وضع القراءة:

الْفَصْلُ الرّابِعُ: الْخاتَمُ الَّذي لَمْ يَصِلْ إِلى إِصْبَعي

مَرَّتِ الأَيّامُ، وَبَدَأْتُ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَعِيشُ مِنْ جَديدٍ بَعْدَ رَحيلِ أَبي. لَمْ يَكُنِ الأَلَمُ يَخْتَفي، لَكِنَّ وُجودَ إيثانَ بِجانِبي جَعَلَني أَشْعُرُ أَنَّني لَسْتُ وَحْدي. كانَ يَزورُني وَأَنا أَسْتَعِدُّ لِامْتِحاناتِ الثّانَوِيَّةِ، وَيُساعِدُني في الدِّراسَةِ، وَيُحاوِلُ إِضْحاكي كُلَّما رَأى الحُزْنَ يَسْرِقُ ابْتِسامَتي. وَمَعَ مُرورِ الوَقْتِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ قَلْبي بَدَأَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَكْثَرَ مِمّا تَخَيَّلْتُ.
وَأَخِيرًا، انْتَهَتِ الامْتِحاناتُ، وَاقْتَرَبَ يَوْمُ تَخَرُّجي. كُنْتُ أَتَمَنّى لَوْ أَنَّ أَبي مَعي لِيَراني وَأَنا أَخْطو أُولى خُطُواتي نَحْوَ مُسْتَقْبَلي، لَكِنَّ مَكانَهُ بَقِيَ فارِغًا، وَذِكْراهُ تَسْكُنُ كُلَّ زاويَةٍ في قَلْبي. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ إيثانَ كانَ يُخَطِّطُ لِمُفاجَأَةٍ لِي؛ فَقَدِ اشْتَرى خاتَمًا بَسيطًا، وَعَزَمَ عَلى أَنْ يَطْلُبَ يَدي بَعْدَ حَفْلِ التَّخَرُّجِ. لَكِنَّ ليو، الَّذي انْضَمَّ إِلى العِصابَةِ في السّابِقِ، كانَ يَغْلي مِنَ الغَضَبِ بَعْدَ مَقْتَلِ أَخيهِ عَلى يَدِ العِصابَةِ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُواجِهَ الحَقيقَةَ، أَلْقى لَوْمَهُ عَلى إيثانَ، وَقَرَّرَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ.
وَفي يَوْمِ التَّخَرُّجِ، وَقَفْتُ بَيْنَ زَميلاتي أَحْمِلُ شَهادَتي وَأُحاوِلُ أَنْ أَبْتَسِمَ. كانَ إيثانُ يَقِفُ بَعيدًا قَليلًا، وَعِنْدَما تَلاقَتْ أَعْيُنُنا، ابْتَسَمَ لي ابْتِسامَتَهُ الَّتي اعْتَدْتُها. اقْتَرَبَ مِنّي وَقالَ بِهُدوءٍ: «لَوْ كانَ أَبوكِ هُنا، لَكانَ فَخورًا بِكِ يا ميا». امْتَلَأَتْ عَيْنايَ بِالدُّموعِ، وَهَمَمْتُ بِالإِجابَةِ، لَكِنَّ صَوْتًا مُرْتَفِعًا قَطَعَ اللَّحْظَةَ. «إيثان!»
الْتَفَتْنا مَعًا، فَرَأَيْنا ليوَ يَقِفُ عَلى بُعْدِ خُطُواتٍ مِنّا. كانَتْ نَظَراتُهُ مُخيفَةً، وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ أَحَدٌ، سَمِعْتُ صَوْتَ طَلْقَةٍ شَقَّ الهَواءَ. تَراجَعَ إيثانُ، ثُمَّ سَقَطَ أَمامي. «إيثان!» ارْتَمَيْتُ عَلى رُكْبَتَيَّ بِجانِبِهِ، وَضَغَطْتُ بِيَدَيَّ عَلى جُرْحِهِ، وَالدُّموعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيَّ. «أَرْجوكَ، لا تُغْمِضْ عَيْنَيْكَ! أَرْجوكَ، ابْقَ مَعي!» حاوَلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكانَ نَفَسُهُ ضَعيفًا. أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ عُلْبَةً صَغيرَةً، وَفَتَحَها بِصُعوبَةٍ. كانَ داخِلَها خاتَمٌ.
وَضَعَ الخاتَمَ في كَفّي، فَانْكَسَرَ شَيْءٌ في داخِلي. «لا تَفْعَلْ هذا بِي يا إيثان! أَنا أُحِبُّكَ، أَتَسْمَعُني؟ أُحِبُّكَ!» حاوَلَ أَنْ يَبْتَسِمَ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ بَدَأَتا تَنْغَلِقانِ. وَفي الخَلْفِيَّةِ، لَمَحْتُ ليوَ يَهْرُبُ بَيْنَ الحُشودِ، ثُمَّ اخْتَفى. بَعْدَ لَحَظاتٍ، وَصَلَ المُسْعِفونَ وَحَمَلوا إيثانَ إِلى سَيّارَةِ الإِسْعافِ. تَعَلَّقْتُ بِيَدِهِ حَتّى أَبْعَدوني عَنْهُ، وَقَبَضْتُ عَلى الخاتَمِ في كَفّي كَأَنَّني أَتَمَسَّكُ بِآخِرِ شَيْءٍ يَرْبِطُني بِهِ. رَكِبْتُ مَعَهُمْ وَقَلْبي يَصْرُخُ بِالدُّعاءِ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِنْ كانَ إيثانُ سَيَنْجو، أَمْ أَنَّ ذلِكَ اليَوْمَ سَيَكونُ آخِرَ ذِكْرى لي مَعَهُ. يُتْبَعُ في الْجُزْءِ الثّاني...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.