وضع القراءة:

الْفَصْلُ الثّاني: لَيْلَةٌ سَرَقَتْ مِنّي كُلَّ شَيْءٍ

لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَأْخُذونَني. كُنْتُ جالِسَةً في الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ مِنَ السَّيّارَةِ السَّوْداءِ، وَيَدايَ مُكَبَّلَتَيْنِ بِالأَصْفادِ، وَالْكيسُ الأَبْيَضُ الَّذي اشْتَرَيْتُ بِهِ الْخُضْراواتِ وَالْخُبْزَ مُلْقىً عِنْدَ قَدَمَيَّ. كانَتْ رائِحَةُ الْخُبْزِ الطّازَجِ تَمْلَأُ الْمَكانَ، وَكانَ ذلِكَ أَكْثَرَ ما يُؤْلِمُني؛ فَقَبْلَ دَقائِقَ قَليلَةٍ، كُنْتُ أُفَكِّرُ في الْغَداءِ الَّذي سَأُعِدُّهُ لِأَبي، وَالآنَ لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَراهُ مَرَّةً أُخْرى. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ هذِهِ الْفِكْرَةَ سَتُلاحِقُني بَعْدَ دَقائِقَ قَليلَةٍ، وَأَنَّنِي سَأَتَمَنّى لَوْ أَنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَنْ أَحْتَضِنَ أَبي لِمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ، وَأَقُولَ لَهُ كُلَّ الْكَلِماتِ الَّتي لَمْ أَقُلْها. كانَتِ السَّيّارَةُ السَّوْداءُ تَنْطَلِقُ بِسُرْعَةٍ، وَأَنا في الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، وَيَدايَ مُكَبَّلَتانِ أَمامي. كُنْتُ أُحاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسي بِأَنَّ ما يَحْدُثُ مُجَرَّدُ سُوءِ فَهْمٍ، وَأَنَّني سَأَعُودُ إِلى الْبَيْتِ قَريبًا، وَسَيَضْحَكُ أَبي وَهُوَ يَسْأَلُني كَيْفَ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُحَوِّلَ رِحْلَةً قَصيرَةً إِلى السُّوقِ إِلى كُلِّ هذِهِ الْفَوْضى. لَكِنَّ صَوْتًا مُرْتَفِعًا مِنَ الْمَقْعَدِ الأَماميِّ قَطَعَ أَفْكاري. «هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْحَقوا بِنا؟» أَجابَ السّائِقُ بِتَوَتُّرٍ: «لَوْ كانَ أَحَدٌ يَلْحَقُ بِنا، لَرَأَيْناهُ.» وَقَبْلَ أَنْ يَنْتَهيَ مِنْ كَلامِهِ، ظَهَرَتْ سَيّارَةٌ مِنْ أَحَدِ الشَّوارِعِ الْجانِبِيَّةِ، وَانْحَرَفَتْ بِسُرْعَةٍ حَتّى اعْتَرَضَتْ طَريقَنا.
ضَغَطَ السّائِقُ عَلى الْمِكْبَحِ بِقُوَّةٍ، فَانْدَفَعَ جَسَدي إِلى الأَمامِ، وَارْتَطَمَ كَتِفي بِالْمَقْعَدِ. «ما هذَا؟!» صَرَخَ الرَّجُلُ الْجالِسُ بِجانِبي. لَمْ أَحْصُلْ عَلى إِجابَةٍ. انْفَتَحَتْ أَبْوابُ السَّيّارَةِ الَّتي اعْتَرَضَتْنا، وَنَزَلَ مِنْها رِجالٌ مُلَثَّمونَ، يَحْمِلُ بَعْضُهُمْ أَسْلِحَةً. وَفي اللَّحْظَةِ نَفْسِها، انْطَلَقَتْ صَيْحَةٌ مِنْ خَلْفِنا: «اِحْتَموا!»
ثُمَّ انْفَجَرَ الشّارِعُ بِأَصْواتِ إِطْلاقِ النّارِ. تَجَمَّدْتُ في مَكاني. لَمْ أَكُنْ قَدْ سَمِعْتُ طَلَقاتٍ حَقيقيَّةً مِنْ قَبْلُ. كانَ صَوْتُها أَعْنَفَ مِمّا تَصَوَّرْتُ، كُلَّ طَلْقَةٍ تَضْرِبُ الْهَواءَ وَتَشُقُّهُ إِلى نِصْفَيْنِ. فَتَحَ الرَّجُلُ الْجالِسُ بِجانِبي البابَ وَانْدَفَعَ إِلى الْخارِجِ، وَبَعْدَهُ السّائِقُ. وَفَجْأَةً، ارْتَطَمَ شَيْءٌ بِنافِذَةِ السَّيّارَةِ، فَتَشَقَّقَ الزُّجاجُ أَمامي. صَرَخْتُ، وَانْحَنَيْتُ وَأَنا أَضُمُّ رَأْسي إِلى رُكْبَتَيَّ. لَمْ أَعُدْ أَفْهَمُ شَيْئًا.
ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتًا أَعْرِفُهُ. «ميا!» رَفَعْتُ رَأْسي بِسُرْعَةٍ. كانَ أَبي.
كانَ يَرْكُضُ نَحْوَ السَّيّارَةِ، وَوَجْهُهُ شاحِبٌ، وَعَيْناهُ تَبْحَثانِ عَنّي بَيْنَ الزُّجاجِ الْمُتَناثِرِ وَالدُّخانِ. «أَبي!» صَرَخْتُ بِأَعْلى صَوْتي. «أَنا هُنا!» رَأَيْتُهُ يَتَجِهُ نَحْوي، وَيَمُدُّ يَدَهُ كَأَنَّهُ سَيَفْتَحُ الْبابَ وَيُخْرِجُني مِنْ ذلِكَ الْكَابوسِ. لَكِنَّ رَجُلًا ظَهَرَ مِنْ خَلْفِ السَّيّارَةِ، وَرَفَعَ سِلاحَهُ.
حَدَثَ كُلُّ شَيْءٍ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ. سَمِعْتُ طَلْقَةً. وَرَأَيْتُ أَبي يَتَوَقَّفُ. نَظَرَ إِلَيَّ كَأَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَقولَ شَيْئًا، ثُمَّ تَراجَعَ خُطْوَةً، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، وَسَقَطَ عَلى الْأَرْضِ.
«أَبي؟» لَمْ يَكُنْ هُناكَ جَوابٌ. «أَبي!»
ضَرَبْتُ الزُّجاجَ بِقَبْضَتَيَّ، وَتَجاهَلْتُ الأَلَمَ الَّذي سَرَى في يَدَيَّ. كانَ أَبي مُلْقىً عَلى الْإِسْفَلْتِ، وَقَميصُهُ يَتَلَوَّنُ بِالدَّمِ، وَعَيْناهُ مُوَجَّهَتانِ نَحْوَ السَّماءِ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْرِفَ نَظَري عَنْهُ.
كانَ هُوَ الرَّجُلَ الَّذي يُمْسِكُ بِيَدي عِنْدَ عُبورِ الشّارِعِ، وَالَّذي يَضَعُ أَفْضَلَ قِطْعَةِ خُبْزٍ في طَبَقي، وَالَّذي كانَ يَقُولُ لي كُلَّما خِفْتُ مِنْ شَيْءٍ إِنَّني أَقْوى مِمّا أَظُنُّ. وَالآنَ، كانَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ أَلْمَسَهُ. «لاااااا!»
خَرَجَ صَوْتي مُمَزَّقًا، وَشَعَرْتُ كَأَنَّ شَيْئًا في داخِلي قَدِ انْكَسَرَ إِلى الأَبَدِ. حاوَلْتُ فَتْحَ الْبابِ، وَرَكَلْتُهُ بِقَدَمَيَّ، وَصِحْتُ بِالرِّجالِ أَنْ يَتَوَقَّفوا. لَمْ أَعُدْ أُريدُ أَنْ أَهْرُبَ، وَلَمْ أَعُدْ أُريدُ أَنْ أَنْقِذَ نَفْسي. كُلُّ ما أَرَدْتُهُ أَنْ أَصِلَ إِلى أَبي، وَأَنْ أَضَعَ رَأْسي عَلى صَدْرِهِ، وَأَتَأَكَّدَ أَنَّهُ ما زالَ يَتَنَفَّسُ. لَكِنَّ يَدًا قَوِيَّةً أَمْسَكَتْ بِذِراعي مِنَ الْخارِجِ.
«اِخْرُجي! هَيّا!» سَحَبَني رَجُلٌ مِنَ السَّيّارَةِ، وَكِدْتُ أَسْقُطُ عَلى الأَرْضِ. حاوَلْتُ مُقاوَمَتَهُ، فَدَفَعَني نَحْوَ الْجِدارِ. «اتْرُكْني! أَبي هُناكَ! أَبي يَحْتاجُ إِلَيَّ!» لَمْ يَسْتَجِبْ. وَعِنْدَما حاوَلَ أَنْ يَسْحَبَني مَرَّةً أُخْرى، انْطَلَقَتْ طَلْقَةٌ قَريبَةٌ مِنْهُ، فَارْتَدَّ إِلى
الْخَلْفِ، وَتَرَكَ ذِراعي. لَمْ أَفْهَمْ ما حَدَثَ، لَكِنَّني اسْتَغْلَلْتُ اللَّحْظَةَ وَرَكَضْتُ نَحْوَ أَبي. لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ. فَقَدْ ظَهَرَ شَخْصٌ مِنْ بَيْنِ الدُّخانِ، وَأَمْسَكَ بِي مِنْ خَلْفِي، وَحَمَلَني قُوَّةً عَنْ الأَرْضِ. رَكَلْتُهُ، وَضَرَبْتُهُ، وَصَرَخْتُ حَتّى بَحَّ صَوْتي. «أَبي! أَبي، أَنا هُنا!»
كانَتْ عَيْنايَ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلى جَسَدِهِ، حَتّى حَجَبَتْهُ عَنّي أَحَدُ السَّيّاراتِ الْمُنْطَلِقَةِ. وَبَعْدَها، لَمْ أَعُدْ أَرى شَيْئًا. لَمْ أَعْرِفْ كَمْ مِنَ الْوَقْتِ مَرَّ قَبْلَ أَنْ أَجِدَ نَفْسي في مَقْعَدٍ خَلْفِيٍّ لِسَيّارَةٍ مُتَحَرِّكَةٍ. كانَتْ يَدايَ ما زالَتا مُكَبَّلَتَيْنِ، وَكانَتْ ثِيابي مُتَّسِخَةً بِالْغُبارِ، وَرُكْبَتايَ تَرْتَجِفانِ بِلا تَوَقُّفٍ. لَمْ أَبْكِ في الْبِدايَةِ.
كُنْتُ قَدْ بَكَيْتُ بِقَدْرٍ جَعَلَ صَدْري يُؤْلِمُني، وَحَلْقي يَحْتَرِقُ، وَرَأْسي يَكادُ يَنْفَجِرُ. أَمّا الآنَ، فَكانَ هُناكَ فَراغٌ هائِلٌ في داخِلي، كَأَنَّ أَحَدَهُمْ أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ تَعَلَّقْتُ بِهِ، وَتَرَكَني أَتَنَفَّسُ فَقَطْ. كانَ ليو في الْمَقْعَدِ الأَماميِّ، وَإِيثانُ بِجانِبي. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ وَصَلا إِلَيَّ، وَلا
مَنْ أَنْقَذَهُما مِنَ الاشْتِباكِ. كانَتْ عَلى جَبِينِ إِيثانَ جُرْحٌ يَنْزِفُ، وَيَدُهُ تَضْغَطُ عَلى جانِبِهِ. كانَ يَتَنَفَّسُ بِصُعوبَةٍ، وَيُحاوِلُ أَنْ يُبْقيَ عَيْنَيْهِ مَفْتوحَتَيْنِ. «إِيثان؟» هَمَسْتُ. الْتَفَتَ إِلَيَّ بِبُطْءٍ. «أَنْتِ بِخَيْرٍ؟» نَظَرْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ ضَحِكْتُ ضَحْكَةً قَصيرَةً مَكْسورَةً، وَانْهَمَرَتْ دُموعي. «أَبي ماتَ.»
لَمْ يَقُلْ إِنَّني مُخْطِئَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ. لَمْ يُقَدِّمْ لي تَعْزِيَةً فارِغَةً، وَلَمْ يَطْلُبْ مِنّي أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ الْبُكاءِ. اكْتَفى بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ بِحُزْنٍ عَميقٍ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ الْمُصابَةَ وَوَضَعَها عَلى كَتِفي. «أَنا آسِفٌ يا ميا.» وَفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّني لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ بَيْتًا أَعُودُ إِلَيْهِ، وَلا أَبًا يَنْتَظِرُني، وَلا حَياةً أَعْرِفُ كَيْفَ أُكْمِلُها.
بَعْدَ ساعَةٍ تَقْريبًا، بَدَأَتِ السَّيّارَةُ تُبْطِئُ. كانَتِ الطَّريقُ تَضيقُ كُلَّما تَقَدَّمْنا، وَالأَشْجارُ الْكَثيفَةُ تَحْجُبُ ضَوْءَ الْقَمَرِ. لَمْ أَعْرِفِ الْمِنْطَقَةَ، وَلَمْ أَرَ مَنْزِلًا واحِدًا مُنْذُ مُدَّةٍ طَويلَةٍ. قالَ ليو وَهُوَ يَنْظُرُ إِلى الطَّريقِ:
«سَيَنْفَدُ الْوَقودُ قَريبًا.» أَجابَهُ إِيثانُ وَهُوَ يَضْغَطُ عَلى جُرْحِهِ: «كُنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْوَقودَ قَليلٌ، وَمَعَ ذلِكَ أَخَذْتَنا مِنْ هُناكَ؟» «لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا خِيارٌ آخَرُ! أَتُريدُ أَنْ نَبْقى وَسَطَ إِطْلاقِ النّارِ؟» صَمَتَ إِيثانُ، وَأَدارَ وَجْهَهُ نَحْوَ النّافِذَةِ.
لَمْ أَكُنْ أَسْتَطيعُ التَّفْكيرَ في خِلافِهِما. كانَتْ صُورَةُ أَبي تَعودُ إِلَيَّ كُلَّما أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَكُنْتُ أَرى لَحْظَةَ سُقوطِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَأَنَّ عَقْلي يُعاقِبُني بِإِعادَتِها. وَفَجْأَةً، تَوَقَّفَتِ السَّيّارَةُ. ضَرَبَ ليو بِكَفِّهِ عَلى عَجَلَةِ الْقِيادَةِ. «رائِعٌ! هذَا ما كانَ يَنْقُصُنا!»
حاوَلَ إِدارَةَ الْمُحَرِّكِ مَرَّةً أُخْرى، لَكِنَّ السَّيّارَةَ لَمْ تَسْتَجِبْ. نَزَلَ إِيثانُ وَفَحَصَ الْمُحَرِّكَ، ثُمَّ عادَ وَهُوَ يَتَنَفَّسُ بِصُعوبَةٍ. «لَقَدْ نَفِدَ الْوَقودُ.»
نَظَرَ ليو إِلى الطَّريقِ الْمُظْلِمَةِ، ثُمَّ إِلى الْغابَةِ الْمُحيطَةِ بِنا. «هُناكَ بَيْتٌ قَريبٌ. رَأَيْتُهُ مَرَّةً عِنْدَما كُنْتُ أَعْمَلُ في هذِهِ الْمِنْطَقَةِ. يُمْكِنُنا أَنْ نَطْلُبَ الْمُساعَدَةَ مِنْ أَصْحابِهِ.»
«هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ مِنْ أَنَّهُ قَريبٌ؟» سَأَلَهُ إِيثانُ.
«لَيْسَ بَعيدًا جِدًّا.» لَمْ يَبْدُ إِيثانُ مُقْتَنِعًا تَمامًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى قِيادَةِ السَّيّارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْنا وَقْتٌ لِنَبْحَثَ عَنْ خِيارٍ أَفْضَلَ.
فَتَحَ ليو بابَ السَّيّارَةِ، وَقالَ: «هَيّا. لا يُمْكِنُنا الْبَقاءُ هُنا.» نَزَلْتُ بِبُطْءٍ، وَشَعَرْتُ بِالْبَرْدِ يَتَسَلَّلُ إِلى عِظامي. كانَتْ ثِيابي خَفيفَةً، وَجَسَدي مُتْعَبًا، وَرَأْسي ثَقيلًا مِنَ الْبُكاءِ وَالْخَوْفِ.
لَاحَظَ إِيثانُ أَنَّني أَرْتَجِفُ، فَخَلَعَ سُتْرَتَهُ وَوَضَعَها عَلى كَتِفَيَّ. «اِرْتَديها. لَنْ نَتَأَخَّرَ طَويلًا.» نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَلَمْ أَجِدْ كَلِماتٍ أَقولُها.
اِكْتَفَيْتُ بِأَنْ أَشْدَّ السُّتْرَةَ حَوْلَ جَسَدي، وَمَشَيْتُ خَلْفَهُما في الطَّريقِ الْمُعْتِمَةِ. كانَ هُناكَ بَيْتٌ صَغيرٌ قَديمٌ، تَحْتَضِنُهُ أَشْجارُ الصَّنَوْبَرِ مِنْ ثَلاثِ جِهاتٍ. كانَ لَهُ سَقْفٌ مائِلٌ، وَنافِذَتانِ تُشِعّانِ بِلَوْنٍ أَصْفَرَ دافِئٍ، وَدُخانٌ يَخْرُجُ مِنْ مِدْخَنَتِهِ.
لأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بِدايَةِ اللَّيْلَةِ، شَعَرْتُ بِأَنَّ هُناكَ شَيْئًا يُشْبِهُ الأَمانَ. تَقَدَّمَ إِيثانُ وَطَرَقَ الْبابَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. بَعْدَ لَحَظاتٍ، فُتِحَ الْبابُ، وَظَهَرَتِ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ، لَها شَعْرٌ أَبْيَضُ مُجَعَّدٌ وَعَيْنانِ دافِئَتانِ.
نَظَرَتْ إِلَيْنا بِاسْتِغْرابٍ، ثُمَّ وَقَعَ بَصَرُها عَلى جُرْحِ إِيثانَ وَوَجْهي الشّاحِبِ.
«يا إِلهي! ماذا حَدَثَ لَكُمْ؟» قالَ إِيثانُ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ: «نَحْتاجُ إِلى مُساعَدَةٍ. هَلْ يُمْكِنُنا الدُّخولُ؟» لَمْ تَطْلُبِ الْمَرْأَةُ مِنّا تَفْسيرًا، وَلَمْ تَسْأَلْ عَنْ أَسْمائِنا.
اِبْتَعَدَتْ عَنِ الْبابِ وَقالَتْ: «ادْخُلوا بِسُرْعَةٍ. الْبَرْدُ في الْخارِجِ لا يَرْحَمُ أَحَدًا.» كانَ اسْمُها إِلّينَ، كَما عَرَفْنا بَعْدَ ذلِكَ. أَدْخَلَتْنا إِلى غُرْفَةٍ دافِئَةٍ، وَأَجْلَسَتْ إِيثانَ
قُرْبَ الْمَوْقِدِ، ثُمَّ أَحْضَرَتْ لَهُ قُماشًا نَظيفًا وَماءً لِتَنْظيفِ جُرْحِهِ. «أَنا لَسْتُ طَبيبَةً،» قالَتْ وَهِيَ تَتَفَحَّصُ الْجُرْحَ، «لَكِنَّني أَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْتاجُ إِلى عِنايَةٍ حَقيقيَّةٍ.»
«سَأَكُونُ بِخَيْرٍ،» أَجابَها إِيثانُ. نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحَزْمٍ. «هذِهِ الْجُمْلَةُ يَقولُها الرِّجالُ الَّذينَ لا يُريدونَ أَنْ يَقْلَقَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ. اجْلِسْ وَدَعْني أَعْمَلْ.»
لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ مَنْعِ ابْتِسامَةٍ صَغيرَةٍ، رَغْمَ كُلِّ ما حَدَثَ. كانَتْ تِلْكَ الْمَرَّةَ الأُولى الَّتي أَبْتَسِمُ فيها مُنْذُ مَوْتِ أَبي، وَحِينَ لاحَظَ إِيثانُ ذلِكَ، نَظَرَ إِلَيَّ بِابْتِسامَةٍ خَفيفَةٍ، كَأَنَّهُ سَعيدٌ بِأَنَّني ما زِلْتُ أَسْتَطيعُ أَنْ أَبْتَسِمَ.
أَمّا ليو، فَبَقِيَ وَاقِفًا قُرْبَ الْبابِ، يُراقِبُ الْغُرْفَةَ بِعَيْنَيْنِ مُتَيَقِّظَتَيْنِ.
سَأَلَتْهُ إِلّينُ: «أَلا تُريدُ أَنْ تَجْلِسَ؟» أَجابَها: «لا، شُكْرًا. أَنا بِخَيْرٍ.» لَكِنَّهُ لَمْ يَبْدُ بِخَيْرٍ أَبَدًا.
بَعْدَ قَليلٍ، أَحْضَرَتْ إِلّينُ لَنا مَلابِسَ نَظيفَةً مِنْ خِزانَةٍ قَديمَةٍ. أَعْطَتْني قَميصًا واسِعًا وَسِرْوالًا دافِئًا، ثُمَّ أَشارَتْ إِلى غُرْفَةٍ صَغيرَةٍ في آخِرِ الْمَمَرِّ. «يُمْكِنُكِ أَنْ تُغَيِّريَ مَلابِسَكِ هُناكَ يا ابْنَتي. وَسَأَضَعُ لَكِ بَعْضَ الْمَناشِفِ عِنْدَ الْبابِ.»
شَكَرْتُها بِصَوْتٍ خافِتٍ، وَدَخَلْتُ الْغُرْفَةَ. عِنْدَما نَظَرْتُ إِلى نَفْسي في الْمِرْآةِ الصَّغيرَةِ، كِدْتُ لا أَعْرِفُني. كانَ وَجْهي شاحِبًا، وَعَيْنايَ مُحْمَرَّتَيْنِ مِنَ الْبُكاءِ، وَشَعْري مُتَشابِكًا. بَدَوْتُ كَشَخْصٍ نَجا مِنْ حَرْبٍ، وَتَرَكَ خَلْفَهُ كُلَّ ما يُحِبُّهُ.
غَسَلْتُ وَجْهي، وَارْتَدَيْتُ الْمَلابِسَ النَّظيفَةَ، ثُمَّ بَقِيتُ أَنْظُرُ إِلى انْعِكاسي طَويلًا. «أَبي...» هَمَسْتُ. وَعادَتِ الدُّموعُ.
لَمْ أَسْمَحْ لِنَفْسي بِالصُّراخِ هذِهِ الْمَرَّةَ. وَضَعْتُ يَدي عَلى فَمي، وَبَكَيْتُ بِصَمْتٍ، كَأَنَّني أَخافُ أَنْ يَسْمَعَ الْعَالَمُ وَيَسْرِقَ مِنّي ما تَبَقّى. عِنْدَما خَرَجْتُ، كانَتْ رائِحَةُ الطَّعامِ تَمْلَأُ الْبَيْتَ.
أَعَدَّتْ إِلّينُ شُورْبَةَ الْفِطْرِ وَالْخُضْراواتِ، وَوَضَعَتْ إِلى جانِبِها قِطَعًا مِنَ الْخُبْزِ وَبَعْضَ الْبَيْضِ. لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ بِالْجوعِ، لَكِنَّها وَضَعَتْ الْوِعاءَ أَمامي وَقالَتْ: «لا يُمْكِنُ لِلْجَسَدِ أَنْ يَتَحَمَّلَ كُلَّ هذَا الْخَوْفِ مِنْ دُونِ طَعامٍ.»
حاوَلْتُ أَنْ آكُلَ، وَكانَتْ يَدي تَرْتَجِفُ حَوْلَ الْمِلْعَقَةِ. جَلَسَ إِيثانُ قُرْبي، وَأَكَلَ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يُحاوِلُ أَنْ يُشْعِرَني أَنَّ الْأُمورَ ما زالَتْ طَبيعيَّةً، وَأَنَّنا لَمْ نَفْقِدْ كُلَّ شَيْءٍ.
مّا ليو، فَأَكَلَ بِصَمْتٍ، وَكانَ كُلَّ بُرْهَةٍ يَنْظُرُ إِلى النّافِذَةِ. وَعِنْدَما سَأَلَهُ إِيثانُ عَنْ هاتِفِهِ لِيَتَّصِلَ بِمَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، تَغَيَّرَ وَجْهُهُ لَحْظَةً، ثُمَّ قالَ:
«لَمْ يَعُدْ مَعي. لا بُدَّ أَنَّهُ سَقَطَ أَثْناءَ الاشْتِباكِ.» قَبِلَ إِيثانُ إِجابَتَهُ، وَعادَ إِلى طَعامِهِ. لَكِنَّني لاحَظْتُ أَنَّ ليو وَضَعَ يَدَهُ في جَيْبِ سُتْرَتِهِ بَعْدَها بِثَوانٍ، وَأَخْرَجَها بِسُرْعَةٍ عِنْدَما رَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَهُ.
لَمْ أَقُلْ شَيْئًا. لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُ طاقَةً لِلشُّكِّ في أَحَدٍ، وَلا رَغْبَةً في فَهْمِ أَسْرارِ رِجالٍ لا أَعْرِفُهُمْ جَيِّدًا. كُنْتُ أُريدُ النَّوْمَ فَقَطْ.
في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَعْطَتْنا إِلّينُ غُرْفَةً واسِعَةً فيها سَريرٌ كَبيرٌ وَأَريكَةٌ قَديمَةٌ. قالَتْ إِنَّها سَتُحْضِرُ لَنا أَغْطِيَةً إِضافِيَّةً، وَأَنَّنا يُمْكِنُنا الْبَقاءُ حَتّى الصَّباحِ. «لا أَعْرِفُ ما الَّذي أَتى بِكُمْ إِلى هُنا،» قالَتْ وَهِيَ تَضَعُ الْأَغْطِيَةَ، «وَلَكِنَّ كُلَّ
إِنْسانٍ يَحْتاجُ أَحْيانًا إِلى مَكانٍ يَخْتَبِئُ فيه مِنَ الْعَالَمِ.»
نَظَرْتُ إِلَيْها، وَشَعَرْتُ بِامْتِنانٍ عَميقٍ. «شُكْرًا لَكِ.» قالَتْ حاوِلي أَنْ تَنامي يا ابْنَتي. غَدًا سَيَكُونُ يَوْمًا طَويلًا.
بَعْدَ خُروجِها، جَلَسَ إِيثانُ عَلى الْأَريكَةِ، وَبَقِيَ ليو قُرْبَ النّافِذَةِ. سَأَلْتُهُما: «ماذا سَنَفْعَلُ غَدًا؟»
أَجابَ إِيثانُ: «سَنُحاوِلُ الاتِّصالَ بِالشُّرْطَةِ، وَسَنَجِدُ طَريقَةً لِنُعيدَكِ إِلى مَكانٍ آمِنٍ.» أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ أَبي، لَكِنَّ السُّؤالَ كانَ مُؤْلِمًا لِدَرَجَةٍ لَمْ أَسْتَطِعْ مَعَها نُطْقَهُ.
اسْتَلْقَيْتُ عَلى السَّريرِ، وَسَحَبْتُ الْغِطاءَ حَوْلَ جَسَدي. لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ بِالنُّعاسِ، لَكِنَّ جَسَدي كانَ قَدْ بَلَغَ حَدَّهُ. أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَحاوَلْتُ أَنْ أُبْعِدَ صُورَةَ أَبي عَنْ ذِهْني.
لَمْ أَنْجَحْ. كُلَّما أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، رَأَيْتُهُ يَسْقُطُ أَمامي مِنْ جَديدٍ. وَفي النِّهايَةِ، غَلَبَني التَّعَبُ. لَمْ أَعْرِفْ كَمْ مَرَّ مِنَ الْوَقْتِ حَتّى اسْتَيْقَظْتُ عَلى صَوْتٍ خافِتٍ.
كانَ الْبَيْتُ غارِقًا في الظَّلامِ، وَكانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ يَتَسَلَّلُ مِنْ خِلالِ السَّتائِرِ. لَمْ أَسْمَعْ سِوى صَوْتِ الرّيحِ وَهِيَ تَحْتَكُّ بِالأَغْصانِ خارِجَ النّافِذَةِ. ثُمَّ سَمِعْتُ الصَّوْتَ مَرَّةً أُخْرى.
هذِهِ الْمَرَّةَ كانَ وَاضِحًا. صَوْتُ رَجُلٍ يَتَحَدَّثُ هاتِفِيًّا. جَلَسْتُ بِبُطْءٍ، وَنَظَرْتُ إِلى الْأَريكَةِ.
كانَ إِيثانُ نائِمًا، أَوْ هكَذا ظَنَنْتُ. أَمّا ليو، فَلَمْ يَكُنْ في مَكانِهِ. جاءَ الصَّوْتُ مِنَ الْمَمَرِّ الْمُؤَدّي إِلى الْمَطْبَخِ.
كانَ ليو يَهْمِسُ بِغَضَبٍ: «قُلْتُ لَكَ إِنَّ الْأَمْرَ خَرَجَ عَنْ سَيْطَرَتِنا! لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَظْهَرَ أَبو الْفَتاةِ هُناكَ!» تَوَقَّفَ قَلْبي لَحْظَةً.
أبو الْفَتاةِ. كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ أَبي. ضَغَطْتُ ظَهْري إِلى الْحائِطِ، وَحاوَلْتُ أَنْ أَتَنَفَّسَ بِهُدوءٍ. أَكْمَلَ ليو:
«لا، لَمْ يَرَني أَحَدٌ. إِيثانُ لا يَشُكُّ فيَّ، وَالْفَتاةُ مُرْهَقَةٌ لِدَرَجَةٍ لَنْ تَنْتَبِهَ إِلى شَيْءٍ.» شَعَرْتُ بِبُرودَةٍ تَسْري في أَطْرافي. الْفَتاةُ.
كانَ يَقْصِدُني أَنا. لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ عَنِ أَبي. ضَغَطْتُ ظَهْري إِلى الْحائِطِ، وَحاوَلْتُ أَنْ أَتَنَفَّسَ بِهُدوءٍ. أَكْمَلَ ليو:
لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُجَرَّدِ مَطَارَدَةٍ أَوْ خُطَّةٍ فَشِلَتْ. كانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَحْداثٍ يَعْرِفُها مُسْبَقًا، وَعَنْ أَبي كَأَنَّهُ كانَ عَقَبَةً في طَريقِهِمْ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقولُ:
«اسْمَعْني يا أَخي، عَلَيْكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ إِيثانَ لَنْ يَبْقى غافِلًا إِلى الأَبَدِ. إِذا اكْتَشَفَ أَمْرَ الْهَواتِفِ وَالْمَعْلوماتِ، فَسَنَكونُ جَميعًا في مُشْكِلَةٍ.» أَخي؟
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ ليو لَدَيْهِ أَخٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ لِماذا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِهذِهِ الطَّريقَةِ. جاءَ صَوْتٌ خافِتٌ مِنَ الْهَاتِفِ، لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ كَلِماتِهِ. أَجابَ ليو بِحِدَّةٍ:
«لا تُهَدِّدْني! أَنا مَنْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ هذِهِ الْوَرْطَةِ مَرّاتٍ كَثيرَةً. لَوْلا الْمَعْلوماتُ الَّتي أَعْطَيْتُكُمْ إِيّاها، لَكانَتِ الشُّرْطَةُ قَدْ أَمْسَكَتْ بِكُمْ مُنْذُ زَمَنٍ.»
شَعَرْتُ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَميدُ تَحْتي.
لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّني فَهِمْتُ ما يَكْفي لِأَخافَ.
كانَ ليو يُسَرِّبُ مَعْلوماتٍ إِلى أَحَدٍ ما، وَكانَ هذَا الشَّخْصُ مُرْتَبِطًا بِالْخَطَرِ الَّذي طارَدَنا. وَالْأَسْوَأُ مِنْ ذلِكَ أَنَّ ليو كانَ يَعْرِفُ أَنَّ إِيثانَ لا يَشُكُّ فيهِ. تَراجَعْتُ خُطْوَةً، فَلامَسَ كَعْبي إِناءً صَغيرًا عَلى الأَرْضِ.
تَحَرَّكَ الْإِناءُ، وَاحْتَكَّ بِالْجِدارِ مُصْدِرًا صَوْتًا خافِتًا. صَمَتَ ليو. تَوَقَّفَتْ أَنْفاسي. «مَنْ هُناكَ؟» قالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ.
لَمْ أَتَحَرَّكْ. سَمِعْتُ خُطواتِهِ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمَمَرِّ، خُطْوَةً بَعْدَ أُخْرى. ثُمَّ ظَهَرَ ظِلُّهُ عَلى الْحائِطِ.
لَمْ أَسْمَعْ جَوابَ ليو، لَكِنَّني سَمِعْتُهُ يُغْلِقُ الْهَاتِفَ بِسُرْعَةٍ.
«الأَمْرُ لَيْسَ كَما تَظُنُّ.»
اقْتَرَبَ إِيثانُ مِنْهُ وَمَدَّ يَدَهُ. «أَعْطِني الْهاتِفَ.» «لَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا!»
اشْتَعَلَ الْغَضَبُ في عَيْنَي إِيثانَ. «كُنْتَ تَسْتَطيعُ طَلَبَ الْمُساعَدَةِ مِنْذُ ساعَةٍ! كُنْتَ تَعْرِفُ أَنَّنا مُصابانِ وَمُطارَدانِ، وَمَعَ ذلِكَ كَذَبْتَ عَلَيَّ!»
دَفَعَهُ ليو بِقُوَّةٍ، فَارْتَطَمَ إِيثانُ بِحافَّةِ الطّاوِلَةِ. وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ تَوازُنَهُ، انْدَفَعَ ليو نَحْوَ الْبابِ. لَكِنَّ إِيثانَ أَمْسَكَ بِذِراعِهِ.
«لَنْ تَذْهَبَ إِلى أَيِّ مَكانٍ قَبْلَ أَنْ تُخْبِرَني بِالْحَقيقَةِ!» الْتَفَتَ ليو إِلَيْهِ بِحِدَّةٍ. «أَنْتَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا يا إِيثان! وَلا أُريدُ أَنْ أَبْقى هُنا لِأَسْمَعَ اتِّهاماتِكَ!»
تَخَلَّصَ مِنْ قَبْضَتِهِ، وَفَتَحَ الْبابَ بِعُنْفٍ، ثُمَّ اخْتَفَى في الظَّلامِ. رَكَضَ إِيثانُ إِلى الْبابِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ. وَبَقِيَ واقِفًا لَحْظاتٍ، يُحاوِلُ تَجاهُلَ الأَلَمِ في جانِبِهِ.
كُنْتُ أَقِفُ في آخِرِ الْمَمَرِّ، وَقَلْبي يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ. لَمْ يَعُدْ هُناكَ شَكٌّ في أَنَّ ليو يُخْفي شَيْئًا خَطيرًا. وَكانَتْ آخِرُ كَلِماتِهِ تُخيفُني أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: «أَنْتَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا.»
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَيْنَ ذَهَبَ، لَكِنَّني كُنْتُ أَخْشى أَنْ يَكونَ ذاهِبًا لِيَجِدَ الْعِصابَةَ. كانَ جُرْحُ إِيثانَ ما يَزالُ يُؤْلِمُهُ، وَأَنا أَشْعُرُ بِحُمّى تَجْعَلُ رَأْسي ثَقيلًا وَخُطواتي بَطيئَةً.
«ميا، هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟» سَأَلَني إِيثانُ. «أَظُنُّ ذلِكَ»، أَجَبْتُ، وَأَنا أُحاوِلُ أَنْ أَبْدوَ بِخَيْرٍ. لَمْ يُصَدِّقْني، لَكِنَّهُ لَمْ يُجادِلْني.
بَعْدَ مُدَّةٍ، سَمِعْنا صَوْتَ مُحَرِّكٍ يَقْتَرِبُ. ظَهَرَتْ سَيّارَةٌ قَديمَةٌ عَلى الطَّريقِ، فَأَشارَ إِيثانُ إِلى سائِقِها أَنْ يَتَوَقَّفَ.
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ، وَاسْتَمَعَ إِلى شَرْحِ إِيثانَ الْمُخْتَصَرِ عَنْ حاجَتِنا إِلى الْمُساعَدَةِ. وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ قَصيرٍ، وافَقَ عَلى أَنْ يُقِلَّنا إِلى أَقْرَبِ مَكانٍ يُمْكِنُنا مِنْهُ الاتِّصالُ بِالشُّرْطَةِ.
مِلْتُ بِبُطْءٍ، حَتّى اسْتَقَرَّ رَأْسي عَلى كَتِفِ إِيثانَ. لَمْ يُبْعِدْني. بَلْ سَحَبَ سُتْرَتَهُ حَوْلَ كَتِفَيَّ، وَهَمَسَ:
«نامي يا ميا. أَنا هُنا.» أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَاسْتَسْلَمْتُ لِلتَّعَبِ، وَأَنا أَسْمَعُ صَوْتَ الْمُحَرِّكِ يَمْتَزِجُ بِصَوْتِ أَنْفاسيَ الْمُتَقَطِّعَةِ.
وَطَوالَ الطَّريقِ، بَقِيتُ نائِمَةً عَلى كَتِفِ إِيثانَ، غَيْرَ عالِمَةٍ بِأَنَّ ليو كانَ في تِلْكَ اللَّحَظاتِ يَقْتَرِبُ مِنَ الْعِصابَةِ، وَأَنَّ ما يَنْتَظِرُنا لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ خَطَرًا مِمّا نَجَوْنا مِنْهُ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.