وضع القراءة:

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: الْبابُ الَّذي لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ أَراهُ

لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظاتِ الصَّغيرَةِ قادِرَةٌ عَلى تَغْييرِ حَياةِ الْإِنْسانِ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ بابًا مَفْتوحًا قَدْ يَكونُ بِدايَةَ حِكايَةٍ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِخَوْضِها.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَكْبَرَ مُشْكِلاتي فِي الْحَياةِ هِيَ أَيّامِي الْمُتَشابِهَةُ، وَالْمَهامُّ الْمَنْزِلِيَّةُ الَّتي لا تَنْتَهي، وَإِصْرارُ أَبي عَلى مُعامَلَتي كَأَنَّني ما زِلْتُ طِفْلَةً صَغيرَةً لا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الْعالَمِ.
لَكِنَّني كُنْتُ مُخْطِئَةً.
فَالْعالَمُ الَّذي كُنْتُ أَعْرِفُهُ كانَ مُجَرَّدَ وَهْمٍ جَميلٍ، وَخَلْفَ أَبْوابِهِ الْمُغْلَقَةِ أَسْرارٌ قادِرَةٌ عَلى تَدْميرِ كُلِّ شَيْءٍ.
اسْتَيْقَظْتُ فِي ذلِكَ الصَّباحِ عَلى صَوْتِ أَبي وَهُوَ يُناديني مِنْ أَسْفَلِ الدَّرَجِ.
«ميا! هَلْ أَنْتِ مُسْتَيْقِظَةٌ؟ سَنَتَأَخَّرُ عَنِ السُّوقِ!»
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِبُطْءٍ، وَنَظَرْتُ إِلَى السّاعَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلى الْجِدارِ. كانَتِ السّاعَةُ تُشيرُ إِلَى التّاسِعَةِ صَباحًا.
تَنَهَّدْتُ، ثُمَّ سَحَبْتُ الْغِطاءَ فَوْقَ رَأْسي.
«خَمْسُ دَقائِقَ يا أَبي!»
سَمِعْتُهُ يَضْحَكُ مِنْ تَحْتِ.
نَهَضْتُ أَخيرًا، وَغَسَلْتُ وَجْهي، ثُمَّ ارْتَدَيْتُ مَلابِسي وَنَزَلْتُ إِلَى الطّابِقِ الْأَرْضِيِّ.
كانَ أَبي يَقِفُ قُرْبَ الْبابِ، يَتَفَقَّدُ قائِمَةَ الْمُشْتَرَياتِ.
نَظَرَ إِلَيَّ، ثُمَّ قالَ:
«أَخِيرًا! ظَنَنْتُ أَنَّني سَأَضْطَرُّ إِلَى الذَّهابِ وَحْدي.»
أَجَبْتُهُ بِابْتِسامَةٍ مُشاكِسَةٍ:
«وَمَنْ سَيَحْمِلُ الْأَغْراضَ إِذًا؟»
هَزَّ رَأْسَهُ وَقالَ:
«كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ هُناكَ سَبَبًا واحِدًا فَقَطْ لِرَغْبَتِكِ فِي مُرافَقَتي.»
ضَحِكْنا مَعًا، ثُمَّ خَرَجْنا مِنَ الْمَنْزِلِ.
كانَ أَبي أَقْرَبَ شَخْصٍ إِلَيَّ فِي هذِهِ الْحَياةِ. مُنْذُ وَفاةِ أُمِّي، أَصْبَحَ هُوَ الْأَبَ وَالْأُمَّ وَالصَّديقَ الَّذي أَسْتَطيعُ أَنْ أَحْكي لَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.
لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ الْحَديثَ عَنْ الْماضي، وَكُنْتُ أَحْتَرِمُ صَمْتَهُ، رَغْمَ أَنَّني كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيانًا بِأَنَّهُ يُخْفي عَنِّي أَشْياءَ كَثيرَةً.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْرارَ سَتُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ حَياتي يَوْمًا ما.
كانَ السُّوقُ مُزْدَحِمًا كَعادَتِهِ. أَصْواتُ الْبائِعينَ تَمْلَأُ الْمَكانَ، وَرائِحَةُ الْخُبْزِ الطّازَجِ تَنْتَشِرُ فِي الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ.
ساعَدْتُ أَبي فِي شِراءِ الْخُضْراواتِ وَالْفَواكِهِ، ثُمَّ مَرَرْنا بِالْمَخْبَزِ لِنَشْتَرِيَ بَعْضَ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ انْتَهَيْنا، ناوَلَني أَبي كيسًا أَبْيَضَ كَبيرًا.
«احْمِليهِ بِعِنايَةٍ، وَانْتَبِهي إِلَى الطَّريقِ.»
نَظَرْتُ إِلَى الْكيسِ، ثُمَّ إِلَيْهِ بِاعْتِراضٍ.
«أَبي، هَلْ تَظُنُّ أَنَّني سَأَحْمِلُ هذَا الْكيسَ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ؟»
ابْتَسَمَ.
«لا، لَكِنَّني أَظُنُّ أَنَّكِ سَتَتَذَكَّرينَ هذِهِ اللَّحْظَةَ كُلَّما احْتَجْتِ إِلَى مُمارَسَةِ الرِّياضَةِ.»
تَظاهَرْتُ بِالْغَضَبِ، وَسِرْنا نَحْوَ الْمَنْزِلِ.
كانَ الطَّريقُ الْمُؤَدِّي إِلَى حَيِّنا هادِئًا بِشَكْلٍ غَريبٍ. لَمْ أُعِرِ الْأَمْرَ اهْتِمامًا فِي الْبِدايَةِ، فَقَدْ كُنْتُ مُنْشَغِلَةً بِالْكيسِ الثَّقيلِ الَّذي أَحْمِلُهُ.
وَلَكِنْ، عِنْدَما اقْتَرَبْنا مِنْ زُقاقٍ ضَيِّقٍ، تَوَقَّفْتُ فَجْأَةً.
كانَ هُناكَ مَنْزِلٌ قَديمٌ عَلى جانِبِ الطَّريقِ، وَبابُهُ الْخَشَبِيُّ مَفْتوحٌ عَلى مِصْراعَيْهِ.
حَدَّقْتُ فِيهِ بِاسْتِغْرابٍ. «أَبي، انْظُرْ! بابُ هذَا الْمَنْزِلِ مَفْتوحٌ.»
الْتَفَتَ أَبي إِلَى الْمَكانِ، ثُمَّ قالَ:
«رُبَّما نَسِيَ أَحَدُهُمْ إِغْلاقَهُ. اذْهَبي وَأَغْلِقيهِ، وَسَأَنْتَظِرُكِ هُنا.»
تَرَدَّدْتُ قَليلًا.
«رُبَّما نَسِيَ أَحَدُهُمْ إِغْلاقَهُ. اذْهَبي وَأَغْلِقيهِ، وَسَأَنْتَظِرُكِ هُنا.»
تَرَدَّدْتُ قَليلًا.
«وَلِماذا لا تَذْهَبُ أَنْتَ؟»
أَجابَ بِمَكْرٍ:
«لِأَنَّكِ أَسْرَعُ مِنِّي.»
تَنَهَّدْتُ، وَوَضَعْتُ الْكيسَ عَلَى الْأَرْضِ لَحْظَةً، ثُمَّ الْتَقَطْتُ عَصًا خَشَبِيَّةً كانَتْ مُسْتَنِدَةً إِلَى الْجِدارِ، وَتَوَجَّهْتُ نَحْوَ الْبابِ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ خُطْوَتي التّالِيَةَ سَتَجْعَلُني أَنْدَمُ عَلى ذلِكَ الْيَوْمِ كُلِّهِ.
عِنْدَما وَصَلْتُ إِلَى الْبابِ، لاحَظْتُ أَنَّ الْمَنْزِلَ لَمْ يَكُنْ قَديمًا فَقَطْ، بَلْ كانَ يُوحي بِأَنَّهُ مَهْجورٌ مُنْذُ سَنَواتٍ.
كانَتِ النَّوافِذُ مُغْلَقَةً، وَالْجِدارُ مُتَشَقِّقًا، وَفِي الْمَدْخَلِ آثارُ أَقْدامٍ طازَجَةٍ.
تَوَقَّفْتُ عِنْدَ هذِهِ الْمُلاحَظَةِ. آثارُ أَقْدامٍ؟
لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً مِنْ أَنَّني أَراها بِشَكْلٍ صَحيحٍ، لَكِنَّها كانَتْ واضِحَةً عَلى التُّرابِ
الرَّطْبِ.
مَدَدْتُ يَدي بِالْعَصا، وَحاوَلْتُ دَفْعَ الْبابِ نَحْوَ الْإِغْلاقِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعْتُ صَوْتَ مُحَرِّكٍ قَوِيٍّ يَقْتَرِبُ.
الْتَفَتُّ.
كانَتْ سَيّارَةٌ سَوْداءُ تَنْعَطِفُ إِلَى الزُّقاقِ، وَتَتَوَقَّفُ بِقُوَّةٍ أَمامَ الْمَنْزِلِ.
انْفَتَحَتْ أَبْوابُها، وَنَزَلَ مِنْها أَرْبَعَةُ رِجالٍ.
كانَتْ وُجوهُهُمْ جادَّةً، وَحَرَكاتُهُمْ سَريعَةً وَمُتَوَتِّرَةً. تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ نَحْوي، وَصَرَخَ:
«أَنْتِ! ابْتَعِدي عَنِ الْبابِ، وَضَعي ما بِيدِكِ عَلى الْأَرْضِ!»
تَجَمَّدْتُ فِي مَكاني.
«ماذا؟ لِماذا؟»
«نَفِّذي ما أَقُولُهُ!»
أَلْقَيْتُ الْعَصا مِنْ يَدي، وَرَفَعْتُ كَفَّيَّ بِارْتِباكٍ.
«أَنا لا أَفْهَمُ ما الَّذي يَحْدُثُ! لَقَدْ طَلَبَ مِنِّي أَبي إِغْلاقَ الْبابِ فَقَطْ!»
اقْتَرَبَ رَجُلٌ آخَرُ، وَانْحَنى لِيَفْتَحَ الْكيسَ الْأَبْيَضَ الَّذي كانَ مُلْقىً قُرْبَ قَدَمَيَّ.
أَخْرَجَ بَعْضَ الْخُضْراواتِ، وَقَلَّبَ الْخُبْزَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى زَميلِهِ.
قالَ بِارْتِيابٍ:
«هِيَ وَحْدَها. لا أَرى شَيْئًا.»
رَدَّ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ بِحِدَّةٍ:
«فَتِّشوا الْمَكانَ! رُبَّما أَخْفَوْا شَيْئًا في الدّاخِلِ!»
لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا.
مَنْ هُمْ؟ وَماذا يُريدونَ؟ وَلِماذا يَتَصَرَّفونَ مَعي كَأَنَّني مُجْرِمَةٌ؟ تَراجَعْتُ خُطْوَةً، فَأَمْسَكَ الرَّجُلُ بِذِراعي. «إِلَى أَيْنَ تَظُنِّينَ أَنَّكِ ذاهِبَةٌ؟» حاوَلْتُ سَحْبَ يَدي. «اتْرُكْني! أَنا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا!» لَكِنَّهُ شَدَّ قَبْضَتَهُ، وَدَفَعَني نَحْوَ السَّيّارَةِ. صِحْتُ:
«أَبي! أَبي، ساعِدْني!» كانَ أَبي ما يَزالُ عِنْدَ نِهايَةِ الزُّقاقِ، وَما إِنْ سَمِعَ صَوْتي حَتّى الْتَفَتَ وَرَكَضَ نَحْوي. «ميا! ماذا تَفْعَلونَ بِابْنَتي؟» أَسْرَعَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ إِلَى إِخْراجِ الأَصْفادِ، وَقالَ: «ابْقَ في مَكانِكَ! هذِهِ الْفَتاةُ مُشْتَبَهٌ بِها فِي قَضِيَّةٍ خَطيرَةٍ.» صَرَخَ أَبي: «مُشْتَبَهٌ بِها؟! إِنَّها ابْنَتي! لَقَدْ خَرَجْنا لِشِراءِ الْأَغْراضِ، وَكُلُّ ما فَعَلَتْهُ أَنَّها حاوَلَتْ إِغْلاقَ الْبابِ!» لَمْ يَسْتَمِعْ إِلَيْهِ أَحَدٌ.
َطْبَقَ الرَّجُلُ الأَصْفادَ حَوْلَ مِعْصَمَيَّ، وَدَفَعَني إِلَى داخِلِ السَّيّارَةِ. كانَتْ عَيْنا أَبي مُتَّسِعَتَيْنِ مِنَ الصَّدْمَةِ، وَكانَ يَحاوِلُ الْوُصولَ إِلَيَّ، لَكِنَّ أَحَدَ الرِّجالِ مَنَعَهُ. صَرَخْتُ وَالدُّمُوعُ تَمْلَأُ عَيْنَيَّ: «أَبي! أَنا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا!» أُغْلِقَ الْبابُ. وَانْطَلَقَتِ السَّيّارَةُ.
بَقِيتُ أَنْظُرُ مِنَ النّافِذَةِ إِلَى أَبي، حَتّى اخْتَفى وَجْهُهُ خَلْفَ الْمَبانِي. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَأْخُذونَني، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ما الَّذي يَنْتَظِرُني. كُلُّ ما كُنْتُ أَعْرِفُهُ أَنَّني لَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ بِالأَمانِ. وَأَنَّ الْبابَ الَّذي طَلَبَ مِنِّي أَبي إِغْلاقَهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ بابٍ مَفْتوحٍ. كانَ بِدايَةَ شَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثيرٍ مِمّا تَخَيَّلْتُ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.