هزة الشيطان
هزة الشيطان
جزء 4 من 5

٢ | وخزَةُ إبرَة.

منذ عَشرِ دقَائِقٍ، وَبعدَ وصوُلِ كَاثَانْ إِلىَ الجنَاحِ الطِبيْ المنشوُد، ظَلَ وَاقِفًا علىَ حَالهِ ببدَنٍ مُسَتكِينْ، أنَامِلهُ تُلامِسُ مَقبَضِ البَابِ الذِي يَقفُ قُبالتهُ بتَردُدٍ فِيمَا يُنصِتُ إلىَ ضَِجِيجِ الرِوَاقِ المَكتوُم، عَلهُ بهذَا يسَتجمِعُ شجَاعَةً تَكفِيهِ لدلوُفِ الحُجرَةْ، إلَا أنَهُ وكَالعاَدَةْ، لَمْ يَشعُر بشَيءٍ سِوَا التَردُدِ.
الضِيقُ كَانَ يَعتصُرُ صَدرِهْ كمَا يَقبضُ بأناملهِ علىَ كُوبَ الشَايِ البلَاستِيكِي فِي كَفه.. غصَةٌ سَميكَة تكورَتْ فِي حلقهِ إثرَ مَا هُوَ مُقبِلٌ علَيهْ وإثرَ مَا ينتظَرهُ خَلفَ هَذَا البَابْ دُونًا عَنْ كُلِ الأمَاكِنْ الآخرىَ، ممَا دفَعهُ للتنهُدِ بقلَةِ حِيلَة،
تمامًا كوخزَةِ الإبرَة، الآنْ أو بتاتًا، أدارَ كاثانْ المقبَضِ الحَديدِي بعدَ لحظَاتٍ مِنَ الصمَتْ، فَاتِحًا البَابَ بقَدرٍ يَكفيهِ للعبُورْ.
وَفورمَا وقعَ نَاظرهُ علىَ الرَأسِ الأشقرِ الذِي إلتَفتَ نحوَهُ اعتصرَ كَاثَانْ جَفنيهِ بإرهَاقْ، فَهَذا حَتمًا مَا كانَ يَنقُصه.
"كيَف دلفتَ هُنَا حَتىَ يَا آدِنْ،" تسَأل كاثَانْ بتمَلُلٍ حاوَل طَمسِ القلقَ القلقَ عبره، وآدن لم يكلفَ نفسهُ عناءَ إزاحةَ بصرة عن شاشةِ هاتفهِ الشبهُ متصدعة فيمَا يجيبُ بنبرةٍ هادئة. "السلالِم، كمَا يفعلُ الأغلَب علىَ ما أظن." 
"وَحَسبَ مَا أعتقِدُ أنَا، السَلاِلمُ مُحكمَةُ الإغلَاقِ مِنْ ثلَاثِ أيَامْ."
دحرَجَ آدِنْ عيَنيهِ فِي مِحجَريهمَا، ثُمَ مَالبُثَ حتىَ تمتمَ بنبرَةٍ مُتمَلله دونَ مُقَابلةِ بَصرِ أخِيهْ، "حَقًا؟، لَمْ ألحَظْ."
كاَدَ كَاثَانْ حينهَا أنْ يُجيبَه، لكَنهُ سُرعَانَ مَا أغلَقَ فَاههِ مُقررًا قَطعَ حدَيثُهمَا القَصيرِ ذَاكْ؛ فَهوَ حَتمًا سَينتهِي بشجَارهُمَا مَعًا علىَ أيِ حَالْ، لذَا عوُضًا عَنْ ذَلكَ انشغَلَ بإغلَاقِ البَابِ خلَفه، قبَل أنَ يقطعَ سبيلَهُ للجَهةِ المُقابلَة لأخيِه، جَالسًا علىَ الكُرسِي الجلدِي الآخَر، وكلُ هذَا دوُنَ أنْ يُكلفَ ذَاتهُ عنَاءَ النظَرِ نَحوَ الجسَدِ الثَالثِ الذِي تَوسطَ الحُجرَه.
وقتذَاكْ فقَطْ أدركَ كَاثَانْ أنهُ لَا هُوَ ولَا آدِنْ كَانُوا يَقدرونَ علىَ تَثبيتِ بصَرهِمْ علىَ بَدنِ والدهُمْ. الاثنينِ لأسبَابٍ مُختلَفة، وَاحِدٌ لأنَهُ يَخشىَ إيقَاظَ أشبَاحِ مَاضيِه التِي تلُاحقه، والآخَرُ لأنهُ يشَعرُ بكمٍ رَهيبٍ مِنَ الذَنبِ الذِي يكَادُ يُرديهِ صَريعًا.
فِي الحَالتينِ كلَاهُمَا يَخشيَانِ النَظرِ لَه، يَخشيَانِ لمَحُ شيءٍ مِنْ تقَاسيمِه أوَ هَيئتهِ ككُل. وجوُدهُ وحدهُ –حتىَ إنْ كانَ يعدُ شِبهُ مَيتًا– لازَالَ يرعبهم؛ فَعلىَ الرغمِ مِنْ أنَ مَاترُيكسْ إليسوُنْ ساكِن كخيَالِ المَآتة، يُصارعُ للتنَفُسِ بطَبيعيَةٍ وفِي غيبوُبةٍ لم ينسَحِب وعيهُ منهَا منذُ سنتينْ، حضورهُ المَقيتِ لَمْ يَختفِي.
كانَ نَابِضٌ وحَاضِرْ، يدفعُ بدَنُ آدِنْ للإرتجَافِ فورمَا تَطأ قدمهُ أولَ عَتبَةٍ فِي الحُجَرة، وَيدفعُ غَصةً خانقَة للتكُورِ فِي صَدرِ كَاثَانْ كُلمَا لمحَ بَابَ الجنَاحِ الطِبي.
تنهدَ صاحِب الخصَلاتِ الفَحميَةْ رَيثمَا يُناظرُ جَسدَ والدهِ المُستَلقِي علىَ السَريرِ الطبِي بهدوُءْ؛ بَصيصٌ مِنَ الضيَاءِ الخَافِت سُلطَ علىَ تقَاسيمِ وَجههِ السَاكِنْ، مِمَا زادَهُ شحوُبًا فَوقَ شحوُبهِ.
إلَهِي، إلَهِي كَمْ دَمرَ هَذَا الرَجُلْ حيَاتهْ، إلهِي مِنْ كَمِ العذَابِ الذِي سَببهُ لَهُ هُوَ وأخيهِ حَتىَ يَجلسوُا قُباَلةَ بعضهِم البَعضْ بهذَا السكوُنْ، عُوضًا أنْ يُفصحَا عمَا يُخالجُهمَا مِنْ ألمْ، هَا هُمَا غُرباءٌ عَنْ بَعضهمَا قَلبًا وقَالبًا.
وَالغَريبُ بكُلِ هذَا أنَهُ إنْ سُألَ احدَهُمَا عَنْ سَببِ مَجِيئهمَا بإخلَاصٍ دونَ كَللْ أو مَلل، لَنْ يَقويَا علىَ إجَابةِ السؤَالْ؛ فَعلىَ الرَغمِ من ظِل الإشمَئزَازِ الذِي يترَأىَ علىَ وجهِ كَاثَانْ كقِنَاعٍ ثَانٍ، كانَ لايزَالُ يُحاولَ مَعرفَة سببَ مَجيئهِ هُنَا بشَكلٍ شبِه يَومِي.
مَا يعَرفهُ عَنْ ظهرِ قَلبْ هُوَ حقَيقَةُ أنَ هذَا ليَس حُبًا.. هَذهِ مَرحلَةٌ مُهشمَة ولَا رجوُعَ فيهَا، مهمَا حَاولَ كاثَانْ لنْ يَقوىَ علىَ الشعُورَ بالحَنينِ نَحوَ والدِه، ليسَ بعدَ كُلِ مَا وقَع وسنينِه المَسلوُبَة، لذَا يُرجحُ أنَ هذهِ شَفقةٌ مِنهُ عَليهْ، لا شَيءَ أكثرَ ولَا أقَل.
أجَل، صَحِيح.. هِىَ حَتمًا شفقَةْ.
"مَا الذِي جاءَ بِكَ هُنَا؟،" 
سؤَالُ أخَاه أخرَجهُ مِن مُستنقِع أفكَارِه، ليَعقِف كاثَان حَاجِبيَه بضِيق، قبَل أنَ يُجيبَه بنبرَةٍ يُلمحُ فِيهَا ملَامِح الإنزِعَاج، "رجاءً آدِنْ، نَحنُ لَن نَخُوض هذَا النِقَاش مُجددًا."
"لَا جِديًا، أنَا ابتَغي أنَ أعرِف السَبب، مَا الهُرَاءُ الذِي تَنوِي الوصُول إلَيه؟، فكِلانَا علىَ درايةٍ تامَة بأنكَ لَا تَمِلك ذرةٌ مِنَ الإهتمَامِ نَحونَا، أنتَ لَن وَلم تَكُن يَومًا مِن اولَائِك الإخوَةِ اللُطَاف."
احتدَت نظرَاتُ كاثَان فورمَا وقَعت جُمَلةُ آدِن الأخِيرَة علىَ مَسامِعه، "يَجُدر بِكَ تعلُم التفرُقَة بينَ وجهِةِ نظركِ أنتَ والوَاقِع،" ليهُزَ أخَاهُ رأسَه، "وجِهَةُ نَظرِي أنَا هِىَ الواقِع."
"حَسنًا، هَنِيئًا لكَ إذًا."
"يالكَ مِنَ حَقِير!،" بصَق آدِن بحِدَةٍ وهوَ يَقِبضُ علىَ كفَهِ حتىَ ابيضَت مَفاصِلَه، إذ فِي تِلكَ اللحظَةِ لَم يَكُن يُمَانِع إلقاءَ لكمَةٍ طائِشةٍ نحوَه، وقَد أبقىَ كاثَان ملامِحُه مُرتخَيةٍ ريثمَا يُجيبُه، "أنَسِيتَ أنَ مَاترِيكس هُوَ إسمُنَا الأوسَط؟."
وقتذَاكٍ، دَق البَابُ بُغتةً مُقاطِعًا الهَالة المَشحوُنَة بينَهُمَا، قبَل أنَ يَدلُف رَجلٌ بدَى فِي نهَايةِ عَقدهِ الخَامِس برأسِه الأشَيبِ وهوَ يشقُ خطَاهُ مُرحِبًا بنفسِه دَاخِل الحُجرَة دونَ أي أستِاذَان. أغلقَ الرَجُل البابَ خلفهُ بهدوُءٍ قبَل أنَ يبتَسِم بخفَهٍ وهوَ يفتتِح حَديثُه معُهم، "أرىَ أنَكمُا لاتزَالانِ علىَ الحَالِ ذَاتِه يَا فِتيَان."
"سَيِد روُلَان،" نبَس آدِن بدهشَةٍ، وتنهَد كاثَان بحِدَة.
"انُظرْ لكَ يَا آدِنْ، غدَوتَ رَجُلًا يُعتَزُ بِه، يَبدوُ انَ هواءَ اُسترالِيَا صقلَك،" ابتسمَ روُلَانْ غَلام بخِفَة، بسمَةٌ ابرزَتْ تجَاعيدَ وَجنتيِهْ، ممَا نَاقضَ حلكُ مَا يدورُ فِي ذهنهِ مِنْ أفكَارْ، لِيُلقِي حَقيبتهُ الجِلديَة علىَ الأرضيَة مُرِدفًا، "لَم يَفُت الحِينْ لتجنيُدك بَعد، مُرَ علىَ الطَبيبِ رِيكَارد لفحِصَك بَعد خروُجِك مِنْ هُنَا."
حِينذَاك، مرَ ظِلٌ دَامِسٌ عبرَ أعُينِ كَاثَانْ طمَس وهَجُ حَدقتِيه بُغتَةً، كمَا لَوْ تذكرَ شَيئًا مَا، بَلْ كمَا وإنْ كانَ يُعِيدُ مَشهدًا مَا فِي ذَاكرِتهْ، لذَا وَدوُنَ أنْ يُزِيحَ نَاظرهِ عَنْ روُلاَنْ مَالبُثَ حتىَ أشَارَ بكَفهِ نَحوَ بَابِ الحُجرَة مُحَادثًا أخَاه بنبرَةٍ ثَابِتَة، "آدِنْ، أخرُج." 
رفعَ المَعنِي بالأمِر حَاجبَهُ بحِيرَة، ثُمَ عَاندَ مُتجَاهِلًا التعَجُبَ الذِي يَمِيعُ عيرَ بدِنه مِنْ تَبدُلِ أخيهِ المُباغِتْ، "لَا، أنَا لَنْ—"
"لَا تُنَاقِشنيْ،" بترَ كَاثَانْ حَديثَهُ وَهُوَ يَقبِضُ علىَ فَكِه، "إلىَ الخَارِجْ، الآنْ."
حِينذَاكْ وَعلىَ الرَغمِ مِنْ أنَ آدِنْ كَانَ يُناظِرُ شقيقَهْ بتَعابِيرٍ مُحتدَهْ مرَتْ رَجفَةٌ خَفِيفَة عَلىَ طوِل جزِعهْ، كمَا وإنْ صعقَهُ أحَدٌ مَا بُغتةً؛ لأنَ شَيءٌ مَا فِي نظَراتِ شَقيقهِ كَانَ غَريبًا، لَمْ يَكُنْ غَاضِبًا أوْ مُتَضَايقًا، بَلْ الوَهجُ الذِي ترَأىَ عَبرَ حَدقتيهِ كَلونٍ ثَانٍ أعلمَ آدِنْ أنَهُ يَترجَاهْ ليَخُرج، نَقِيضُ حَدةِ نَبرتِه، هُوَ كانَ شِبهُ يتوسَلهُ بعَينَيَهْ.
لذَا سُرعَانَ مَا بَعثَرَ آدِنْ خُصلاتِه فِيمَا يَستقِيمُ عن كرسيه، قَبلَ أنَ يُتِمتمَ تَحتَ أنفَاسهِ بنبرَةٍ آمَلَ ألَا تَفضحَ تعَجُبه مِنْ تصرُفَاتِ أخِيه، "حَسنًا، لكَ مَا شِئتْ،" ثُمَ انتَشَل لَوحَ تَزلُجهِ المُزَينْ مِنْ علىَ الأرِضيَةِ، "إلىَ اللِقَاءِ سيَدْ روُلانْ."
"مَرحبًا سَيِد رِيكَارد." تمتمَتْ ليلِيثْ وهِىَ تَدقُ علىَ بَابِ مكَتِب الطَبيب بإيقَاعٍ مُوسيقِي ثَابِت أربعَ مرَات، رأسُهَا مُنحنِي بخِفَه وجسَدُهَا مَائِلٌ بتحفَظٌ علىَ الحَائِط جوارِهَا فِيمَا تفَحصُ الحُجرَة بنظرِهَا، وتزامُنًا معَ سماحهِ لهَا بالدخُول، كانَت قَد ألقَت نظرةً شامِلَة علىَ مُحِيطهَا.
منَ الرَائِع وجوُد العَديِدُ مِنَ الأدوَاتِ المُفِيدَة لهَا هُنَا.
"تشرَفتُ بلقَائِك يَا آنِسه،" رحبَ ريكَارد بهَا تزامُنًا معَ إغلاقِهَا للبَابِ الخشَبِي، حَيثُ كانَ جُل تركيزه مُنصبٌ علىَ أورَاقِه البَحثيَة ممَا لَم يسمَح لَه برَفعِ نظرهِ صوبهَا، لتتنهَد ليلِيث بعدَ جلوسِهَا علىَ الكُرسِي المُقابِل لَه، شابكَه كفيهَا ببعضِهم، "الشَرفُ لِي صَدقنِي."
أوَل مَا وقعَ نَاظِرُهَا عليهِ هُوَ قَلمُ الحبرِ الذِي يكتِبُ بِه،
شَيءٌ اعتِيَادِي فِي حَياةِ الإنسَانْ، إلَا أنَهُ إنْ غرزَتهُ لِيلِيثْ فِي عَينِ رِيكَارد سيَغدوُ سَلاحًا مُميتًا.
تمَامًا كمَا هوَ الحَالُ معَ المَشرِط الحَادِ علىَ الطاوِلَةِ القريبَةِ مِنهَا يسَارًا، إذ أنهَا تُعد سِلاحًا أبيَض، ففِي اللحظَةِ المُنَاسِبَة إنْ  انِتشَلتهَا علىَ غفَلةٍ مِنه قَد تنحَر عُنقِه مُباشرَةً بعدهَا، أوَ قَد تَنقُش إسمُهَا بحروفٍ غَائِرَة علىَ صَدرِه المُترَهِل، يعتَمِدُ هذَا علىَ مزَاجِهَا.
إلَا أنَهُ فِي حَقيقةِ الأمَر وبعدَ تَفكيرٍ طَويِل الأمَد ترَأىَ لليِليث وهِىَ تُحدِقُ بدرَجةِ بشرَةِ الطَبيبِ ريِكَارِد أنَ الأحمَر لَن يلَيق علَيه، هُوَ لَا يَلِيقُ علىَ أحَدٍ سوِاهَا إن صَدُقَت القَول، ذاكَ اللوُن الدمَوِي لَا يُجَدر أنَ يُقترَن بغَيرهَا.
الطَبِيب رِيكَارد بشَرتهُ شَاحِبَة، بَاردة، مسَدت ذَاتُ الأعيُنِ المُكحلَة ذقنَها بخِفَة، الأزرَقُ المَائِلُ للأرجوَانِي سيلائمُه بشِدَة، وهذَا لوَنٌ لَن تَحصُل علَيهِ سِوىَ بخَنقِه.
أراحَت لِيليث ظَهرُهَا علىَ الكًرسِي الجِلدي ورَائهَا فورمَا حسَمت الأمَر. مِن وِجهَةِ نَظرٍ آخرىَ أيضًا هِىَ كَانت ترتَدِي ثَوبًا عَتِيقًا وباهِظًا مِن دُولشِي أند غابَانَا، إن وسخَتهَا دمَاءُ هذَا الرَجُلِ النجِسَة لَن تُسامِحَ نفسَها ولَا ڤِيشوُس الذِي أعطَاهَا حُريَة إختَيار الطِرَيقة التِي ستَنُهِي بهَا هَذهِ المُهِمَة.
والتِي بذكِرهَا، رمقَت ليِليثْ المِحقْنَة –الإبرَةِ الطِبيَة– التِي تُجاوِرهَا قبَل أنَ تتبَسم بخِفَه، هَذهِ هِىَ ضالتُها ونَجمُ جَرِيمتهَا القَادِمَة، إن مَدت ذرَاعِيهَا بشَكلٍ كَافِي هِىَ حَتمًا ستَصِلُ لهَا، وإن حَقنَتهَا فِي رَقبِته، تَحِديدًا أقَربِ وَريدٍ يَصِلُهَا لَقلِبه، سيَقع صَرِيعًا فِي طُرفةِ عَينٍ كمَا ابتغَت.
"والآن، هَل يُسمَحُ لِي بالتسَاؤُلِ عَن سَبِب مَجيئِك هُنَا؟،" تسَألَ الطَبِيب رِيكَارد بعَد إنتهَائِه مِمَا يَكتُب، وفِيمَا يُنَظِمُ أورَاقَه بنَفِضهم علىَ سطحِ مَكتبِه الخشَبِي، قبَل أنَ يُردِف، "هَذهِ أوُل مرَةٍ أرَاكِ فِيهَا هُنَا."
"صَدُقت،" ابتسمَت ليلِيث بخِفَةٍ نحوَه، قبَل أنَ تَعقِد ذرَاعيهَا علىَ سَطِح مَكتبِه حتىَ يتثنىَ لهَا خَطفُ الإبرَةِ فِيمَا بَعد، "أنَا لَم أتِي هُنَا قَبلًا، إذ أنِي أرُسِلتُ حَدِيثًا للقِيَامِ بدوَرةٍ تَدرِيبيَة فِي هذَا المَشفىَ، وَقد قِيلَ لِي أنَكَ الطَبِيبُ المَسؤوُل عَنِي."
فتحَ رِيكَارد الدرَج السُفلِي مِن مَكتِبه، "إعذرِينِي علىَ قَولِ هذَا.." ثُمَ صمَت لهُنيهَةٍ مُرادّ الإنحَناء لوَضعِ أورّاقِه، وأثنّاء ذَلِك اتخذَتهَا ليلِيث فُرصَةٌ لهَا حتىَ تُحِضر الحقنَة.
"تَفضل لَا مَانِع لَدي،" حثَتهُ ذَاتُ الأعيُنِ اليًاقوتيَه علىَ الحَدِيث وهِىَ تُحِكم قَبضتهَا حولَ هيكَلِ الإبرَةِ الرَفِيع، تزامُنًا معَ رفَعِ الطَبيبِ رأسِه، ليَقوُل فِيمَا يُلقِي نظرَةً فاحِصَه ومُطولَه عليهَا، "إنتِ لَا تَبدِينْ لِي كمُمرَضةٍ ولَا كمَنْ درَس الطِبْ يَومًا يَا آنِسَه، هذَا حَتمًا ليسَ غَرضُكِ مِنَ الزيِارَة."
وقتذَاك، مرَت سحابَةٌ مِنَ الصمَتِ،
سحَابةٌ بدَلت شَيءٌ مَا حولَ المكَان.
"آه، أنَا حقًا مُندهِشَه، يَالكَ مِن نَابغِةٍ يَا سَيِد رِيكَارد.." سحَبت ليلِيثْ مِقبَض المِحقْنَة لتُملأهَا بالهوَاءِ حتىَ أخِرهَا، ثُمَ سُرعانَ مَا أدَارتهَا فِي كفهَا ريثمَا يَرتِفع ثَغرهَا فِي بسمَةٍ جانِبيَة، "لكِن لَا تُفِسد المُفاجَأة لقَائُنَا لَم يَنتهِي بَعد، دَعنِي أُبهِرُكَ بمَعلوُمَاتِي الطِبيَة البَسِيطَة."
تنهَد الطَبِيب بقلَةِ حِيلَه، سَاهِيًا عمَا تُلمِح إلَيه، "أستَمحِيكِ عُذرًا مَا الذِي تَعنيِـ—،" إلَا أنَ حَديثَهُ مالبُثَ حتىَ بُتِرَ بُغتةً فورمَا وثَبت ليلِيث بجَسدهَا نحوُه، مائِلةٌ علىَ مَكتِبه بُغيَةِ مُحَاصِرته، وفِي طُرفَةِ عَينٍ كانَ تحتَ رحمَتِهَا— إذْ بتلوِيحَةٍ سَلِسَة مِن كفهَا بعدهَا كانَت قَد رشَقت الإبرَة فِي رقَبتِه.
ثبَتتهُ ليلِيثْ بذَراعِهَا الأخَر، قبَل أنَ تسألهُ بصَوتٍ هَادِيء امتزجَ مع معَ أنفَاسِه المُتلَاحِقَه، "أتَعرِف مَا قَد يَقعِ للمَرءْ مِن أهوَالٍ إن حُقِنَ بسِرنجَةٍ فَارِغَة؟،" وحِينذَاك، انتفَض رِيكَارد برهبَةٍ فوُرمَا علمَ مَا تَنوِي فعلُه، لتُعيدَهُ هِىَ بعُنفٍ إلىَ مكَانِه، قبَل أنَ تستَرسِل، "مَا رأيُك بأنَ أرُيكَ علىَ أرِض الوَاقِع؟، تَجرِبةٌ عَمِليَة مُباشرَة."
غرَزت ليلِيثْ الإبرَة أعمَق فِي رَقبِته حتىَ سَالتَ بضعُ قطرَاتٍ مِن دمَائِه علىَ طوُلِ بَشرتِه، ثُمَ سُرعَان مَا ضغطَت علىَ مِقبضهَا بإبهَامِهَا، "عِندمَا تَدخُل كِميَةٌ كَبِيرَة مِنَ الهوَاء إلى دورتَك الدمَوِيَة، يُمكِنُ لهَذهِ الفُقاعَات أنَ تَسُدَ أوعِيتَك الَرئِيسَية، ممَا قَد يُؤِدي إلىَ الإصابَة بسكَتةٍ دمَاغِيَه أو أزمَةٍ قَلِبيَة."
تلوىَ الطَبِيب رِيكَارد بينَ ذِراعيهَا كسِحليَةٍ قُطِعَ ذَيُلهَا، إلَا أنهَا لَم تُخِفف قَبضتهَا حولَه، بَل زادهَا هذَا تَمسُكًا بِه وهِىَ تُتابِع شرحهَا، "كرَدِ فعلٍ تِلقَائِي جسَدُكَ سَيُصَابُ بصدَمةٍ فَورِيَة بعدهَا بلحَظات، إذ أنهُ سيَعتقِد أنكَ لَا تَضخُ دمَائِكَ إلىَ باقِي الأعضَاءِ بشَكلٍ صَحِيح، ممَا قَد يُسِببُ لكَ وبعدَ وقَتٍ قَصِير.. الموَت."
اتسَعت عينَا قَتِيُلهَا بُغتةً، كمَا وإن كَانت قَد وقعَت عَليهِ الحقَيقةُ المُرَه أخِيرًا، وَوقتذَاك، تنهدَتْ ليلِيثْ بضَجرٍ مِن رَدِ فعِلهِ المُتوَقع— بَل فعِلهم، كُل ضحَايَاها.
تنفَستْ ليلِيثْ بضَجرٍ مُتوَقِفَه لبضعِ لحَظاتٍ، كمَا وإنْ كَانتْ تتسَأل عمَا إنْ كَانَ مَا هُوَ قَادِمٌ يستَحِقُ العنَاء، قبَل أنَ تبتَسِم بخِفَه، "أتعَلم.. يَبدوُ أنَ كمِيَةُ الهوَاءِ فِي هَذهِ الإبرَةِ الصَغِيرَة لَن تَكفِي لقَتِلكِ خِلالَ دقَائِق، وأنَا لَم أذُقَ طَعمَ المُتعَةِ بَعد، لِمَا لَا نُنعِش الجَو قَلِيلًا؟،" ثُمَ سُرعَان مَا تراجَعتْ عَنه مُرادَ تَشمِير سَاعِديهَا، وقَد كاَن الطَبِيبُ رِيكَارد حِينهَا يَشعرُ بدَوَارٍ شَدِيدٍ بالفِعل، لذَا لَم يُحَاوِل الفِرَار.
مُؤِسفٌ أنَهُ إستَسلَم لهَا بهَذهِ السرُعَة.
دَائِمًا مَا كانَ ڤِيشوُس يَحُثهَا علىَ الإستمتَاعِ قبَل كُلِ مُهِمَةٍ لهَا، وهَذهِ المرَة ليَستْ اسِتثنَاءً، لِذَا سَعِيًا لنَيِل جُرعَةٍ إضَافِيَه مِنَ الأدرِينَالِين؛ لَم تتَردد ليليِث مَرتِين قبَل رَمِيهَا للإبِرَةِ أرضًا— ولَا حتىَ قَبلَ لَفِهَا لأنَامِلهَا بإحكَامٍ حَولَ حَلِقه، تخَنقُه بلَا رحمَة. 
لَم يسَتغِرقُ الأمَر وَقتًا طَوِيلًا بَعدهَا.
إرتَعشَ بَدنُ رِيكَارد لمَرةٍ آخِيرة قبَل أنَ تخمَد حَركَتهُ بُغتةً بعدَ وهَله، لتَقِف لِيلِيثْ مُهَمِهِمَه بِرِضىَ.. مُهِمَةٌ آخرىَ أُنجِزَت بنِجَاح.
8 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.