صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 15 من 15

الفصل الرابع عشر

قبل ذلك الوقت، في منزل ريليان، عندما دلفت غرفة مكتب والدها، وجدت أمبر يجلس والابتسامة تشق وجهه الأشقر المستفز. نظرت إلى أخيها ستيف، الذي ينظر إليها بحب، فتقدمت وهي تحاول جر قدميها بعدم اطمئنان لاجتماعهم هنا:
جلست على المقعد المزدوج بهدوء، وهي تبتسم بتوتر، تخفي قلقها الذي يكاد يقتلها في مكانها، لتشاهد أمبر وهو يعتدل في وقفته متوجهًا نحوها.
رفعت عينيها إليه عندما وقف أمامها، لينحني مقبلًا رأسها، فشعرت بقشعريرة تسري في أوصالها جراء قبلته المنفرة، لتستمع إلى صوته البغيض، الذي تمقته:
- كيف حالكِ يا ريليان؟
أجابته بعدما جاهدت بقوة في إخراج صوتها كي يبدو طبيعيًا:
- بخير، شكرًا لك.
جلس ملاصقًا لها، فضغطت على يدها بقوةٍ غاضبة بعدما حاوط كتفيها بتملك، لتستمع إلى صوت والدها الذي تهابه:
- ريليان، هل أنتِ مستعدة للزواج هذا العام؟
هل تخيلتم من يتمنى الموت في أسرع وقت، ولا يُستجاب له؟
كانت ريليان تتمنى أن تموت في هذه اللحظة بمجرد سماعها لهذا الاقتراح الأرعن.
إنها تعلم أنه، سواء عارضت أم وافقت، سيتم تنفيذ قرار والدها الذي حسمه مسبقًا، وبالتأكيد هو قرار سيقتلها في الصميم.
أجل، إنها تعلم أنه سوف يزوجها لأمبر.
لقد قرر وانتهى الأمر، لكنه يبدو أنه يأخذ رأيها أمام أمبر ليس إلا.
إنها مجرد شكليات.
أغمضت عينيها في محاولة بائسة، لعل ما يحدث حلم أو كابوس، ثم أخرجت صوتها أخيرًا بعدما خابت آمالها عندما فتحتهما، ناظرةً إليهم وهي ترى الأمر حقيقة:
- ما تراه مناسبًا يا أبي.
اتسعت ابتسامة جرير حتى ظهر سنه الذهبي، الضاحك من عدم معارضتها له، ليتحدث بفخر، وهو يوجه حديثه إلى أمبر:
- حسنًا، إذًا كما اتفقنا يا أمبر، بعد نهاية السنة الدراسية هذه سنقيم مراسم الزفاف، لكن أولًا عليكم التوجه إلى الكنيسة لتلقي تلك الدورة التأهيلية. بما أنه تمت خطبتكما، فقد تحدثت مع القسيس ألفريدو، وقد دوّن أسماءكما.
بدأت دموعها تتجمع، وهي تتخيل مجرد فكرة ارتباطها... بل تقييدها بأمبر.
إنه أمر أشبه بخروج الروح إلى خالقها.
نظرت إلى ستيف، بعينيها ترجوه أن يتدخل في هذه المهزلة المقامة حولها، لكنه بادلها نظرةً باسمة، غير مدرك لما تشعر به من تأجج النيران داخلها.
ابتسمت باستهزاء من تفكيرها الساذج.
كيف سيساعدها، وهو سيتزوج ابنة خالة أمبر الشقراء ذات العينين الزرقاوين؟
بل الحقيقة أنها ليست ابنة خالته فحسب، بل صديقته المقربة، وكل ما يملك.
فإن حاول الاعتراض، فلن يتزوج بمخطوبته.
التفتت إلى أمبر ببطء، لتشاهد ابتسامته الواسعة، وتتمنى أن تشوهها بلكمةٍ تطيح بأسنانه.
تنهدت بقوة، محاولةً التماسك أمامهم، فليس من الطبيعي أن تنهار هنا:
وقفت من جانب أمبر، وهي تمنحهم ابتسامةً متألمة، ثم توجهت نحو والدها، مقبلةً رأسه ببعض الحب، وهي تتمنى أن يشرح لها سر معاملته القاسية معها.
ابتعدت عنه بضع بوصات، ثم تحدثت بهدوء وغصة تخنقها:
- هل تريد شيئًا آخر يا أبي؟
نفى برأسه، مبتسمًا بجمود.
نظرت إلى ستيف، مانحةً إياه ابتسامةً خفيفة، ثم توجهت نحو الباب بانكسارٍ كبير، تجر خلفها خيباتها.
أغلقت باب المكتب، ثم أسرعت نحو غرفتها، صاعدةً السلالم وهي تذرف الدموع.
دلفت إلى غرفتها بقهر، لتجد رلين ومايا جالستين، وكل واحدة منهما تحدث حبيبها.
مسحت دموعها، وتوجهت نحو المرحاض، لكن رلين أوقفتها بقلق بعدما أغلقت الاتصال مع ديفيد، وأمسكتها من كتفها، ثم سألتها بشك:
- ما بكِ يا ريليان؟ ما الذي حدث؟
نظرت إليها بتشوش من كثرة الدموع في عينيها، ثم أجابت وهي تمسحهما بباطن كفها:
- سوف يكون زواجي بعد انتهاء هذا العام. أرجوكِ يا رلين، لا أريد أن أتزوج الآن. أخبري والدي، إنه يحبكِ كثيرًا.
احتضنتها رلين بمواساة، وربتت على ظهرها بحنانٍ أخوي:
- لا تقلقي يا ريليان، سيكون كل شيء بخير، ربما هذا هو الأفضل لكِ.
ابتعدت عنها بغضبٍ طفيف:
- أنا لا أريد أمبر، لا أريد الارتباط به، لماذا لا تفهمون ذلك؟
ثم أمسكت يديها بتوسل:
- أرجوكِ يا رلين، أقنعي والدي، سيستمع إليكِ.
ابتسمت الأخرى بقلة حيلة، ناظرةً إليها:
- صدقيني، إن أبي إذا وضع شيئًا في عقله، فلن يستطيع أي شخص تغييره، وأنتِ تعلمين ذلك.
وقفت مايا تنظر إليها بحزن، وهي ترى بكاء أختها المؤلم، فتقدمت منها واحتضنتها بمواساة:
- ريليان، لا تبكِ يا حبيبتي، لن يفيد البكاء شيئًا.
أغمضت عينيها بضعف.
صحيح، لن يفيد البكاء شيئًا، سوى ألمٍ في الرأس وغصةٍ في القلب.
نظرت إليها بابتسامةٍ حزينة:
- شكرًا لكما، يبدو أنه لا خلاص من أمبر.
جلست رلين باستفسار، وهي تجبر ريليان على الجلوس أيضًا، ثم تساءلت:
- أخبريني، لماذا لا تريدين أمبر؟ الجميع يعرف كم يحبكِ، وأنتِ كنتِ تحبينه، فما الذي حدث؟
أبعدت عينيها هروبًا، ثم أجابت بتوتر:
- لم يحدث شيء، ثم إنني لم أحبه يومًا قط. كنت أحترمه وأعتبره صديقًا، وليس حبيبًا أو شريكًا لحياتي يا رلين.
نظرت إليها رلين باختراق، ثم رفعت ذقن ريليان بإصبعيها السبابة والوسطى، مجبرةً إياها على النظر داخل عينيها، وسألتها بشك:
- هل تحبين شخصًا آخر؟
حاولت الهرب من نظراتها، لكن الأخرى لم تسمح لها، ثم تحدثت بحنان:
- أخبريني يا ريليان، إنني توأمكِ، وأستطيع فهمكِ.
أحنت ريليان زوايا فمها، ثم عادت للبكاء من جديد.
إن أخبرتها بسليم، فلن يسمحوا لها بالخروج من المنزل مطلقًا، هذا غير العقوبة التي ستلحق بها إذا عرفوا بعقيدته.
تحدثت بتردد:
- ما رأيكِ أنتِ؟ هل معارضتي هذه يُفهم منها أنني أحب شخصًا آخر؟
أومأت رلين بتأكيد، مبتسمةً بحب:
- أجل يا حبيبتي، لا يوجد تفسير آخر غير ذلك. والآن أخبريني، من هذا الشخص الذي أوقعكِ في غرامه وسرق قلبكِ؟
لن تغامر بإخبارها، فهي تعرف عداوتها الشديدة للمسلمين.
ابتسمت لها بتوتر:
- لكنني لا أحب أي شخص يا رلين، صدقيني.
نظرت إليها الأخرى بعدم تصديق، فعيناها كانتا تفضحانها بكل جدارة، وقد لمعتا بمجرد أن مر اسمه في عقلها.
لذلك قالت رلين:
- هل ستخبرينني أم لا يا ريليان؟ مع أنني عرفت إجابة سؤالي.
تدخلت مايا بالحديث مازحةً، تريد تلطيف الأجواء، لكنها زادت الطين بلة:
- يا فتاة، لماذا أشعر أنكِ تحبين شخصًا من عقيدةٍ أخرى، ولا تريدين أن...
قاطعتها رلين بغضبٍ لا مبرر له:
- اصمتي يا مايا! ما الذي تتفوهين به؟ كيف لها أن تحب شخصًا من عقيدةٍ أخرى؟ هذا هراء، ولن يحدث أبدًا.
انكمشت ريليان على نفسها بخوف من غضب رلين.
هذا مجرد رد فعلها عند ذكر عقيدة أخرى، فكيف سيكون حالها إذا علمت أنه مسلم؟
ستقوم القيامة حينها.
ابتلعت ريقها بتوتر، وحاولت التحدث، لكن مايا أكملت حديثها بتردد:
- كنت أمزح يا رلين، لا تغضبي. فقط من ترددها قلت هذا، ثم أليس إذا أحبت شخصًا آخر سيتركها أمبر؟
أجابتها رلين بغضبٍ شديد، وقد احمر وجهها:
- قلت اصمتي يا مايا، أو اخرجي من الغرفة حالًا.
أغلقت مايا الباب خلفها بعدما اعتذرت منها بندم.
التفتت رلين إلى ريليان، المنكمشة على نفسها بخوف، ثم خاطبتها بعدما أغمضت عينيها محاولةً تهدئة نفسها:
- ريليان، اذهبي واغسلي وجهكِ وجسدكِ، ثم إنني سأخرج مع ديفيد وأعود إليكِ، وستكونين قد ارتحتِ، وعندها ستخبرينني من هذا الشخص، لأنني أعلم أن هناك من تحبينه.
أغمضت ريليان عينيها بضعف، ثم فتحتهما بعد برهة، وهي تشاهد رلين تضع أحمر شفاهٍ داكن اللون، ثم حملت حقيبتها، وتوجهت نحو الباب، وأغلقته خلفها.
وضعت ريليان رأسها بين يديها، وقد انزلق شعرها يغطي ملامح وجهها، وانفجرت بالبكاء بضعف، بينما ترددت كلمات مايا داخل عقلها:
(ثم أليس إذا أحبت شخصًا آخر سيتركها أمبر؟)
حاولت التفكير في الأمر بجدية، هل إن حازت على قلب سليم خلال هذه الفترة، فسوف تتخلص من أمبر حقًا؟
أمسكت هاتفها بتردد، ثم سارعت إلى مهاتفة سارة، لتجيبها الأخرى بهدوء:
أهلًا يا ريليان.
لم تستطع ريليان منع نفسها من البكاء، فأجابتها بحرقة:
سارة... أريد أن أتعلم مبادئ دينكم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.