحيح أن حديثه نادر بوجودها، لكن بصوته شيء يجذبكِ؛ إن استمعتِ إليه فلن تجعله ينهي الحديث أبدًا، وستخلق ألف عذرٍ وحجة فقط لتبقى تستمع لصوته.
وقفت متحمسة تساعدهم في نقل الأطباق، لتتوجه بعد ذلك نحو غرفة سارة، تختار بعض الثياب التي تناسبها، نظرت إلى غرفتها بتمعنٍ وتفحص؛ سرير في الزاوية باللون البنفسجي، عكس سريرها ذي اللون الأحمر، والجدران باللون الأبيض.
هنا، بجانب الباب تقريبًا، مكتب صغير للدراسة، وفي الزاوية الأخرى التي تقابل السرير توجد خزانة بلون السرير البنفسجي، ناهيك عن الملصقات التي تزين الحائط بأشكالها الكرتونية وقد ارتكزت عليها مرآة كبيرة.
وقفت تنظر إلى الثياب بعدما اخرجتهم سارة تعرضهم أمامها، لتنظر باستنكار إلى الفستان الطويل، مجيبة بنفي قاطع:
هل تمزحين معي سارة؟ ما هذا الذي تريدين أن أرتديه؟ لا أريد.
زفرت سارة الهواء بقلة صبر وقد أغمضت عينيها، سوف تعاني معها حقًا، لتجيبها بابتسامة لطيفة وهي تنظر اليها:
- ريليان، حبيبتي، لا يمكنكِ دلوف المسجد بثيابكِ هذه، لقد اخبرتكِ امي بذلك.
أجابتها ريليان وهي تمسك سروالًا من اللون الأسود تنظر اليه:
- سوف أرتدي هذا مع قميصي الذي أرتديه، هل هذا يناسب؟
هزت سارة رأسها نافية بقوة وقد اتخذت الثياب تحدٍ لها:
- لا يجوز، وغير مناسب أيضًا، يجب أن يكون اللباس ساترًا لجسدكِ يا ريليان.
جلست ريليان على السرير بضيق، وهي تكتف يديها أمام صدرها بعناد:
- وأنا لن أرتدي هذا الشيء يا سارة، ولا أريد الذهاب معكِ أيضًا، لقد غيرت رأيي.
**
6 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.