صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 14 من 15

الفصل الثالث عشر

نظرت إليها سمر، ثم قالت وهي تتذكر حديث والدها:
- سوف أصبح زوجة أخيكِ، وسوف يقوم سليم بخطبتي.
نظرت إليها سارة، تريد أن تتأكد مما سمعته، ثم تحدثت بعدم تصديق:
- هل هذا صحيح؟
أومأت لها سمر بتأكيد، ثم سألتها بفضول:
- أجل، صحيح. أخبريني، كيف بقيت صديقتكِ هنا بمفردها؟ أليست لها عائلة تسأل عنها؟ ألا تعلم عمتي بذلك؟
نظرت إليها سارة، وهي على وشك صفعها، ثم تحدثت بضيق:
- سمر، أنتِ...
قاطع حديثها خروج سليم من المطبخ، ليتوجه إلى غرفته مرةً أخرى.
««:::::::::::-::::::::::»»
كانت ريم تجلس في شرفة المنزل، وبيدها كوب القهوة الخاص بها، والتي تعشقها جدًا. كانت تفكر في حديث إبراهيم في المرة الماضية، وما زالت مبرراته الواهية تتكرر في رأسها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته على مهل، وهي تستمع إلى صوت القرآن الذي فتحته منذ ساعة.
التفتت إلى جانبها عندما شعرت بوجود سما، فابتسمت لها بهدوء:
- تعالي، اجلسي.
جلست سما بجانبها، ناظرةً إلى الأمام، ثم تحدثت بتنهيدة وهي تحتضن كوب القهوة الذي سكبته لنفسها:
- إن كنتِ تظنين أنكِ ظُلِمتِ يا ريم، فأنا أيضًا ظُلِمت معه. لا تنسي أنه أوهمني بأنه رجل أعزب وغير متزوج. لقد رأيتِ صدمتي عندما أتيت إلى هنا، ورأيت أمامي امرأةً وطفلين، ليتبين بعد ذلك أنهم زوجته وأطفاله.
ابتسمت ريم بألم، متذكرةً ذلك اليوم المشؤوم، ثم نظرت إلى الأمام، وتحديدًا إلى ذلك العجوز الذي كان يوبخ ابنه لسببٍ لا تعلمه، فتذكرت والدها الراحل الذي اشتاقت إليه.
لو أنه كان على قيد الحياة، لما ترددت لحظةً واحدة في إخباره بكل شيء.
تحدثت بكسل:
- لم يعد الأمر يفرق معي حقًا. لقد تلاشى الشغف الذي كان موجودًا سابقًا، ولم يبقَ مني ذلك الشخص الذي كنت عليه، ولن أحاول إثبات حبي له.
نظرت سما إليها بمنطقية:
- لكن معكِ أطفالكِ يا ريم، أما أنا فلم أرزق بهم حتى الآن، ويبدو أنني لن أرزق بهم أيضًا.
نظرت إليها ريم بابتسامةٍ هادئة:
- ادعي الله بذلك، وسيعطيكِ يا سما.
تنهدت سما بأمل. كانت تخشى خسارة إبراهيم بسبب هذا الأمر، فلا بد أنه سيمل منها يومًا، كما ملّ من ريم.
أمسكت بعمر من ذراعه عندما مر بجانبها، ثم قالت بابتسامة:
- صباح الخير.
نظر إليها، ثم قبل وجنتها بخفة:
- صباح النور، سما.
ابتسمت سما، ثم قبلت شعره الأشقر:
- أفدي صباحي بك يا رجل.
ابتسم لها، ثم انتقل إلى ريم، ينهال عليها بالقبل المتلاحقة، فضحكت ريم من أعماق قلبها بسعادة عندما استمعت إليه يقول:
- إن لم تقبليني، فسأحب سما أكثر منكِ.
قبلته من وجنتيه بقلب أمٍّ محبة، فهو دائمًا يقولها ليغيظها، لكنها لا تتأثر بهذه الجملة.
ابتعد عليّ عنها متسائلًا:
- هل كان عليَّ قول هذا؟
قرصت سما وجنتيه بمداعبة:
- لا، لا أريدك أن تحبني، سوف يصبح لديّ ابن، وهو من سيحبني.
أخذ عليّ قطعة الشوكولاتة الخاصة بها، وقال:
- حسنًا، حسنًا، لكن دعيني أتناول هذه، لقد استيقظت لتوي يا سما.
انتزعتها منه بمشاكسةٍ طفولية:
- إنها خاصتي.
أخرج عليّ لسانه لها بعدما أخذها منها:
- إنها من مال والدي، إذًا ليست لكِ.
كادت أن تستعيدها منه، ليستمعوا إلى صوت إبراهيم، الذي تقدم نحوهم بملامح جامدة:
- أين الإفطار؟
نظرت ريم إلى الساعة المعلقة على الحائط، فوجدتها تشير إلى التاسعة وثلاثٍ وخمسين دقيقة، فتنهدت، واعتدلت في جلستها، ثم توجهت نحو المطبخ.
التفتت قبل أن تدخل، تريد أن تسأله ماذا يريد، لكنها وجدته يطبع قبلةً على وجنة سما، فابتسمت بحزن، ثم دلفت إلى الداخل وغصةٌ كبيرة تخنقها.
نظرت سما إليه بعدما جلس ملتصقًا بها، ثم خاطبته بترجٍّ:
- إبراهيم، أريد أن أسافر أنا وأنت.
نظر إليها قليلًا، ثم حول نظره إلى عليّ المنشغل بتناول الشوكولاتة:
- وإلى أين تريدين أن تذهبي؟
وضعت إصبعها على فمها مفكرة، ثم أجابته:
- لا أعلم، لكن أريد أن نذهب إلى أي مدينة، أنا وأنت، لبضعة أيام. إنني مكتئبة حقًا.
أمسك يديها، وسألها باهتمام:
- لماذا، حبيبتي؟ ما الذي يجعلكِ هكذا؟
نظرت إليه، وهي على وشك البكاء، تريد أن تنفرد به:
- لا أعلم ما بي، لكنني أشعر بالاكتئاب.
قبل رأسها، ثم ابتسم قائلًا:
- لا تقلقي، سوف أنظر في سجل الرحلات الحالية، وأحجز في أقرب رحلة مناسبة.
عانقته بحب، وأسندت رأسها إلى كتفه، ثم تذكرت أن ريم تصنع الطعام بمفردها، فابتعدت عنه، وقبل أن تقبل وجنته، دلفت إلى المطبخ لتساعد ريم، التي كانت قد مسحت دموعها قبل قليل.
نظر إبراهيم إلى عليّ، ثم خاطبه مستفسرًا:
- لماذا لم تذهب إلى دوامك اليوم؟
جلس عليّ بجانبه، ونظر إليه بحزن. صحيح أنه ما زال صغيرًا، ولم يتجاوز الخامسة من عمره، لكنه كان يشعر بقلة اهتمام والده بهم، فتحدث بابتسامةٍ صغيرة:
- لقد كنت متعبًا بالأمس، لكن عمر ذهب إلى المدرسة.
حرك إبراهيم رأسه متفهمًا:
- فهمت، وكيف أنت الآن؟
أمسك عليّ هاتف والدته، الذي كانت قد تركته، وحاول فتحه:
- بخير، لقد اعتنت أمي بي جيدًا.
أخذ إبراهيم الهاتف من يده، محاولًا فك قفله. لقد مضى شهرٌ منذ آخر مرة فتش فيها هاتفها، فتذكر ذلك واستدعاها:
- ريم، تعالي إلى هنا.
خرجت من الداخل بابتسامةٍ مصطنعة، محاولةً إخفاء حزنها:
- تفضل.
أعطاها الهاتف، ونظر إليها منتظرًا أن تفتحه، ففتحته باستهزاء، ثم أعادته إليه. إنه لا يثق بها، ويظن أنها ستخونه كما خانه هو، وما زال يفعل.
بدأ يبحث في هاتفها، فلم يجد أي مواقع للتواصل الاجتماعي، فقد أراحت رأسها، ولم تفتح أي حساب حتى لا يجد عليها ثغرةً يتمسك بها.
نظر إليها، ثم وضع الهاتف أمامها بعصبية:
- ما هذا؟
نظرت إلى الهاتف، وزفرت بملل. ها هو يبدأ من جديد، محاولًا إخراجها مخطئة.
لكنها ما إن نظرت إلى محتواه حتى فتحت عينيها بصدمة، ثم نقلت بصرها إلى إبراهيم بخوف، وهي تبتلع ريقها...
««::::::::::::-:::::::::::::»»
دلفت ريليان إلى المنزل بعدما فتحت لها الخادمة الباب، فسألتها بهمسٍ وخوف:
- هل والدي عاد من الكنيسة؟
نفت ليسا برأسها، مجيبةً باحترام:
- لا، لم يأتِ بعد، آنسة ريليان.
زفرت براحةٍ تامة لعدم وجوده، ثم تسللت على أطراف أصابعها صاعدةً إلى الطابق العلوي.
دلفت إلى غرفتها، ونظرت إلى رلين غير الموجودة، لتشعر بوجود أحدٍ خلفها. كادت تلتفت، لكنها أغمضت عينيها بقوةٍ مصدومة، وضغطت على أسنانها بغضب عندما استمعت إلى ضحكاتٍ صادرة من عدة أشخاص، وحاولت نزع الشيء الذي وُضع على وجهها باشمئزاز.
خرج صوت رلين، وهي تحاول التوقف عن الضحك من منظر وجه ريليان الملطخ بالحلوى:
- تبدين كقالب حلوى تمامًا.
شاركتها مايا الضحك بصوتٍ عالٍ:
- كانت فكرة رائعة! انظري إلى نفسكِ يا ريليان.
زفرت ريليان بغضبٍ مصطنع:
- كيف تفعلون هذا؟ إنني لا أرى شيئًا. ثم إن الحلوى بأي نكهة صُنعت؟ أظنها بالكراميل، أليس كذلك؟
توجهت إليها أليتا، تزيل الكريمة عن وجهها:
- أنا لم أتفق معهم يا ريليان. لقد أخبرت مايا أنكِ ستغضبين، لكنها قالت إننا سنضحك لأننا اشتقنا إليكِ.
حاولت ريليان إزالة ما على وجهها من الكريمة وقطع الحلوى، ثم ابتسمت لها بعدما استطاعت النظر إليها بتشويش:
- هل تعلمين أنني أحبكِ يا أليتا؟ لستِ مثل مايا أو رلين الشريرتين.
نظرت إليهما بضيقٍ مصطنع، وهي تحاول أن تتمكن من الرؤية بوضوح:
- إنني أخاصمكما، لا تتحدثا معي.
أسرعت الاثنتان للاعتذار، بعدما شاهدتا ملامح وجهها الغاضبة، معتقدتين أنها غاضبة فعلًا.
أمسكت ريليان بالعلبة التي أعطتها إياها أليتا، ثم أفرغت محتواها في وجهيهما.
وبعد أن استوعبتا ما حدث، انفجر الجميع ضاحكين، وقد امتلأت وجوههم بالكريمة، ليستمعوا إلى طرقاتٍ على الباب، أعقبها دخول شخصٍ ما.
نظرت ريليان بخوف إلى والدها، الذي تحدث بغضبٍ شديد:
- ما هذا التصرف؟ هل أنتم أطفال؟
اصطف الجميع، وقد خفضوا رؤوسهم باعتذار، فنظر إلى ريليان بضيق:
- اذهبوا وأزيلوا هذا الشيء، وأنتِ يا ريليان، تعالي إلى المكتب.
بعد نحو نصف ساعة، طرقت ريليان باب المكتب، فسمح لها والدها بالدخول.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته تشجع نفسها على الدخول.
نظرت إليه، فوجدت أمبر يجلس بجانب والدها، فأغمضت عينيها بخوفٍ من أن يكون قد أخبره، وبغضبٍ من وجوده في الوقت نفسه.
««::::::::::-:::::::::»»
دلف سليم إلى غرفته، وتنهد بقوةٍ مما حدث قبل قليل.
جلس على مقعد مكتبه، واضعًا رأسه بين كفيه بتفكير.
كيف وافق هكذا، وأعطى خاله كلمةً لا يستطيع ردها، بينما قلبه لا يريد ذلك؟
صحيح أن سمر فتاة جيدة، لكنها ليست الفتاة التي يتمناها شريكةً لدربه ورفيقةً له إلى الجنان.
لم تكن المواصفات التي يبحث عنها خَلقية، بل خُلقية.
أغمض عينيه بقوة، لينتبه إلى طرقات الباب، فأذن للطارق بالدخول بعدما عرف بنفسه.
نظرت سارة إليه باستكشاف:
- هل صحيح ما سمعته؟
ابتسم لها، وهو يشير إليها أن تقترب، فتقدمت وجلست بجانبه، ليتحدث بهدوء:
- وما الذي سمعته يا فتاة؟
زفرت بقوة، وهي ترجع شعرها إلى الخلف بعدما بدلت ثيابها:
- أنك ستتقدم لطلب يد سمر، ابنة خالي هاشم.
ابتسم بتأكيد، ثم أجابها بهدوء:
- أجل، لكن إذا لم تجد أمي العروس التي أبحث عنها.
ضربته على قدمه بخفة:
- لا تمزح يا سليم، أعلم أنك تعتبر سمر مثلي، فلماذا وافقت؟
نظر إليها ضاحكًا بقوة:
- لكنها في الحقيقة ليست أختي يا سارة. لا توجعي رأسكِ بهذه الأمور، وعندما يأتي ذلك اليوم نستطيع أن نتحدث.
وقفت من جانبه بضيق، ثم تحدثت وهي تمسك هاتفها بيدها:
- ولو لمرة واحدة، أريدك أن تُخرج ما في قلبك، وأن ترفض أي طلب يُعرض عليك إذا لم تكن مقتنعًا به. ليس من الصحيح أن تفعل ذلك، فأنا أرى الندم بين عينيك.
ضحك سليم بقوة، وقد ظهرت أسنانه البيضاء:
- لقد أضحكتِني يا ابنتي، جزاكِ الله خيرًا. حسنًا، سأُخرج ما في قلبي... أنتِ أجمل أخت، وألطف أخت، و...
قاطعته بابتسامةٍ سعيدة:
- حسنًا، حسنًا، لا تكمل، فأنا أخجل يا رجل.
تنهد مبتسمًا، ثم وقف وقبّل رأسها:
- أدامكِ الله في حياتي، وأطال بعمركِ، صغيرتي.
احتضنته بحب، ثم ابتعدت عنه عندما ارتفع رنين هاتفها.
نظرت إلى الشاشة باستغراب، ثم أجابت:
- السلام عليكم... ريليان؟
جاءها صوت ريليان باكيًا:
- سارة... أريد...
««:::::::::::::-::::::::::»»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.