صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 5 من 6

الفصل الخامس

**نظر سليم إلى يدها الممدودة لعدة ثوانٍ، ليخفض نظره إلى الأسفل ملتفتًا بجسده، مخاطبًا سارة بضيقٍ وغضبٍ مكتوم:
- ولماذا لم تخبريني بذلك يا سارة؟
تلاشت الابتسامة تدريجيًا عن محياها، لتعيد يدها إلى جانبها بخجلٍ وتوترٍ من نبرة صوته الغاضبة مما حدث، مستمعةً إلى صوت ابتهال:
- لم نعلم أنك ستأتي الآن يا بني، ومن استغرابنا لدخولك نسيت إخبارك بأن لدينا ضيوفًا أيضًا.
تنهد وقد جاهد لرسم ابتسامةٍ طفيفة، متوجهًا نحو الباب، وقبل أن يخرج خاطبهم:
- حسنًا، يمكنكم أخذ راحتكم، سوف أذهب لشراء بعض المستلزمات التي أحتاجها.
وقبل أن يستمع إلى أي اعتراضٍ منهم، أغلق الباب خلفه لتتحدث ريليان بإحراجٍ كبير:
- إنني ذاهبة، فليحفظكم الرب.
نظرت إليها سارة بابتسامةٍ خجلة مما حدث للتو، لتوضح إليها بتردد:
- اعذريه يا ريليان، فهو لا يصافح النساء.
نظرت باستنكارٍ إليها، ثم حركت رأسها بضيق، لكنها لم تتكلم:
- لا عليكِ يا سارة، وسعدت حقًا بمعرفتكِ.
ثم تحدثت ناظرةً إلى ابتهال بامتنانٍ حقيقي:
- إلى اللقاء يا خالتي.
توجهت نحو الباب وهي تُخرج زفيرًا قويًا، وبعدما أغلقته توجهت نحو الخارج، ناظرةً إليه وهو يسير موليًا إياها ظهره.
كان هناك سؤالٌ واحد يدور في عقلها: لماذا لم يذهب للركض منذ يومين؟
توجهت نحوه بعقل طفلةٍ صغيرة لا تعي ما تفعل، لتلكزه في كتفه بخفةٍ متسائلة:
- من فضلك يا سيد.
توقف سليم عن السير متراجعًا إلى الخلف، وكأن أفعى قد لدغته، متحدثًا بغضبٍ مما حدث، متحاشيًا النظر إليها:
- ماذا هناك يا آنسة؟
فركت يديها بتوتر، لا تعلم كيف تسأله، لترفع عينيها إليه كي تشاهده عن قرب.
تحدثت في نفسها بإعجاب:
(أيها الرب، امنحني الصبر أمام عينيه ووجهه، لقد أحببت تفاصيل وجهه أكثر الآن).
أغمضت عينيها تريد طبع صورته في عقلها، لتنتبه إلى صوته المستعجل المتسائل:
- هل هناك شيء تريدينه مني يا آنسة؟
نظرت إليه وهو مخفض الرأس ولا ينظر إليها، فتنهدت بحزنٍ متسائلةً بتلعثم:
- لماذا أوقفت رياضة الجري؟ إنك منذ يومين لا تمارسها.
عقد ما بين حاجبيه باستغرابٍ من حديثها، أو بالأصح من معرفتها برياضته:
- من أخبركِ ذلك؟ ثم إنني لم أتوقف عنها، فقط قمت بتغيير طريقي المعتاد.
تساءلت بفضولٍ طائش، وقد اقتربت منه أكثر:
- إذًا أي طريق أصبحت تسلك؟
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفتح عينيه مستغفرًا ربه، ثم خاطبها وهو يبتعد:
- أعتذر منكِ يا آنسة، إن وقوفي معكِ هنا لسببٍ غير مشروع لا يصح، عن إذنك.
وقفت تنظر إلى ظهره بعدما تركها وذهب نحو الطريق الآخر قاطعًا إياه، لتلحق به بقهرٍ من تعامله الجاف هذا. واكبت خطواته الكبيرة لتصل إليه، مخاطبةً إياه بضيق وقد علا صوتها:
- إنك إنسانٌ مستفز يا هذا، هل تعلم؟
توقف سليم في مكانه مستغفرًا عندما استمع إلى صوتها. أجل، إنها صديقة أخته سارة، لكن من الذي أرسلها إليّ؟ ومن جعلها متسلطةً هكذا؟
ضغط على أسنانه بقوة ليخاطبها ببعض العصبية التي لم يستطع كبتها:
- من أرسلكِ إليّ يا آنسة؟ فأنا لا أعرفكِ! إن كنتِ متفرغة، فاذهبي إلى مدينة الألعاب واشغلي وقتكِ، وابتعدي من أمامي، أريد إكمال الطريق.
ضغطت على يدها بغضبٍ وقهر. إنه معقد بالفعل، إنه عكس ما رسمته في خيالها، بأنه إنسانٌ بروحٍ جميلة، لكن الآن تغيرت نظرتها عنه.
(عذرًا يا ريليان، إن روحه جميلة جدًا، هذا هو المنطق السليم والصحيح. انتظري، عندما تتعرفين إليه أكثر ستقومين بتغيير فكركِ جذريًا).
ابتعدت عنه بابتسامةٍ متهكمة وهي تُبعد خصلات شعرها إلى الخلف بثقةٍ كبيرة:
- هل تخشى الوقوع صريع حبي عندما تنظر إليّ؟
لم يلتفت إليها، بل ابتسم بتهكمٍ من عقليتها الصغيرة، مكملًا سيره نحو الطريق الذي كان يقصده.
ضربت قدميها بالأرض بغضب، لتصرخ شاتمةً إياه حتى يصل صوتها إلى مسامعه:
- مختلٌّ عقليًا.
لم يُبدِ أي ردة فعلٍ لها، لكنه في داخله كان يشعر بالضيق من نفسه لوقوفه معها وإطالة الحديث معها، ليختفي عن أنظارها سالكًا إحدى الأزقة.
ضربت الأرض بقدميها وقد شعرت بالغضب حقًا، ثم حاولت أن تهدأ. بعد فترة تحركت نحو بيتها، لتتوقف ضاربةً جبهتها بغباء.
لم تعلم اسمه! يا لذكائها الخارق.
أكملت السير نحو بيتها لتواجه أختها رلين بما حدث. في الحقيقة لم تخبرها بقصة أمبر معها، بل تهربت من الموضوع، وهي تعلم يقينًا بأن رلين تشك بأمرها، خاصة عندما يأتي أمبر إليهم، فهي تتهرب منه ولا تختلط به.
ومن بعد ذلك اليوم، تعمقت صداقة ريليان بسارة، لتخبرها بما فعل أمبر، فتنصحها الأخرى بألا تختلط به أبدًا، وعليها أن تنهي صداقته، فالعلاقات السامة مؤذية للإنسان.
انتبهت إليها وهي تضع أمامها قميصًا قطنيًا طويلًا، لتبتسم لها بهدوء:
- ما رأيكِ به يا ريليان؟ يمكنكِ ارتداؤه على هذا السروال الواسع.
زمت فمها بتفكير وهي تهز رأسها نافية، ثم نظرت إلى قميصٍ آخر بنفس اللون:
- هل يمكنني ارتداء ذلك؟
هزت سارة رأسها معارضةً بقوة، وهي تريها القميص الذي كان مفتوحًا من الخلف إلا من زرٍ واحد يمسكه:
- لا يصلح إلا للمنزل يا ريليان.
نظرت الأخرى إلى بقية الثياب لتختار فستانًا بأكمامٍ شبه طويلة:
- إذًا ما رأيكِ بهذا؟ ها هو شبه طويل يا سارة.
ابتسمت سارة بيأسٍ منها ومن عنادها الظاهري:
- وهل الفستان طويل أم قصير يا ريليان؟ ألا ترين أنه يصل إلى ركبتكِ عندما ترتدينه؟
رفعت ريليان حاجبها باستغرابٍ كبير، متسائلةً بفضول:
- ولماذا تشترينها يا سارة إن لم تخرجي بها؟!
أجابتها الأخرى وهي تعطيها القميص والسروال:
- لكي أرتديها في المنزل يا حبيبتي، والآن ارتدي هذا، لقد تأخرنا.
وقفت متنهدة لتأخذهما منها بابتسامةٍ خفيفة. لا يهم ما الذي سترتديه الآن، فهي فقط تريد الاستماع إلى الدرس الذي سيلقيه سليم، والذي استحوذ على تفكيرها بالكامل بعد آخر مقابلة حدثت بينهما.
بعد مدة وقفت أمامهم وهي ترتدي الثياب، وتضع الحجاب بشكلٍ عشوائي بعد جدالٍ كبير بينها وبين ابتهال وسارة، لينتهي الأمر بوضعه بأي صورةٍ تتقبلها هي. لقد تعبت معها ابتهال، لكن أن تضع شيئًا على رأسها حتى وإن كانت خصلاتها البنية ظاهرة، أفضل من لا شيء.
خرجتا من البيت بعدما قامت سارة بأداء صلاة العصر، لتتوجه نحو المسجد الذي سيقام فيه الدرس، فهو يبعد عن منزلهم بشارعٍ واحد فقط.
دلفت سارة إلى داخل المسجد، لتتوقف ريليان بتوجسٍ ناظرةً إلى المسجد الذي طالما كان والدها جرير يحذرها من الاقتراب منه، وأنها ستلقى غضب الرب وغضب المسيح إن قامت بذلك.
تراجعت خطوتين إلى الخلف برهبةٍ وخوف. فأن تقول شيئًا في لحظة حماس ليس كما يتجسد أمامها على أرض الواقع. هذا المشهد استدعى انتباه سارة، التي نظرت إليها باستفسارٍ، عاقدةً ما بين حاجبيها.
عادت إليها زافرةً بتريث. نعم، لقد توقعت عدم دخولها إلى المسجد، فابتسمت لها متحدثةً برقة واطمئنان:
- إن أردتِ ذلك فلن أجبركِ يا ريليان، فالأمر في النهاية يعود إليكِ. إن لم ترغبي يمكننا العودة إلى المنزل.
ثم أكملت مازحةً كي تخفف من رهبتها والخوف الظاهرين على محياها:
- وإن علم سليم أنني أجبرتكِ على المجيء، فسوف يلقي محاضرةً طويلة بألا أجبر أي شخص على فعل ما لا يريد.
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، بينما بقيت ريليان واقفةً عند المدخل، بين رغبةٍ في الدخول وخوفٍ متراكم من أفكارها القديمة، تتأمل المكان بحذر، وكأنها تخطو إلى عالمٍ جديد بالكامل.**
12 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.