صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 12 من 12

القصل الحادي عشر

رفعت رأسها إلى الأعلى، لا تريد أن تبكي، لا تريد ذلك. أخذت كوب الماء ترتشفه بمرارة وهي تشعر بضيقٍ في صدرها. هناك شيء يضغط عليها، لكنها لا تعلم ما هو.
خرجت إلى الخارج ناظرةً إلى الخلاء، ثم اقتربت من النافذة ليتسنى لها رؤية سليم.
دققت النظر لتجده جالسًا على مقعد، وبين يديه كتاب يقرأ فيه. تنهدت وهي ترتكز على حافة النافذة بهيام، وقد بدأت دقات قلبها تعلو بوتيرة مختلفة، فيما سرت دغدغة غريبة في أوصالها.
هل من الممكن أن ينظر إليها يومًا ما؟!
انتبهت إلى أفكارها، مما جعلها توبخ نفسها:
"لا تقومي ببناء أحلامٍ تستيقظين بعدها على سراب يا ريليان."
ابتعدت عن النافذة بحزن، ثم جلست أمام التلفاز ممسكةً بجهاز التحكم بملل، تقلب بين القنوات.
استمعت إلى صوت هاتفها، فتوجهت إليه بكسل لتجد اسم أمبر يضيء الشاشة.
أجابته ببعض الأسف المصطنع الذي أتقنته جيدًا:
- أهلًا أمبر.
أجابها الآخر بغضب:
- حقًا أهلًا؟ ريليان، أين اختفيتِ؟
أجابته بصدق وهي تضع قدمًا فوق الأخرى:
- ذهبت إلى بيت صديقتي يا أمبر.
تحدث متسائلًا:
- وأين بيت صديقتك هذه؟ هل تعلمين أنني ذهبت إلى المنطقة التي ذهبتِ إليها، لكنني لم أجدك هناك؟ وحمدت الرب أنكِ لستِ هناك.
ابتلعت ريقها بتوتر، تريد أن تعلم كيف عرف بمكانها:
- لم أفهم، أين ذهبت للبحث عني؟ وكيف عرفت؟
أجابها موضحًا بعدما جلس على مقعده:
- بعدما اختفيتِ، ذهبت إلى الحراس أسألهم، لكنهم لم يشاهدوكِ تخرجين من هناك. بعدها ذهبت إلى غرفة المراقبة ورأيتك تستقلين سيارة أجرة، فأخذت رقم السائق وهاتفته ليرشدني إلى المنطقة. لكنني استغربت ولم أصدق أنكِ هناك، فهي منطقة للمحمديين.
زفرت براحةٍ تامة وهي تجيبه:
- لا، ما الذي قد يقودني إلى هناك؟ صحيح أنني ذهبت، لكنني استقليت سيارة أجرة أخرى، لأنني أخبرت السائق الأول بمكانٍ خاطئ.
تنفس براحةٍ واضحة ليسألها:
- حبيبتي، هل كنتِ تعنين ما أخبرتني به اليوم؟
أغمضت عينيها، فهي تريد مجاراته لتتخلص من الحديث ليس إلا:
- لا يا أمبر، لقد كنت طائشةً في حديثي، لأنني لم أتوقع سرعتك في التقدم لخطبتي.
تنفس براحةٍ تامة هو الآخر:
- إذًا سوف تعوضينني عن هذا اليوم، أليس كذلك يا ريلياني؟
أجابته بكذبٍ وضيق لم تُظهره:
- بالطبع يا أمبر، سأفعل ذلك.
تحدث بسعادة وهو ينظر إلى صديقه:
- ألستِ ستسمعينني كلمةً جميلة إذًا؟
أغلقت عينيها لسماجته وثقل دمه:
- أراك غدًا يا عزيزي، فكما تعلم أنا عند صديقتي.
أغلقت الهاتف بسرعة، غير سامحةٍ له بالحديث أكثر من ذلك.
استمعت إلى صوت طرق الباب، ثم أعقبه صوت سليم:
- سوف أدلف بعد إذنك.
أجابته بعدما رتبت خصلات شعرها بخجلٍ وتوتر، لا تعلم لماذا تفعل ذلك رغم أنه لا ينظر إليها أصلًا، ربما أصبحت عادةً لديها:
- تفضل.
نظرت إليه بعدما دخل وترك باب المنزل مفتوحًا، فتساءلت:
- هل غيرت قرارك؟
أجابها بهدوء نافيًا:
- لا، جئت لأجدد وضوئي، فلم يبقَ الكثير على صلاة العشاء.
هزت رأسها وكأنها فهمت ما يقصده، وإن كانت في الحقيقة تجاريه فقط.
ظلت تنتظره حتى انتهى، ثم أوقفته قبل أن يخرج:
- هل بإمكاني أن أطلب منك طلبًا؟
توقف وأومأ لها بتوجس:
- إن كنت قادرًا عليه، فلكِ ذلك.
أمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأعطته إياه بسعادة:
- كلما أتيت إلى هنا أستمع إلى أصوات جميلة وهادئة، وأريد أن أستمع إليها الآن.
عقد بين حاجبيه باستغراب:
- أصوات؟ هل هنا تستمعين إليها؟
أومأت بتأكيد:
- أجل، هنا. أشعر بالراحة عند سماعها، لا أعلم من صاحب الصوت، لكنه هادئ جدًا.
أجابها مستنكرًا:
- لا يوجد في التلفاز هنا أي أغانٍ مطلقًا. لقد حذفت جميع القنوات تقريبًا، ولم أُبقِ إلا على قنوات محددة.
بدأت تقلب القنوات متحدثة:
- أنا متأكدة من وجودها، دائمًا أستمع إليها عندما آتي إلى هنا، أقسم بالرب.
تنهد بقلة حيلة، ثم مد يده بحذر:
- أعطيني جهاز التحكم من فضلك.
ناولته إياه بسعادة، فبدأ يقلب بين القنوات حتى وصل إلى بعض القنوات التي شك بأنها تقصدها.
ظلت تنظر إلى الشاشة حتى صاحت فجأةً بسعادة:
- هذه هي! توقف هنا.
نظر إليها باستغراب، ثم قال متنهدًا:
- هذه ليست أغانٍ يا آنسة، هذا قرآن.
استمعت إلى الصوت، وشعرت براحةٍ تسري في جسدها كله، فأجابته بهدوء:
- لا يهم، المهم أنني أحبه.
نظر إليها سليم بتفكير، ثم انتقل إلى إحدى القنوات الدينية الأخرى.
عقدت حاجبيها بضيق:
- لماذا فعلت ذلك؟
ابتسم بهدوء:
- بما أنكِ تحبين الاستماع إليه، فاستمعي إليه كما ينبغي.
ثم أشار إلى الشاشة قائلًا:
- هذه سورة الفاتحة، وتُسمّى أيضًا أم الكتاب، ولها أسماء أخرى عديدة. سوف أتركك تستمعين إليها بإنصات، إنني ذاهب الآن، وأغلقي الباب جيدًا.
التفتت إلى التلفاز بعدما خرج، وأخذت تستمع إلى الصوت المنبعث منه بهدوءٍ وراحة.
كانت دموع ريليان تسيل بهدوء على وجنتيها وهي تستمع إلى تلك الآيات التي اختارها سليم بعناية من أجلها.
لا تعلم لماذا، لكن شيئًا ما كان يحدث داخلها.
وقفت فجأة وأغلقت التلفاز بخوفٍ وتوتر من ذلك الشعور، ثم اتجهت نحو غرفة سارة.
وضعت رأسها على الوسادة وأغمضت عينيها محاولةً الهروب من ذلك الإحساس الغريب، ثم تكورت على نفسها تحتضن جسدها بصمت.
««:::::::::::::-::::::::::»»
فلنعد إلى الأمس، وتحديدًا إلى بيت ريم، التي كانت تتآكل من الخوف والقلق عندما أجاب إبراهيم على اتصال والدتها.
نظرت إلى سما بخوفٍ من القادم، بينما نظر إليها إبراهيم باستغراب وقال:
- لقد أغلقت الخط.
تنهدت براحةٍ تامة وابتسمت له بتعجبٍ مصطنع:
- حقًا؟
ألقى الهاتف على السرير متسائلًا بضيق:
- هل أعددتِ الطعام؟
أجابته نافيةً وهي تتجه نحو سما:
- كنت ذاهبة لإعداده، انتظر قليلًا وسيكون جاهزًا.
جلس بجانب طفليه عمر وعليّ، ثم نظر إلى سما آمرًا إياها:
- تعالي يا حبيبتي.
نظرت ريم إليه، لتجد سما قد اتجهت نحوه. ابتسمت بغصةٍ وهي تشاهده يخرج سلسلةً رقيقة ويضعها بين يديها، فتوجهت نحو المطبخ لإعداد الطعام كعادتها.
تنهدت بثقل.
وهل سيتذكركِ حقًا ويحضر لكِ شيئًا؟ لا تتأملي كثيرًا يا ريم، أنتِ هنا من أجل أطفالكِ ليس إلا.
استمعت إلى صوت ضحكاتهم الصاخبة التي اخترقت أذنيها، فأكملت إعداد الطعام بدموعٍ وألم.
بعد مدة، كانوا جميعًا يجلسون حول المائدة يتناولون الطعام، ولم تخلُ الجلسة من مغازلة إبراهيم لسما أمام ناظري ريم، التي كانت تتظاهر بعدم الاكتراث، بينما كانت في الحقيقة تتمزق من الداخل وهي تشاهد هذا الحب الجياش الذي يكنّه زوجها لغيرها.
نهضت بعدما لم تعد تستطيع الاحتمال أكثر من ذلك، لتستمع إلى صوت إبراهيم المتسائل:
- إلى أين؟
أجابته بابتسامةٍ مصطنعة:
- الحمد لله، لقد شبعت. بالهناء لكم.
توجهت نحو غرفتها وهي تشعر بمرارة فقدان الحبيب، ثم نظرت إلى صورة والدها في هاتفها لتنهمر دموعها فجأة.
لقد اشتاقت إليه حقًا.
"أبي... أرجوك عد. لم أعد أحتمل أكثر من ذلك. أريد أن أعود طفلتك المدللة التي كنت تخشى انكسارها وتحبها كثيرًا."
رفعت رأسها نحو الباب عندما شعرت بوجود أحدهم، فمسحت دموعها سريعًا وابتسمت له.
جلس إبراهيم بجانبها متحدثًا بهدوء:
- لماذا تبكين؟
أجابته بسعادةٍ حقيقية، فقد سألها، وهذا وحده جعلها تشعر بأنه ما زال يهتم بها:
- لقد اشتقت إلى والدي.
نظر إليها بتفحص، ثم أجاب ببساطة:
- حسنًا.
شعرت بالحزن من رده البارد، لكنها استمعت إليه وهو يكمل:
- أتعلمين يا ريم؟ أنا أعلم ماذا أفعل معكِ، وأعلم أنكِ تتجاوزين عن بعض الأمور، لكنني أحاول تعويض سما عن أشياء كثيرة. إنها بمفردها، وتُعد عروسًا جديدة، ولم تشعر بالهناء كما شعرتِ أنتِ خلال السنوات الماضية.
ثم أردف:
- لديكِ أطفال يشغلون وقتكِ ويؤنسونكِ، أما هي فلا يوجد لديها أحد.
نظرت إليه بصدمة.
عروس جديدة؟
أنت متزوج بها منذ سنتين، وكانت بينكما علاقة قبل الزواج أيضًا، ثم تخبرني أنها ما زالت عروسًا جديدة؟
هل هذا كل ما استطعت قوله؟
أغمضت عينيها بقوة من وقع كلماته المؤلمة.
لقد تحملتك، وتحملت أفعالك التي حرمها الله، وفي النهاية هذا هو التبرير الذي تمنحني إياه؟
هذا ليس مبررًا يا إبراهيم.
وقفت من مكانها ونظرت إليه بابتسامةٍ باهتة، ثم خرجت من الغرفة بأكملها دون أن تنطق بكلمة أخرى.
عادت من شرودها الطويل، ووضعت السماعات في أذنيها، ثم استسلمت للنوم وهي تحتضن طفلها عليّ.
««:::::::::::-::::::::::::»»
في صباح اليوم التالي، استيقظت ريليان وهي تشعر براحةٍ تامة. للمرة الأولى منذ شهرين تنام بهذا العمق.
نظرت حولها باستغراب.
أين هي؟
هذه ليست غرفتها.
ضربت جبهتها بخفة عندما تذكرت أنها في غرفة سارة، داخل منزل سليم.
وما إن تذكرت أمره حتى نهضت مسرعة نحو النافذة، لكنها لم تجده هناك.
زمت شفتيها بضيق وابتعدت عن النافذة.
توجهت إلى المرحاض، غسلت وجهها، وأكملت روتينها الصباحي، ثم ذهبت إلى المطبخ وأعدت لنفسها شطيرة جبن وكوبًا من العصير.
جلست تتناول طعامها بصمتٍ مطبق، حتى استمعت إلى صوت فتح الباب.
وقفت بتوتر ظنًا منها أنه سليم.
اتجهت نحو الباب، وما إن فُتح حتى وجدت رجلًا في منتصف الأربعينيات من عمره، وخلفه ابتهال وسارة وفتاة لا تعرفها، يضحكون ويتبادلون الحديث.
تسمرت ابتهال في مكانها عندما رأت ريليان.
أما الأخرى فابتسمت بتوتر وتقدمت نحوها بتردد.
نظر الرجل إليها باستغرابٍ شديد ثم خاطب ابتهال:
- من هذه؟
أجابته ابتهال بعقلٍ شارد من الصدمة:
- إنها ريليان.
خرج صوت الفتاة الأخرى ممتلئًا بالشك والدهشة:
- من هذه يا عمتي؟ وكيف دخلت إلى هنا؟
كادت ريليان أن تجيبها، لكنهم استمعوا إلى صوت سليم اللاهث، ويبدو أنه كان يمارس رياضة الجري.
- هل عدتِ يا أمي؟
التفت الجميع إليه.
أما الرجل فقد نظر إليه باستفسار، وآلاف الأفكار تدور في رأسه:
- سليم... ما الذي يحدث هنا؟
نظر إليه سليم بصدمةٍ مماثلة:
- خالي؟!
««:::::::::::-::::::::::»»
4 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.