١ | عَبِقٌ أرِجٌ
**تحذيرٌ مُسبَق؛ يكمنُ فِي هذَا الفَصل عِدَةُ فقرَاتٍ حساسَة قَد لَاتُلائِمُ جُلَ القُرَاء؛ إِذ رُوِىَ فيهَا ذِكرٌ جِلي للقَتل، المَنية، السموُم، كمَا وَسِرِدَت بِضعُ لقطَاتٍ دامية آخرى. تَم ذكرُ جُلَ هذهِ الأشَياء —عدَا المشَاهدُ العنيفَة– دونَ لَغوٍ أَو وَصفٍ مُفصَل، حفاظًا علىَ مشَاعِر كُلَ مَن مرَ بموَاقفٍ **
♆
أربَعُ دقَاتٍ ترددَ صدَاهُم عبرَ روَاق الفنُدقِ السَاكِن، يُنذِرون بزَائرٍ كَمِين، ومصرَعٍ قَريِب.
"**هِىَ**، لُغزٌ تعذرَت الحكومَاتُ عَن حلِه—"
أربعُ دقائقٍ قضَتهُم هِىَ بِتَرَقُبٍ قُبالة الجِنَاح رَقمُ مئِتَانِ وأربَعوُن، مُستنِدَه ببدِنهَا علىَ بابِ الحُجرَةِ المُترَف فِيمَا يتردَدُ حدِيثُ مُذِيعَة الأخبَارْ المحلَِية عبرَ مسامِعهَا، لكنها وفِي حقَيقةِ الأمر لَم تكُن تُصغِي إلِيه؛ إذ كانَ جُلَ تركِيزَها مُنصَبٌ علىَ فَحصِ محتويَاتُ طاوَِلَةِ الطعَامِ الحدِيديَة قُبالتهَا:
زجاجَةُ شَامبانيا فاخِرَة، كَأسٌ كرِيستَالِي، سَطلٌ زَاخِرٌ بالثَلج وَ—
بتكةٍ شبهُ عَالِيَة فُتِحَ بَابُ الحُجرَة بُغتةً من قبلِ رجُلهَا المُنتظَر علىَ حدِ قولِها؛ إذ ترأت هيئةُ كهلٍ خَمسِينِي ذِي كِسَاءٍ مخمَلِي ومِحيًا أهلكَهُ الِشيب قُبالتهَا.
وقَتذَاكٍ وَبحدقتَينِ مُحتدَتيِن رفعَ الهَرِم حاِجبًا مُستهِلًا حديِثهُمَا قَصِيرُ الأمَد، "لَم أطلِبَ شَيئًا بَعد،" قبلَ أَن يُشيحَ بنظرهِ عنهَا ساعيًا لإغلاقِ بابِه مرةً آخرىَ، إلَا أنهَا سُرعانَ مَا دفعَتْ العربَة نحوَة، مُبطِلَه غايتَه ببسمَةٍ بَشوشة، "هَذهِ هديَة تَرحِيِبيَِة مِنَ الفُندق، هدِيَةٌ قُدمت تقدِيرًا لطلتِكَ البهيَةِ علينَا وسيكونُ مِنَ المؤسفِ إهدارهَا ياسِيادَة الوزيرِ كلِيثْ."
برُقَت تقاسيمُ كِليث بفخرٍ جَليّ مُتباهِيًا بمكَانتهِ المَرمُوقَة، إلَا أنَهُ وحتىَ معَ سًلطتِه المَهِيبَة لَم يَكُن ليَسلمَ مِنهَا.. حِبَالُ الفسَادِ قَصِيرَة، تمَامًا كخيوُطِ القَدرِ التِي تَفصِلُ المرَء عَن ممَاتهِ فِي الأسَاطيِر الإغرِيقيَة القديمَة، ولَهُ ذَلِكَ الحَدِ الفاصِل، أِي قَاطِع الحِبَال، كانَ هِىَ.
عُرِفَ عَن كلِيثْ آكرِي؛ وَزِيرُ الخارِجيَةِ السَابِق أنَهً رجُلٌ يتفشىَ الغروُر عبرَ بدنهِ عوضًا عَن الدِمَاء، وبالنِسبَةِ لهَا إيقَاعُ وَغدٍ مُثلَهُ فِي شباكِهَا ليسَ بالأمرِ الجَلِيل، كلُ مَا عَليهَا فِعلهُ هُوَ تَمجِيدُه حتىَ يَغدُوُ كَالخَاتمِ حوَل إصبعَهَا.
وتمامًا كمَا توقعَت؛ بعدَ ثوانٍ معدودَه أفرجَ كلِيث عَن رفَاهِية جناحهِ الرِئَاسِي فورَ فَتحهِ لبَابِ الحُجرَةِ على مصراعيهِ، قبَل أنَ يتنحىَ جانِبًا مُفِسحًا لهَا المجَال للعبوُر، وقَد كانَت هذةِ غلطتةُ الأولىَ، حَيثُ سُرعَان ما دلفَت المرأةُ بخطوَاتٍ مَحسوبَة فِيمَا تتمايلُ خصلاتِها الدامِسَة برقةٍ خلفهَا مُتعمقِه في الغرفةِ الفسيحة.
حدَقتيهَا اليَاقوُتِيتِين إنعكَس عَليهمَا ضِيَاءُ المصَابِيح الدافِئَة ريثمَا تَجُوب المكَان بنظرِهَا، وقَد إنتصَفَ الحُجرَة أرِيكَةٌ جِلديَة فاخِرَة قبَعت أمَامَ هَيكلُ المِدفأةِ القِرميدِي، حَيثُ زُيِنَ سَطحُهَا الرُخَامِي بالعَديدِ مِنَ المُجسمَاتِ الصغِيرَة، إضافَةٌ إلىَ شاشَةِ التِلفازِ الكَبِيرَة حَديثَهُ الطِراز، وقَد عُرِضَ عليهَا قنَاةُ 'مِيركُورِي' الإخبَارِيَة.
"قَاتِلٌ دبَ الرُعبَ فِي أوصَالِ شتىَ الدوَلِ الشقيقَة، بدايَةً مِن أوروبَا وحتىَ بقِيَة القارَاتِ، عُرِفَ عَنهُ أنَهُ مُهلِكٌ، فتَاكٌَ وَشيطَانِيٌَ إثرَ بشَاعةِ الجُثَث الذِي يُخَلِفهَا خلفَه—"
لوَت الحسنَاءُ شَفتَيهَا خِلسةً، فلسَببٍ مَا قَد أزعجهَا حَدِيثُ مُذيعَةِ الأخبَار، قبل أن تَلتفِتَ نحوَ كِليثْ بعدَ إيقافِهَا لِلعرَبةِ جِوارَ الأرِيكَةِ الوثِيرَة، والتِي مالبُثَ حتىَ توسطهَا هوَ فورَ جلوسهِ عليهَا فاركًا كَفيهِ بحمَاسٍ زائفِ، "إذًا!، لنرىَ ما احضرتِ لنا، بِلادوُنَا."
بِلَادونَا؟.. لوهلَةٍ كادَت المرأة أنَ ترفَع حاجِبيهَا بتعجُبٍ عارِم، مُندهشَةٌ لسماعهَا مَا لفَظ، إلَا أنهَا تذكرَت لحظتَها أنَ ذاكَ اللقَب كانَ مَنقوُشٌ علىَ البروُش المُثبتِ فوَق قَمِيصهَا الرَسمِي.. هى قَد طلبَت صُنعه خُصيصًا بهذَا الإِسم صبَاح اليوَم.
إذًا لَا بُدَ أنهُ قَد قرأه مِن هُنَاك، ابتسمَت ذاتُ الخصلَاتِ الداكِنَة— بِلادوُنَا بخفَه، "بالطَبع، بَل بكُلِ سروُرٍ سَيدِي،" ثُمَ سُرعَان مَا سحبَت زُجَاجةُ الشامبانِيَا الفاخِرَة مِنَ سَطلِ الثلَجِ الحَديدِي جوارُهَا ريثمَا يرتخِي كِليث فِي مجلِسه، ساهِيًا عَن حَذِرهَا أثناءَ مُلامستهَا للزُجَاجَة وساهيًا عن قُفازايِهَا الجلديَان.
لَتغدُو هَذهِ ثانِي غلطَةٍ يقَترفُهَا.
"لُقِبَ بالقَمرِ الأسَودِ، الفرَاشَةُ القُرمزيَةْ، سَارِقِ الأنفُسِ وَ— عُذرًا نقطَع نشرَتكُم الإخبَارِية بُغتَةً لنَقلِ الحَفلِ البرلمَانِي مُباشرةً علىَ الهوَاء—"
"فِي أي سنَةٍ عُتِقَ هذَا النَبيِذ؟،" تسألَ كلِيثْ وهُوَ يَكمِشُ أنفَهُ فورمَا سحبَت هِىَ السدَادةُ الفّلِينيَّة مِن عُنِق الزُجاجَة، وأثناءَ مَا تُمِيلهَا بعيِدًا عَن أنفِهَا مُرادَ صَبِ بعضٌ مِن سائِلهَا الأرجوَانِي دَاخِلَ إحدىَ الكؤوُسِ أجابتَهُ بروِيَه، "إنَهُ جُوغلَار كافِيّه، أعتقِدُ أنَ إسمَهُ يَكفِي يَا سِيادَة الوَزِير."
حِينهَا وبحَدقتِين لامِعتينِ، راقَب كِليث آكرِي وهَج النَبيذِ وهوَ ينهمِرُ داخِل كَأسهِ بتبرُمٍ، قطرَةٌ تقفِزُ تَل والآخرىَ كالندىَ المُتساقِط، قبلَ أنَ يُتَمتِمَ مُشِيرًا بعدهَا بذَقنهِ نحوَ شاشَةِ التِلفازِ ورائهَا حَيثُ عُرِضَ حَفلُ تَرسِيم وَزِير الخارِجيَةِ الجَدِيد، "وجَب علَيكِ حقًا الكَفُ عَن ذكرِ لقبي السَابِق، أنَا خَارِجُ الخِدمَةِ حاليًا."
همهمَت المرَأةُ بخفَه دوُنَ أنَ لَم تُكَلُف نَفسهَا عنَاء الإلتفَاتِ لمُشاهدَةِ الحَدثِ المُذَاع، إذِ استحوذَ كِليث علىَ كامِل إنتبَاهِهَا، راقبَتهُ وهوَ يمدُ أنامِله مُنتشلًا الكُوب مِن قَبضتهَا، راقبَتهُ وهوَ يتجرَع نَبيِذهَا بشراهَةٍ مُبينَه، كمَا راقبَتهُ وهوَ يُركِزُ علىَ كُل شيءٍ عداهَا، غافِلًا عَن عينيهَا اللتَينِ تتبعَانِه كمُفترَسٍ يترقَبُ اللحظَةُ المُناسبَة للإنقضَاضِ علىَ فرَيستِه.
وَقد أمسَت هَذهِ غَلطتُه الثالِثَة، مَا قبَل الأخِيرَة.
"صَحِيحٌ كيَف نَسِيتُ فَضيحتُكَ التِي هزَت أركَانِ لندِن، أنتَ لَست وَزيِرًا بعدَ الآن.." غمغمَت هِىَ بخفوُتٍ بعدَ فَترَة، تُلاعِبُ لسانِهَا فِي جدارِ وَجنتهَا، مُستمتعَةٌ برؤيَةِ الكهلَ قُبالتهَا وهوَ يرتِشفُ مِنَ الخَمر بنهَم، ثُمَ أردفَت بحدَقتيِن لاحَ عبرهُمَا بريقٌ متوَعُد، "..أنتَ فاَسِقٌ يُتَاجِرُ بِأروَاحِ الاجِئينْ، أنَامِلهُ مُغمسَةٌ فِي بِركةٍ مِنَ الدمَاءِ وأنَا مَن سيغرقُكَ فِيهَا، أنَا ليلِيثْ يَا عزيزِي."
رفعَ كلِيثْ آكرِي رأسُه مَصعوقًا، وجُملَةٌ واحِدَة تَدورُ فِي رأسِه، إنهَا هِىَ، ليليِثْ، لكن تعَابيرهُ تِلكَ لَم تَدُم طَوِيلًا، فمَالبُثَ حتىَ عّقف تقَاسِيمُ وَجههِ بألمٍ رَهِيب، لتحتَد أنفَاسِه إثرَ شعُورهِ بخدرٍ فِي أصَابعِه، علىَ طَرفِ لسَانِه وثغرةِ ككُل.
ارتمىَ كليّث بفعلِ صَدمتِه مِن علىَ الأرِيكَةِ مُحَاوِلًا الوُصوِل لأقرَبِ هَاتفٍ مِنه، ممَا دفعَ ليلِيثْ للقَهقهَةِ بصخَبٍ وهِىَ تُشاهِدُ كِفاحهُ البَائِس بمُتعَةٍ إنعكَست علىَ وَجِههَا، قبلَ أن تركلُه بخشونَةٍ ألقَتهُ بِضعَ آشبارٍ إضافية عن مبتغاهُ، "ليسَ بهَذهِ السُرعَة يَا عَزيزِي."
لهَث الوَزِيرُ السَابِق بإرهَاقٍ لم يقوىَ علىَ كَبحِه.. مَفعُول السُمِ كانَ يُهِلك بدَنه وتِلكَ الركلَة لَم تُسَاعِد، هِىَ بالفعِل فتاكَةٌ كمَا قِيلَ عَنها، تِلكَ المرَأةِ لَن تدَعُه يُفلِت منهَا. تنَهد كُليثْ وهوَ يتَكِئُ علىَ هَيكِل الطَاوِلَةِ الصُلب ورائَهُ ببدَنٍ خَائِر، ثًمَ تمتمَ بنبرَةٍ مُتقطِعَه، "ومَا فائِدةُ قَتِلي؟، ذَلك الوَزِيرُ الَجِديد ليسَ سِوَا فَاسِقٌ آخَر.. إنهَا حَلقةٌ مُغلقَة لَامفَر مِنهَا."
مَالت ليِليث برَأسهَا، "ومَن أعلمَك بأنَ ذَاك الفَاِسق لَم يحظىَ ببركَتِنَا؟،" قبَل أنَ تُمدَ يدَها مُهندمَه خصلَاتِ شَعرِهَا الحَرِيريَة فِيمَا تُجيبه، "إنهَا دائِرَةٌ رسمَناهَا نحنُ هَذهِ المرَة، ويحِقُ لنَا إغلاقهَا كمَا نهوىَ."
"من أنتُم؟!.. مَن أنتِ!." تسَأل كِليث آكرِي بتلَعثُمٍ، لتشُقَ خُطاهَا نحوَه، قبَل أنَ تَهبِط علىَ كَعبيهَا أمامَ مستوىَ بصرَه، ثُمَ ترُد ببسمَةٍ فاتِنَة ولَطِيفَة ناقضَت السُمَ الذِي يَقطرُ مِن حدَيِثهَا، "شيَاطِينُكَ التِي تُؤنِسُ فِراشكَ لَيلًا."
تسَمرَ بَدنُ كِليث آكرِي، عَلِقت أنفَاسهُ فِي حلَقِه وتوسعَت مُقلَتيهِ بجزَع حِينمَا فَهِمَ إلىَ مَا تُلمِح، حَيثُ شعَر بُغتةً بتسَارُعِ نَبضِه إثرَ مَا توصَل إليَه؛ إنَهُم حَقِيقِيوُن. حِينهَا فَتح فمَهُ ناوِيًا الرَد عَليهَا، ولكِنَهُ مَالبُثَ حتىَ شَعر بموجَةٍ عَنِيفَة مِنَ القِيء تَضرِبُه، ممَا أعلمَهُ أنَ وقتَهُ ينفَذ، فرصتهُ للنجَاةِ شبهُ مَعدومَةٍ الآن، وقَد شعَر بروُحهِ تُنتزَعُ مِنه ريثمَا يَمِيلُ ببدنهِ بعدهَا لُيفرِغ مَكنُونَ بَطنهِ علىَ سجَادِ الجنَاحِ الباهِظ.
تمَامًا جِوارَ ليليِث التِي سارعَت بالترَاجُعِ خَلفًا، مُبتعدةٌ عنهُ بقرَفٍ فورمَا ضَربتهَا رائِحَةُ الإستفرَاغِ الخانِقَة، لتتنَهد وهِىَ تحشوُ كفِهَا فِي تَنورتِهَا الضَيِقة، مُخرجَه زُجاجَةُ عطرِهَا المُترفَه والمُصنعَة خصِيصًا لهَا، قبَل أنَ تنثُرَ عَبِيرهَا الأخَاذِ عَبر الهوَاء، فوقَ الأرضِيَةِ، الستارةُ القُطنِيَه، بدَنُ كِليث، وَمفرَشُ طاوِلة الجَرِ.
سافرَت ذَاتُ الحَدقتِين الزرقَاوتَينِ ببصَِرهَا حوَل المكَان، ثُمَ مالبُثَت حتىَ شرعَت خَلع قُفازيهَا علىَ مَهل، مُتفحِصَه الحُجرَة حولهَا، بدايةً مِن حَجمِهَا الكَبيرِ وحتىَ أثاثِهَا البَاهِظ.. مُؤسِفٌ أنَ كُلَ هذَا سيُحرَقُ بعدَ—، ألقَت نظرَةً سَرِيعَة علىَ ساعَةِ رُولِيّكس النِسَائيَة حوَل معصمِهَا، أربَعُونَ ثَانِيةٍ بالضَبط.
وقَد كانَت الساعَة الثَامِنَة إلَا رُبِع صبَاحًا، أي تَبقى ثمَانُ دقَائِقٍ قبَل أن يُخمَد الحَريقِ الذِي ستفَتعِلُه، أربعَة عَشر دَقيِقَة قبَل أنَ يُكشَف عَن جُثمَان كِليث، وإثنَانِ وثَلاثِينَ قبلَ وصوُلِ عُمَلاءِ الإستخبَارَات.
حِينهَا تبسمَت لِيلِيث بوسَعٍ وهِىَ تُودِعُ كِليثْ، "هُنَا يَنتهِي لقَائُنَا إذًا، أراكَ قرَيبًا فِي الجَحيِم يَا عَزيزِي،" ثُمَ ضغطَت بإبهَامِ كَفِهَا الأيمَنِ علىَ زِر قَداحةٍ عَتِيقَه، مالبُثَت حتىَ نفثَت شرارًا خفيفًا لبضعِ ثوَانٍ قبَل أنَ تشتَعِل، لتُلقِيهَا هِىَ علىَ طرَفِ الستَارةِ جوارهَا، ذاتُهَا التِي رشَت عليهَا عِطرُهَا الكحُولِي.
وخلَال بضعِ لحظَاتٍ فقَط كانَ وهَجُ اللهَبِ البرُتقَالِي هوَ كُل مَا يُنِيرُ الجِنَاح، عاكِسًا لوحَةً جُهنَمِيَة تُجزِعُ النَاظرِين، لكِنهَا لَم تبَدوُ كمَا وإن كاَنتْ تِؤثِرُ عَليها، تِلكَ المرَأةِ التِي رَاقبَ كلِيثْ بدنهَا وهوَ يبتَعِد عنهُ بتَأنٍ، كمَا وإنْ لَم تكُن هَذهِ المرَةُ الأولىَ التِي تشهَد فِيهَا علىَ جريمَةٍ كَهذهِ، أو بكلمَاتٍ آخرىَ تفَتعِلهَا.
شعرَ كِليثْ آكرِي بجَفنيهِ يُسدلَانِ تزامُنًا معَ خروُجِ ليليِثْ مِنَ الجِنَاح، إذ أمسَت صُورَتهَا المَلِيحَة سرابًا فِي ذهنِه بعَد هُنيهَةٍ.
وأمَا عَن غَلطتِه الرَابِعَة، أي الآخِيرَة، كانَت الشكُ في وجودهِم؛ عَاجلًا أَو أجِلًا هُم كالأجلِ مُقبلون.
♆
سواءَ عَاجلًا أَو أجِلًا، المَنيَّةُ مُقبلةٌ لَا ريّبَ فيهَا.
دمُسَت نظرَاتُ كاثَان وهوَ يتفرَسُ جُثمَانُ كلِيث مِن مقبعِه، حَيثُ وَقفَ عَندَ مُدخَلِ الجنَاحِ المُترَف بسكوُنْ ناقضَ جُلَ مَا يلفهُ مِن فَوضىَ، إِذْ غدىَ المكَانُ بُغتةً مسرَحُ جريمَةٍ يعجُ بأجسَادٍ تعدوُ فِي حركَةٍ ضبابيَة قُبالةَ نَاظرِه..
خطىَ كاثَانْ برويَةٍ نحوَه، إلَا أنَهُ مالبُثَ حتىَ توقفَ بُغتةً فورمَا رفعَ شُرطِيٌ مَا ذراعَهُ قُبالتُه مُوضِحًا، "رجَاءً سَيدِي هذَا مسرَحُ جريمةٍ حَدِيث، يُسمَحُ فقَط لأفرَادِ التحقيقِ مِن قِسمِ الشُرطَةِ بالعبوُر." ليعقفَ كاثَانْ مِحيَاهُ فِي ضيقٍ مُبِين، "رَاي!،" دونَ أَن يتكبدَ عناءَ النظرِ إلىَ الشُرطِي، مُثبتًا بصرَهُ علىَ رفِيقِه الذِي مالبُثَ حتىَ أجابَ فورَ إلتفاتهِ نحوهُم، "إنَهُ مَعِي أيُهَا الضابِط."
"لمَ أتيتَ بِي هُنَا، رّاِي؟،" تسألَ كاثَان بِضجَرٍ لَم يتكبَد عناءَ طمسِه حالَ وقوفهِ جوارَ رّاِي، الَذِي أردفَ وهوَ يُشِيرُ إلىَ مَن تمَوضعّ علىَ الأرِيكَةِ الجِلديَه، "ليسَ الآن، أنظُر إلىَ هذَا."
حِينهَا تنهدَ كاثَانْ مُثبِتًا بَصرِه علىَ جُثمانِ وزيِر الخارِجيَةِ السابِق، قبلَ أنَ يَخطوُ نحوَهُ مُقررًا الإنغماسَ فِي فحِصه حِينمَا استرعىَ شيءٌ مَا انتِباهَه، لَيدنُو علىَ الأرضِيَة الرُخاميَة بصَريرٍ خفيفٍ مِن حذائِه، حارصًا الحفاظَ علىَ المسافَة بينَهُ وبينَ الجُثَةِ حتىَ لا يُعِيقَ مسَرحُ الجرِيمَة فِيمَا يستنتِج، "دعنِي أِخَمِن، جُرعَةٌ مُهِلكَة مِن سُمٍ مَا، صَحِيح؟."
"اجَل، كيفَ عرِفتْ؟،" غمغمَ رَاي مُتسَائلًا، ليُجِيبَ كاثَانْ بنبرَةٍ عنَتْ باطِنيًا 'هَل أنتى غَبِي؟،' فِيمَا يُتابِعُ فحصَ الجُثَةِ الجاثِمَةِ قُبالتَه، "لَم أنسىَ سنوَاتِ عَملِي القَصِيرَة فِي الجَهازِ بَعد، كمَا أنَ هذَا جلِيٌ كوضوُحِ الكِريستَال، بدَنٌ شاحِب، احمِرارٌ حوَل شفَاهِه، رَائِحَةٌ نَتِنَة.. كلُ هذَا يُشِيرُ إلىَ تسَمُمِه، لكِن بمَاذَا؟ هذَا مَا اَم أفلَح فِي تبَيُنِه."
حِينهَا تدخلَ صَوتٌ رفِيعٌ يُجيبهُ عَن سؤالهِ بنبرَةٍ مُتحمسَة، "البِلاَّدُونا السَّامَّةُ، سِتُ الحُسِن، أوَ ظِلُ الليلِ المُمِيتْ،" ليُدركَ كاثَان مِن الوهلَةِ الأولىَ أنَ صاحِبُ الجُملَةِ ليسَ سوَا زِيد، رفيقهُ الذِي كانَ يخطوُا نحوهَ ببسمَةٍ عريضَة فيمَا يتبعهُ توأمهُ رِيد بنظراتٍ حذرَه وهالةٍ اكثرُ ثباتًا.
"سُحقًا، لَم ألحَظهُ دِيزوُلِي!،" تَأسفَ زِيدْ بُلغتهِ الأم –الفرِنسيَة– فورمَا داسَ بكَعبهِ علىَ كَفِ كلِيثْ، إذ كانَ مُنغَمِسٌ بمُراجَعةِ التَقريرِ الذِي كَتبه، ليتنهَد توأمَهُ الآخَرُ بقلِة حِيلَة.
“سِمُ بِيلادونَا؟، لكِن كَيف؟، أليسَ مادَةٌ طِبيَة فقَط؟،" تَسألَ رايِ برويَة فِيمَا يَجوُل ببصرَهُ علىَ أسُطرِ التقرِير الذِي سلمهُ زِيد لَه، قبلَ أنَ يُمررهُ لكاثَان، الذِي سُرعانَ مَا القَاه جَانِبًا دونَ تكبَد عناءَ فحصِه؛ فهوَ علىَ علمٍ تَام بأنَ التوأمِينِ سيشرحَانِ محتوَاهُ بالتفَصٍيل المُمل في كلتَا الحالتان.
وتمَامًا كمَا توقَع؛ بعدَ لحَظاتٍ معدودَه لَم يَقوىَ رِيدْ علىَ كَبحِ وابلِ معلومَاتهِ مِنَ الإنهِمَار، "سِمُ بيِلادونَا مُهلُك، بالطَبِع ليسَ للِأدِويَة الطِبيَة فقّط!. كلُ جُزءٍ فِي هّذهِ النبتَة سَام، بدَايةً مِنَ التوُتِ، الأورَاقِ وحتىَ الأغصَان. كيفَ لَم تسَمع بِه قَبلًا؟، انَهُ سمُ النسّاءِ المُفضَل؛ فَزوجَةُ القيصَرِ أوُكتاڤيَان يُشاعُ انهّا قتلَتهُ بِه، أرمَلةُ هوُليووُد الشَهِيرَة سكَاندِل باكَـ—"
كانَ علىَ أحَدٍ إخرَاسِه، هذَا مَا دارَ فِي ذهنِ ثلاثتِهم—راي، زِيد، وكاثَان فِيمَا يستَمعونَ لحَديثِه، وقَد وقعَ الإخِتيارُ بعدها علىَ الأخِير، الذِي مالبُثَ حتىَ تنحنَح قبلَ أنَ يُقاطعهُ بُغتةً، "رَجاءً إختَصِر زِيد."
"بَيتُ القصِيدُ هُنّا هوّ انَ سمُ نبتَةُ بيلادوُنَا فتَاكْ ولَا يجدُر بِنَا التَقلِيلُ مِن شأنِه، لأنَ الجُرعَةُ المُمِيتَة تُقدَرُ بِستُ مئةِ مِللِيغرَام فقَط، مابَالُكَ بمّا قَد يقّعُ لكَ حِينَ ترتِشفُ نِصفَ زُجاجَةٍ كامِلَة—" توقفَ زِيد حينمَا تابعَ رِيد نيَابةً عَنه، "وليسَ هذَا فقَط!، بَل تلمسهُ ايضًا دُونَ حِمايَة."
توقفَ كاثَان عاقِدًا حَاجبيهِ بحِيرَة إِذ أثارَت جُملَةُ الأصهَبِ الأخِيرَة اِنتبَاهِه، "مَاذَا تَعنِي بهذَا؟، ألَم يتجرَعَ السمُ فقَط؟."
وضحَ زِيدْ باسِطًا شفتَاهُ فِي خَطٍ رَفِيع، "لَا، لقَد سُمِمَ الاثنَان؛ الكَأسُ وَالشرَابْ،" لُيكمِلَ رِيد نيابَةً عَنهُ بعدَ لحظَاتٍ مِنَ السكوِن، "دُسَ السمُ فِي الزُجاجَة وَالكأِس، ايًا كانَ مَن قبعَ وراءَ هذهِ الجرَيمَة حَرِص علىَ موتِ آكرِي بكُلِ الطرِقُ المُمكَنَة؛ فِإِن لَم يُهلِكهُ ذَوقُ النَبِيذ، ملمَسُ الَكَأسِ سيفِي بالغَرضْ."
وقتذَاك مرَ بريِقٌ حاِلكٌ عبرَ حدَقتي كاثَان بُغتةً، لِيفرِقع لِسانهُ فِي سقفِ حَلقِه، نافِيًا نظريَتهُمَا بعدَ لحظَاتٍ مِنَ التفَكِير، "ايًا كانَ المَسؤوُل عَنْ هَذهِ القَضيَة ليسَ امرُءٌ صَبوُر، هوَ شَخصٌ يُفضِلُ انجازَ هذَا الهُرَاء بأقَلِ الخسَائِر المُمكنَة.. شَخصٌ مُعتادٌ علىَ القَتلِ وَمَا يصحبهُ مِن مُرَادفاتٍ آخرىَ حتىَ أمسىَ عمَلٌ رَتِيبٌ لَه، لَا يحوزُ علىَ ذرَةٍ مِنَ الإهتمَامِ نحوَه،"
توقفَ ذِي الخصِلاتِ الفَحميَة عَن الحدِيث لهُنيهَةٍ مِنَ السكوُنْ، حَيثُ لاحَت تعابِيرٌ مُبهمَة علىَ تقَاسيمهِ، قبلَ أن يُرِدف مُحللًا، "مَنْ قتلَهُ كانَ يَشعُر بالضجَرِ، إِذ لَمْ يتكبَد عناءَ مُشاهدتهِ يلفظُ أنفاسَهُ الأخِيرَة، بَل استخدمَ طرِيقتاَنِ حتىَ يحرِص علىَ إهلاكِه دوَنَ الحاجَةِ لمُجابهَةِ تلكَ اللحظَةِ شَخصيًا، وهذَا ليسَ ذكاءً، بَل ثقَةٌ فِي مقدرَتِه."
"مَهلًا يارُجل—،" جحظَتْ أعينُ زِيد، وأكملَ ريِد بنبرَةٍ شِبهُ مُرتاعَة، "—أتعني أنَ هذَا القاتِل خَبِير؟،" أومَأ كاثانَ مؤيدًا حَدِيثُ التوأميِن، "أجَل، وهاكَ اولَُ دَلِيلٍ لمَلفِ القضِيَة، موضعنُاَ الذِي نقِفُ فِيه ليسَ أوَلُ مسرَحِ جريمَةٍ لَه."
"هذَا يُعقِدُ الأمُور،" تمتمَ ريِد تحتَ أنفاسِه، وَتزامُنًا معَ انهائهِ لجُملتِه تسألَ زِيد، "لكِن.. لاشيءْ مَنطِقيٌ فِي هذَا الاحتِمَال، عادَةً مَا يُخِلف كُلَ قاتِلٍ ورائهُ شَيءٍ يُمِيزَهُ بعدَ كُلِ عمِلِيَة، وهُناَ لَم أُدرِك شَيئًا يُثِيرُ الانتِبَاه بَعد!."
"هذَا يؤكِدُ انً هذَا الشخصُ شَدِيدُ الفِطنَةِ والدهَاء، لايتركُ ورائّهُ ايُ دَليلٍ قَد يُوصلكُ لَه، يَبدوُ الأمرُ كمَا علىَ علمٍ بحقيقَةِ أنهُ.." أشاحَ كاثَانْ بصرَهُ عَنْ كلِيثْ هامِسًا بتشَوُش، "غَيرُ مَلموُس.. وَصَعبُ المنَال."
تسَألَ زِيد بنبرَةٍ مَسموعَة، "سمعتُ هذَا، انكروَايابِل! أتحَاوِل طمئنتِنَا؟ لأنَ هذَا لايُبَشِرُ بخَيِر،" وقَد تنهَد رِيد مُتفِقًا معَ توأمهِ فِيمَا يُعدِلُ نظاراتهُ الطِبية علىَ جسِر أنفِه، "ما التَالِي، اِذًا؟،"
"لَستُ علىَ درايةٍ تامَة بعَد،" أجابهُ كَاثانْ بصِدقٍ وهوَ يعتِدلُ بوقفِته، "لكِن هذَا مَا سأُجِيبُكَ عَنهُ بعدمَا أفحَص الجنَاحْ."
بعدهَا شقُ صاحِبُ الخصلَاتِ الدامِسَة خطِاهُ مُتعمقًا فِي مقبّعهِ الفسِيحَ. شاشَةُ التِلفَازِ كانَت تَعِرضُ قناةَ سِي إنِ إِن الإخباَرِية، حيثُ كانَ أحدُ المُرَاسِلينَ يُلقِي تَقِريرًا عَن حَادِث وفَاةِ آكِرِي بأسَفٍ زَائِف، وقد تدلىَ هاتفُ الفنُدِق الأرضِي مِنَ المِنضدَةِ التِي قبعَتْ جوَارَ الأرِيكَةِ المُترفَه، ممَا أعلمَهُ مُباشرَةً انَ مَصرِعَ كليّث لَمْ يَكُن مُسَاِلمًا، بَل كانَ واعِيًا لمَا يَحدثُ حولَهُ.. حتىَ أنَهُ كانَ يبتَغِي طلبَ المُساعدَة فِي حيِنٍ مَا
ولوهلَه، كومِيضِ شمعَةٍ مُتذبذِب فِي جنَج الظلَام، مرَ مسرَحُ الجرَيمةِ بوُضوُحٍ أمامَ نَاظرِ كَاثَانْ، لكِنْ ليسَ خِلَالَ لحظتهِ تِلك؛ بَل قبلَ بضعِ سوَيعَاتٍ مِنَ الآنْ.. حَيثُ أبصرَ بُغتةً بدَنُ كِليثْ وهوَ يَمدُ كفَهُ للقَبضِ علىَ الهَاتِفْ، أبصرَ اللحظَةُ التِي خَارِت فيهَا قوَاهُ، وأبصَرَ تحَرُكَاتِ القّاتِل عبرَ المكَانْ.
كانَ يتخيَلُ مَا وقعَ فِي ذهنِه كمَا وإنْ كانَ يُشاهِدُ فِيلمًا مَا، أطيَافُ آكِري وّالقاتِل كاَنتْ تَحومُ حولَه، حتىّ كادَ يّتلمسهَا مِن شِدَةِ تركِيزَه، كادَ يسمّعُ عَوِيلُ كِليثْ وَ—
توقفَ كاثّانْ، مُسلِطًا انتِباهَهُ علىَ شيءٌ أخرَ، شَيءٌ حلوٌ لَم يُدرِك ماهيتُه، لكَنهُ أعادّهُ بُغتةً إلىَ ارضِ الواقِع، حَيثُ توسطَ حرمَ الجناحِ ذِي الإضاءِة الخِفيضَة بأنفَاسٍ مَسلوُبَه.
عقدَ صاحِبُ الخُصَلاتِ الفَحمِيَة حَاجبيهِ فيّ حيرَةٍ وتشَوُش، ثُمَ إنحنىَ جُزئيًا نحوَ مفرَشِ الطاوِلَة جوَارِه، سامِحًا لأنفهُ بتشرُبِ مَا يدورُ حولهُ مِن روَائحٍ عبرَ تيَارِ الهوَاء، إلَا أنَ شَيئًا لَم يُثرهُ فيّ بَاديّءِ الأمر، قبَل أنَ يتسَمرَ بدنهُ بُغتةً بعدهَا، تمَامًا فورَ إستنشَاقهِ لشذَا ضَعيفٌ وسُكَرِي، شذَا عَذبٌ لَم يقوىَ علىَ تَفكِيكِه.
إستقَامَ كاثَانْ مُعتدلًا، حَيثُ نوىَ طلَبْ المُساعدَة، ليقعَ إختيَارهُ علىَ زِيدْ، التوَأمُ المعروُفِ بحساسِيَةِ أنفهِ المًفرِطَة، "ذِئبُ البرَارِي،" رفعَ الأصهَبُ رأسَهُ صوبَ رَئيسهِ السَابقِ بإستِعدَادٍ تَام، قبلَ أنَ يَشُق سبيلَهُ نحوَهُ مُرادَ تَلبيةِ ندَائِه، ليسألهُ كاثَان بُغتةً، "ألا تَشمُ مَا أشُمَه؟."
تنهدَ رِيّد مُغلقًا جَفنيهِ بإحكَام، ثُمَ أجابَهُ بعدَ هُنيهَةٍ مِنَ السكوُنِ وهوَ يُحِللُ عناصِرَ الرائحَةِ، "أجَل، عبقٌ أرِجٌ، مُزهِرٌ وطَيِب، ذِي لمحَةٍ مِن حلاوَةِ الشَاي."
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!