وضع القراءة:

الْفَصْلُ الثّالِثُ: الْبَيْتُ الَّذي أَعادَ إِلَيَّ الْأَمانَ

الْعَوْدَةُ الَّتي لَمْ أَكُنْ أَتَمَنّاها لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الطَّريقَ إِلى الْبَيْتِ يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ أَطْوَلَ مِنَ الطَّريقِ إِلى الْمَوْتِ. كُنْتُ جالِسَةً في الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ لِسَيّارَةٍ غَريبَةٍ، أُسْنِدُ رَأْسي إِلى النّافِذَةِ، وَأُراقِبُ الشَّوارِعَ الَّتي تَمُرُّ بِجانِبِنا كَأَنَّها صُوَرٌ باهِتَةٌ لا تَعْنيني. كانَتِ السَّيّارَةُ تَهْتَزُّ مَعَ كُلِّ حُفْرَةٍ في الطَّريقِ، وَكانَ صَوْتُ الْمُحَرِّكِ يَمْلَأُ الصَّمْتَ الثَّقيلَ الَّذي اسْتَقَرَّ بَيْنَ إيثانَ وَبَيْني. لَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ بِبَرْدِ الصَّباحِ، وَلَمْ أَعُدْ أُفَكِّرُ في الْجُرْحِ الصَّغيرِ الَّذي كانَ في يَدي، وَلَمْ أَعُدْ أُبالي بِثِيابي الَّتي بَقِيَتْ عَلَيْها آثارُ الطَّريقِ وَاللَّيْلَةِ الَّتي سَرَقَتْ مِنّي أَبي. كانَ هُناكَ شَيْءٌ واحِدٌ فَقَطْ يَدورُ في رَأْسي، بِإِصْرارٍ يُشْبِهُ الْعَذابَ. أَبي. وَجْهُهُ. صَوْتُهُ. يَداهُ اللَّتانِ كانَتا تَحْمِيانِني مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى مِنَ الْأَشْياءِ الَّتي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّني أَخافُ مِنْها.
وَصَوْتُهُ الْأَخيرُ، وَهُوَ يَصْرُخُ بِاسْمي. أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ بِقُوَّةٍ، وَحاوَلْتُ أَنْ أُبْعِدَ الصُّورَةَ عَنِّي، لَكِنَّها لَمْ تَبْتَعِدْ. كُلَّما أَطْبَقْتُ جَفْنَيَّ، رَأَيْتُهُ أَمامي أَكْثَرَ وُضوحًا؛ رَأَيْتُهُ يَرْكُضُ نَحْوَ السَّيّارَةِ، وَرَأَيْتُ الرِّجالَ، وَرَأَيْتُ الْحَرَكَةَ الْمُفاجِئَةَ الَّتي غَيَّرَتْ حَياتي في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ. ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ الطَّلْقَةِ. فَانْتَفَضَ جَسَدي. «ميا؟» فَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِسُرْعَةٍ. كانَ إيثانُ يَنْظُرُ إِلَيَّ مِنَ الْمَقْعَدِ الْمُجاوِرِ. لَمْ يَكُنْ يُطيلُ النَّظَرَ، وَلَمْ يَكُنْ يُحاصِرُني بِالْأَسْئِلَةِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ كانَتا تَحْمِلانِ قَلَقًا واضِحًا، كَأَنَّهُ كانَ يَسْمَعُ الصَّرْخَةَ الَّتي حَبَسْتُها في داخِلي. قالَ بِهُدوءٍ: «إِنَّها مُجَرَّدُ سَيّارَةٍ. أَنْتِ بِأَمانٍ الآنَ.» نَظَرْتُ إِلى الطَّريقِ مِنْ جَديدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُ رَأْسي، وَأَنا أُحاوِلُ إِقْناعَ نَفْسي بِأَنَّ كَلامَهُ حَقيقَةٌ. بِأَمانٍ؟
كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسانِ أَنْ يَكونَ بِأَمانٍ بَعْدَما يَفْقِدُ الشَّخْصَ الَّذي كانَ يُمَثِّلُ لَهُ الْأَمانَ كُلَّهُ؟ لَمْ أُجِبْهُ. اِكْتَفَيْتُ بِأَنْ أَضُمَّ يَدَيَّ إِلى صَدْري، وَأُخْفي وَجْهي عَنْهُ. كُنْتُ أَخافُ إِنْ تَكَلَّمْتُ أَنْ أَنْهارَ، وَإِنْ انهَرْتُ فَلَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أَتَوَقَّفُ. لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُحاوِلْ أَنْ يَجْعَلَني أَتَحَدَّثُ. بَقِيَ جالِسًا بِجانِبي، يُراقِبُ الطَّريقَ تارَةً، وَيُلْقي عَلَيَّ نَظْرَةً سَريعَةً تارَةً أُخْرى. كانَ جُرْحُهُ لا يَزالُ يُؤْلِمُهُ. رَأَيْتُ ذَلِكَ في طَريقَةِ تَحْريكِهِ لِذِراعِهِ، وَفي الْعَبُوسِ الْخَفيفِ الَّذي كانَ يَظْهَرُ عَلى وَجْهِهِ كُلَّما اهْتَزَّتِ السَّيّارَةُ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَشْتَكِ، وَلَمْ يَطْلُبْ مِنَ السّائِقِ أَنْ يُسْرِعَ أَوْ أَنْ يُبْطِئَ. كانَ يُحاوِلُ أَنْ يَجْعَلَ رِحْلَتي أَقَلَّ قَسْوَةً، وَهُوَ يَحْمِلُ أَلَمَهُ بِصَمْتٍ. بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ أَعُدْ قادِرَةً عَلى تَحْديدِها، تَوَقَّفَتِ السَّيّارَةُ أَمامَ شارِعٍ أَعْرِفُهُ. رَفَعْتُ رَأْسي. كانَ ذَلِكَ شارِعَنا. الْمَباني الْمُتَقارِبَةُ، وَالْمَحَلُّ الصَّغيرُ عِنْدَ الزّاوِيَةِ، وَالشَّجَرَةُ الْقَديمَةُ الَّتي كانَتْ أَغْصانُها تَمْتَدُّ فَوْقَ الرَّصيفِ. كُلُّ شَيْءٍ كانَ في مَكانِهِ، كَأَنَّ الْعالَمَ لَمْ يَتَغَيَّرْ. لَكِنَّني تَغَيَّرْتُ.
لَمْ أَعُدْ تِلْكَ الْفَتاةَ الَّتي خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِها مَعَ أَبيها لِتَشْتَرِيَ بَعْضَ الْخُضارِ وَالْخُبْزِ، وَتَعودَ وَهِيَ تُفَكِّرُ في وَاجِباتِها وَدُروسِها وَما سَتَفْعَلُهُ في الْيَوْمِ التّالي. تِلْكَ الْفَتاةُ بَقِيَتْ في ذَلِكَ اللَّيْلِ. أَمّا أَنا، فَقَدْ عُدْتُ وَحْدي. فَتَحَ السّائِقُ الْبابَ، وَنَظَرَ إِلَيْنا بِشَيْءٍ مِنَ التَّرَدُّدِ. «هَلْ أَنْتُما بِخَيْرٍ؟ هَلْ تَحْتاجانِ إِلى شَيْءٍ آخَرَ؟» أَجابَهُ إيثانُ بِامْتِنانٍ: «لَقَدْ ساعَدْتَنا كَثيرًا. شُكْرًا لَكَ.» أَخْرَجَ إيثانُ ما تَيَسَّرَ مَعَهُ، وَأَعْطاهُ لِلرَّجُلِ، لَكِنَّ السّائِقَ رَفَضَ في الْبِدايَةِ، ثُمَّ قَبِلَ بَعْدَ إِصْرارِهِ. وَقَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ إيثانُ الْبابَ، مالَ الرَّجُلُ نَحْوَهُ وَقالَ: «اِنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ، يا بُنَيَّ. وَانْتَبِهْ إِلَيْها.» أَجابَهُ إيثانُ بِصَوْتٍ خافِتٍ: «سَأَفْعَلُ.» ثُمَّ أُغْلِقَ الْبابُ. بَقِيتُ أَنْظُرُ إِلى مَدْخَلِ بَيْتِنا، وَشَعَرْتُ بِأَنَّ قَدَمَيَّ لَمْ تَعُودا تَحْمِلانِني.
كانَ الْبَيْتُ قَريبًا، لَكِنَّ الْمَسافَةَ بَيْني وَبَيْنَهُ بَدَتْ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الطُّرُقِ الَّتي سَلَكْتُها في حَياتي. هُناكَ، خَلْفَ ذَلِكَ الْبابِ، كانَتْ تَفاصِيلُ حَياتي كُلُّها. كانَ هُناكَ كُوبُ أَبي الْمُفَضَّلُ، وَمِفْتاحُهُ الَّذي يَضَعُهُ دائِمًا فَوْقَ الطّاوِلَةِ، وَكُرْسِيُّهُ الَّذي كانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ في نِهايَةِ كُلِّ يَوْمٍ. كانَ هُناكَ صَوْتُهُ الَّذي اعْتَدْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ حَتّى حينَ لا أَنْتَبِهُ إِلَيْهِ. وَلَكِنْ، لَنْ يَكونَ هُناكَ مَرَّةً أُخْرى. فَتَحْتُ الْبابَ بِبُطْءٍ. وَما إِنْ دَخَلْتُ حَتّى وَقَعَ نَظَري عَلى حِذائِهِ الْمَوْضوعِ بِجانِبِ الْمَدْخَلِ. تَجَمَّدْتُ في مَكاني. كانَ حِذاءَهُ الْقَديمَ الَّذي يَرْتَدِيهِ في مُعْظَمِ الْأَيّامِ، وَالَّذي كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ بِآخَرَ، فَيَضْحَكُ وَيَقولُ إِنَّهُ ما زالَ صالِحًا لِسَنَواتٍ أُخْرى. لَمْ أَسْتَطِعِ التَّقَدُّمَ. شَعَرْتُ بِأَنَّ الْجُدْرانَ تَضيقُ حَوْلي، وَبِأَنَّ الْهَواءَ يَنْسَحِبُ مِنَ الْغُرْفَةِ. تَحَرَّكَتْ شَفَتايَ، لَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُما صَوْتٌ. ثُمَّ خَرَجَتْ مِنّي هَمْسَةٌ مُنْكَسِرَةٌ: «بابا...؟»
لَمْ يُجِبْني أَحَدٌ. وَكانَ ذَلِكَ أَقْسى مِنْ أَيِّ إِجابَةٍ. اِنْحَنَيْتُ وَأَمْسَكْتُ حِذاءَهُ بِيَدَيَّ، كَأَنَّني أَسْتَطيعُ أَنْ أُعيدَهُ إِلَيَّ إِنْ تَمَسَّكْتُ بِهِ بِقُوَّةٍ كافِيَةٍ. ضَمَمْتُهُ إِلى صَدْري، وَانْهَمَرَتْ دُموعي بِشَكْلٍ لَمْ أَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ. «أَنا رَجَعْتُ، يا بابا... أَنا رَجَعْتُ.» كانَ صَوْتي يَتَكَسَّرُ بَيْنَ الْكَلِماتِ. «قُلْتَ إِنَّكَ سَتَجِدُني... قُلْتَ إِنَّكَ لَنْ تَتْرُكَني... لِماذا لَمْ تَعُدْ مَعي؟» لَمْ أَعْرِفْ أَنَّ الْحُزْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ أَلَمًا جَسَدِيًّا، حَتّى شَعَرْتُ بِهِ يَعْتَصِرُ صَدْري، وَيَجْعَلُ كُلَّ نَفَسٍ أَصْعَبَ مِنَ الَّذي سَبَقَهُ. وَجَدْتُ نَفْسي أَبْكي كَطِفْلَةٍ ضَلَّتْ طَريقَها، وَلا تَعْرِفُ كَيْفَ تَعُودُ إِلى الْبَيْتِ. لَمْ أَسْمَعْ خُطُواتِ إيثانَ إِلّا حينَ اقْتَرَبَ مِنّي. جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ بِصُعوبَةٍ، وَبَقِيَ قَريبًا مِنّي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْمِسَني. «ميا...» هَزَزْتُ رَأْسي وَأَنا أَبْكي. «لا تَقُلْ شَيْئًا. أَرْجوكَ، لا تَقُلْ شَيْئًا.» أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِثانِيَةٍ، ثُمَّ أَجابَ: «حَسَنًا.»
لَمْ يُحاوِلْ أَنْ يُخْبِرَني أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكونُ بِخَيْرٍ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْوَقْتَ سَيُعالِجُ كُلَّ شَيْءٍ. رُبَّما كانَ يَعْرِفُ أَنَّ هُناكَ كَلِماتٍ تَفْقِدُ مَعْناها أَمامَ بَعْضِ الْخَسائِرِ. وَبَقِيَ هُناكَ. فَقَطْ بَقِيَ.
حَتّى حينَ تَعِبَتْ يَدايَ مِنْ شَدَّ الْحِذاءِ إِلى صَدْري، وَحَتّى حينَ بَدَأَ صَوْتي يَخْفُتُ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكاءِ، وَحَتّى حينَ شَعَرْتُ بِأَنَّني لَنْ أَسْتَطيعَ النُّهوضَ عَنِ الْأَرْضِ. كانَ إيثانُ أَوَّلَ شَخْصٍ يَشْهَدُ انْهِيارِي بِهَذِهِ الطَّريقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ بِشَفَقَةٍ تُؤْلِمُني، وَلَمْ يُحاوِلْ أَنْ يَجْعَلَني أَشْعُرُ بِأَنَّني ضَعيفَةٌ.
وَعِنْدَما مَدَدْتُ يَدي أَخِيرًا، وَتَعَلَّقْتُ بِكُمِّ قَميصِهِ كَأَنَّني أَخْشى أَنْ يَخْتَفيَ هُوَ أَيْضًا، وَضَعَ يَدَهُ بِرِفْقٍ فَوْقَ يَدي. «لَنْ أَذْهَبَ الآنَ، يا ميا.» رَفَعْتُ وَجْهي إِلَيْهِ، وَالدُّموعُ تَغْرَقُ عَيْنَيَّ. «وَلَكِنَّ أَبي ذَهَبَ.» اِرْتَجَفَ فَكُّهُ، وَظَهَرَ الْأَلَمُ في عَيْنَيْهِ.
«أَعْرِفُ.» «لا، أَنْتَ لا تَعْرِفُ!» صَرَخْتُ، ثُمَّ وَضَعْتُ يَدَيَّ عَلى فَمي، كَأَنَّني نَدِمْتُ عَلى صَوْتي. «آسِفَةٌ... أَنا آسِفَةٌ. لَمْ أَقْصِدْ...» «لا تَعْتَذِري.» كانَ صَوْتُهُ هادِئًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بارِدًا.
«لَسْتِ مُضْطَرَّةً إِلى أَنْ تَكوني هادِئَةً أَمامي. وَلَسْتِ مُضْطَرَّةً إِلى أَنْ تَكْتَمي غَضَبَكِ أَوْ حُزْنَكِ. إِنْ أَرَدْتِ الصُّراخَ، فَاصْرُخي. وَإِنْ أَرَدْتِ الْبُكاءَ، فَابْكي.
لَسْتِ مُطالَبَةً بِأَنْ تَتَماسَكي مِنْ أَجْلِ أَيِّ شَخْصٍ.» تَحَرَّكَتْ شَفَتايَ، وَلَمْ أَجِدْ كَلِماتٍ.
كانَتْ تِلْكَ الْمَرَّةَ الْأُولى مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتي سَمَحْتُ فيها لِنَفْسي بِأَنْ أَبْكي مِنْ غَيْرِ أَنْ أُحاوِلَ إِخْفاءَ صَوْتي. وَبَيْنَما كُنْتُ أَبْكي، بَقِيَ إيثانُ إِلى جانِبي، لا يَعِدُني بِمُعْجِزَةٍ، وَلا يَدَّعي أَنَّهُ يَمْلِكُ قُدْرَةً عَلى إِعادَةِ ما فَقَدْتُهُ.
كانَ يُقَدِّمُ لي شَيْئًا أَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصْعَبَ في الْوَقْتِ نَفْسِهِ. كانَ يُقَدِّمُ لي وَجْهًا لا يَهْرُبُ عِنْدَما أَتَأَلَّمُ. وَيَدًا لا تَتْرُكُني حينَ أَتَعَثَّرُ. وَصَمْتًا لا يُشْعِرُني بِأَنَّني وَحْدي.
الْغُرْفَةُ الَّتي احْتَفَظَتْ بِصَوْتِهِ لَمْ أَذْهَبْ إِلى غُرْفَتي في ذَلِكَ الْيَوْمِ. بَقِيتُ في الصّالَةِ، قُرْبَ الْكُرْسِيِّ الَّذي كانَ أَبي يُفَضِّلُهُ. وَضَعْتُ حِذاءَهُ بِجانِبِهِ، وَجَلَسْتُ عَلى الْأَرْضِ، مُسْنِدَةً ظَهْري إِلى الْأَريكَةِ.
كانَتِ السّاعَةُ تَمْضي، وَالضَّوْءُ يَتَغَيَّرُ عَلى الْجُدْرانِ، وَظِلُّ الشَّجَرَةِ يَزْحَفُ ببطءٍ عَلى النّافِذَةِ، لَكِنَّني لَمْ أَتَحَرَّكْ. كانَتْ كُلُّ دَقيقَةٍ تَحْمِلُ مَعَها ذِكْرى. هُنا كانَ أَبي يَضَعُ أَكْياسَ السُّوقِ. وَهُناكَ كانَ يَقِفُ لِيَسْأَلَني عَمّا حَدَثَ في مَدْرَسَتي. وَفي ذَلِكَ الْمَكانِ كانَ يُناديني لِأُحْضِرَ لَهُ كُوبًا مِنَ الْماءِ، ثُمَّ يَنْسى أَنَّهُ طَلَبَهُ، فَيَضْحَكُ حينَ أُذَكِّرُهُ. كَيْفَ لِكُلِّ هَذِهِ التَّفاصيلِ الصَّغيرَةِ أَنْ تَبْقى، في حينَ لا يَبْقى صاحِبُها؟ لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُ ذَلِكَ. دَخَلَ إيثانُ الْمَطْبَخَ، وَسَمِعْتُ صَوْتَ الْماءِ يَنْسَكِبُ في كُوبٍ. بَعْدَ قَليلٍ، عادَ وَوَضَعَ الْكُوبَ عَلى الطّاوِلَةِ قُرْبي.
قالَ بِصَوْتٍ هادِئٍ: «اشْرَبي يا ميا، لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَويلٌ مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ شَرِبْتِ فيها الْماءَ». نَظَرْتُ إِلَى الْكُوبِ، ثُمَّ إِلَيْهِ، وَلَمْ أَمُدَّ يَدي.
لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ بِالْعَطَشِ، وَلَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ بِالْجُوعِ، وَلَمْ يَكُنْ في داخِلي شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحَياةَ. كُنْتُ أَشْعُرُ فَقَطْ بِفَراغٍ كَبيرٍ يَتَّسِعُ في صَدْري كُلَّما تَذَكَّرْتُ أَنَّ أَبي لَنْ يَعُودَ. جَلَسَ إيثانُ إِلَى جانِبي، وَلَمْ يُحاوِلْ إِجْباري عَلى شَيْءٍ. بَقِيَ يُراقِبُني بِعَيْنَيْنِ أَتْعَبَهُما الْقَلَقُ، ثُمَّ قالَ: «أَعْرِفُ أَنَّ الْكَلامَ لَنْ يُعِيدَ أَباكِ، وَأَعْرِفُ أَنَّني لَنْ أَسْتَطيعَ أَنْ أَمْنَحَكِ الْقُوَّةَ الَّتي فَقَدْتِها. لَكِنَّني أَسْتَطيعُ أَنْ أَبْقى هُنا، إِلَى أَنْ تَجِدي قُوَّتَكِ مِنْ جَديدٍ».
ارْتَجَفَتْ شَفَتايَ، وَشَعَرْتُ بِالدُّمُوعِ تَتَجَمَّعُ في عَيْنَيَّ. «وَلِماذا أَبْقى يا إيثانُ؟» هَمَسْتُ. «لَقَدْ فَقَدْتُ أَبي، وَفَقَدْتُ بَيْتي، وَفَقَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ كُنْتُ أَعْرِفُهُ. حَتّى الْأَشْياءُ الَّتي أَتَذَكَّرُها تُؤْلِمُني». لَمْ يُجِبْني مُباشَرَةً. مَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَ الْكُوبَ، ثُمَّ قَرَّبَهُ مِنّي. «لِأَنَّ حَياتَكِ لَمْ تَنْتَهِ يا ميا. وَلِأَنَّ أَباكِ، لَوْ كانَ هُنا، لَما أَرادَ لَكِ أَنْ تَنْتَهي مَعَهُ». كانَتْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ كَالسِّكِّينِ في قَلْبي. أَدَرْتُ وَجْهي، وَانْفَجَرْتُ في بُكاءٍ لَمْ أَعُدْ أَسْتَطيعُ إِخْفاءَهُ.
لَمْ يَقُلْ إيثانُ شَيْئًا بَعْدَها. اقْتَرَبَ مِنّي، وَتَرَكَني أَبْكي، حَتّى شَعَرْتُ بِأَنَّني لَسْتُ مُضْطَرَّةً إِلَى التَّظاهُرِ بِالْقُوَّةِ أَمامَهُ. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، سَمَحْتُ لِنَفْسي أَنْ أَنْهارَ.
مَرَّتِ الْأَيّامُ بَطيئَةً، وَكانَ كُلُّ صَباحٍ يَبْدَأُ بِالْحُزْنِ نَفْسِهِ، وَكُلُّ لَيْلَةٍ تَنْتَهي بِالذِّكْرَياتِ الَّتي تُطارِدُني. كانَ إيثانُ يَسْتَيْقِظُ قَبْلي، يُعِدُّ الطَّعامَ، وَيَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّني أَكَلْتُ شَيْئًا، ثُمَّ يَجْلِسُ قُربي حَتّى أَغْفى. وَحينَ كانَ الْأَلَمُ يَشْتَدُّ في قَلْبي، كانَ يَكْتَفي بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفي، كَأَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُذَكِّرَني بِأَنَّني لَسْتُ وَحْدي. لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ مِنّي أَنْ أَنْسى، وَلَمْ يَقُلْ لي يَوْمًا إِنَّ الْوَقْتَ كَفيلٌ بِمَحْوِ كُلِّ شَيْءٍ. كانَ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الْجِراحِ لا تَخْتَفي، وَأَنَّ الْإِنْسانَ يَتَعَلَّمُ فَقَطْ كَيْفَ يَعِيشُ وَهِيَ داخِلَهُ.
وَشَيْئًا فَشَيْئًا، بَدَأْتُ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَتَنَفَّسُ مِنْ جَديدٍ. لَمْ أَتَعافَ تَمامًا، وَلَمْ يَعُدْ الْعَالَمُ كَما كانَ، لَكِنَّني بَدَأْتُ أَجِدُ أَشْياءَ صَغيرَةً تَجْعَلُني أَتَمَسَّكُ بِالْحَياةِ؛ كَأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الَّتي تَدْخُلُ مِنَ النّافِذَةِ، وَرائِحَةِ الطَّعامِ الَّتي تَمْلَأُ الْبَيْتَ، وَصَوْتِ إيثانَ وَهُوَ يُناديني مِنَ الْغُرْفَةِ الْأُخْرى. كانَتْ تِلْكَ التَّفاصيلُ الصَّغيرَةُ تُعيدُ إِلَيَّ شَيْئًا مِنْ نَفْسي، حَتّى وَإِنْ لَمْ أُرِدِ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ.
في أَحَدِ الْأَيّامِ، وَجَدَني إيثانُ جالِسَةً عِنْدَ النّافِذَةِ، أُحَدِّقُ في الطَّريقِ الْمُمْتَدِّ أَمامَ الْبَيْتِ. قالَ وَهُوَ يَقْتَرِبُ: «فِيمَ تُفَكِّرينَ؟» أَجَبْتُهُ بَعْدَ صَمْتٍ: «في الْمُسْتَقْبَلِ». جَلَسَ إِلَى جانِبي. «وَماذا عَنْهُ؟» «لا أَعْرِفُ. أَخافُ أَنْ أَبْدَأَ مِنْ جَديدٍ، ثُمَّ أَفْقِدَ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّةً أُخْرى». ظَلَّ صامِتًا لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ قالَ: «لا أَحَدَ يَسْتَطيعُ أَنْ يَضْمَنَ لَنا أَنَّ الْحَياةَ لَنْ تُؤْلِمَنا مَرَّةً أُخْرى. لَكِنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْفَقْدِ لا يَنْبَغي أَنْ يَسْرِقَ مِنّا كُلَّ ما قَدْ نَعِيشُهُ مِنْ فَرَحٍ».
نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَسَأَلْتُ: «وَأَنْتَ؟ أَلا تَخافُ؟» ابْتَسَمَ ابْتِسامَةً خَفيفَةً، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ كانَتا تُخْفيانِ حُزْنًا لَمْ أَفْهَمْهُ كُلَّهُ. «أَخافُ يا ميا. أَخافُ أَنْ أَفْقِدَ مَنْ أُحِبُّ، وَأَخافُ أَنْ أَعْجِزَ عَنْ حِمايَتِهِمْ. لَكِنَّني تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْحِمايَةَ لَيْسَتْ أَنْ نَمْنَعَ كُلَّ أَلَمٍ، بَلْ أَنْ نَبْقى إِلَى جانِبِ مَنْ نُحِبُّهُمْ حينَ يَأْتي الْأَلَمُ». لَمْ أَعْرِفْ لِماذا شَعَرْتُ بِأَنَّ كَلِماتِهِ تَخْتَرِقُ شَيْئًا عَميقًا في داخِلي. رُبَّما لِأَنَّني، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدَأْتُ أَفْهَمُ أَنَّ وُجودَهُ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ نَجاةٍ مِنْ خَطَرٍ، بَلْ أَصْبَحَ شَيْئًا أَخافُ أَنْ أَفْقِدَهُ أَنا أَيْضًا.
كانَتِ الِامْتِحاناتُ تَقْتَرِبُ، وَكانَ عَلَيَّ أَنْ أُقَرِّرَ إِنْ كُنْتُ سَأَسْتَسْلِمُ لِما حَدَثَ، أَمْ أُحاوِلُ أَنْ أُكْمِلَ الطَّريقَ الَّذي بَدَأْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عالَمي إِلَى كَابوسٍ. وَقَفْتُ أَمامَ الْكُتُبِ طَويلًا، وَشَعَرْتُ بِأَنَّني أَنْظُرُ إِلَى حَياةٍ لا تَخُصُّني. كَيْفَ يُمْكِنُني أَنْ أَدْرُسَ، وَأَنا أَحْمِلُ في ذاكِرَتي صُوَرًا لا تُفارِقُني؟ كَيْفَ أُرَكِّزُ في الْكَلِماتِ، وَأَنا ما زِلْتُ أَسْمَعُ أَصْواتَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ في أَحْلامي؟ حينَ رَآني إيثانُ أُغْلِقُ الْكِتابَ بِعَصَبِيَّةٍ، اقْتَرَبَ وَسَأَلَني: «ماذا حَدَثَ؟»
قُلْتُ بِضيقٍ: «لا أَسْتَطيعُ. كُلَّما حاوَلْتُ أَنْ أَقْرَأَ، عُدْتُ إِلَى هُناكَ. أَشْعُرُ بِأَنَّني عالِقَةٌ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّ الْجَميعَ تَجاوَزوا ما حَدَثَ، إِلّا أَنا». جَثا أَمامي، وَقالَ بِحَزْمٍ لَمْ أَعْهَدْهُ مِنْهُ: «إِنْ كُنْتِ لا تَسْتَطيعينَ دِراسَةَ فَصْلٍ كامِلٍ، فَادْرُسي صَفْحَةً واحِدَةً. وَإِنْ لَمْ تَسْتَطيعِي صَفْحَةً، فَابْدَئي بِسَطْرٍ واحِدٍ. لا أُريدُكِ أَنْ تُثْبِتي لي أَيَّ شَيْءٍ، يا ميا. أُريدُكِ فَقَطْ أَلّا تَتْرُكي الْخَوْفَ يَسْرِقُ مِنْكِ مُسْتَقْبَلَكِ». نَظَرْتُ إِلَى الْكِتابِ، ثُمَّ إِلَيْهِ. «وَإِنْ فَشِلْتُ؟» أَجابَني بِسُرْعَةٍ: «سَنُحاوِلُ مَرَّةً أُخْرى». «وَإِنْ فَشِلْتُ مَرَّةً أُخْرى؟» ابْتَسَمَ وَقالَ: «سَنُحاوِلُ مَرَّةً ثالِثَةً».
لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ مَنْعِ ابْتِسامَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ الظُّهورِ عَلى وَجْهي. كانَتْ أَوَّلَ ابْتِسامَةٍ حَقيقِيَّةٍ أَشْعُرُ بِها مُنْذُ وَقْتٍ طَويلٍ. وَحينَ رَآها، لَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْها، لَكِنَّني لاحَظْتُ أَنَّ مَلامِحَهُ ارْتاحَتْ، كَأَنَّهُ كانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَكْثَرَ مِمّا تَخَيَّلْتُ.
مَعَ مُرورِ الْأَسابيعِ، بَدَأْتُ أَسْتَعيدُ جُزْءًا مِنْ قُوَّتي. لَمْ تَخْتَفِ الذِّكْرَياتُ، لَكِنَّني تَعَلَّمْتُ أَنْ أَفْتَحَ كُتُبي رَغْمَها، وَأَنْ أَسْتَيْقِظَ كُلَّ صَباحٍ رَغْمَ الْحُزْنِ، وَأَنْ أُصَدِّقَ أَنَّ غَدًا قَدْ يَحْمِلُ شَيْئًا أَفْضَلَ. كانَ إيثانُ يَجْلِسُ مَعِي أَحْيانًا أَثْناءَ الدِّراسَةِ، يُعِدُّ لي الشّايَ، وَيُذَكِّرُني بِأَنْ أَسْتَريحَ. وَحينَ أَتَعَثَّرُ في سُؤالٍ، كانَ يُحاوِلُ مُساعَدَتي، حَتّى إِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْإِجابَةَ. وَذاتَ مَساءٍ، بَعْدَ ساعَاتٍ مِنَ الدِّراسَةِ، أَغْلَقْتُ دَفْتَري وَقُلْتُ: «أَظُنُّ أَنَّني سَأَنْجَحُ».
رَفَعَ إيثانُ رَأْسَهُ عَنِ الْكِتابِ الَّذي كانَ يَقْرَؤُهُ. «أَتَظُنِّينَ ذَلِكَ فَقَطْ؟» ضَحِكْتُ بِخِفَّةٍ، ثُمَّ قُلْتُ: «لا. أَنا أُريدُ أَنْ أَنْجَحَ». أَغْلَقَ كِتابَهُ وَنَظَرَ إِلَيَّ بِفَخْرٍ. «هَذا هُوَ الْكَلَامُ الَّذي كُنْتُ أَنْتَظِرُ سَماعَهُ». في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ إيثانَ لَمْ يُنْقِذْ حَياتي فَقَطْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ كانَ يُساعِدُني كُلَّ يَوْمٍ عَلى أَنْ أَجِدَ سَبَبًا لِأَعِيشَها. وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَيّامَ الَّتي كُنْتُ أَظُنُّها بِدايَةَ نَجاتي، كانَتْ تَقودُني إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ، شَيْءٍ سَيُغَيِّرُ حَياتي كُلَّها.
لَمْ أَعُدْ تِلْكَ الْفَتاةَ الَّتي وَقَفَتْ في الْمَمَرِّ تَحْمِلُ أَلَمَها وَتَخافُ مِنْ كُلِّ صَوْتٍ. لَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَواجِهَ الْحَياةَ، وَأَنْ أَحْمِلَ ذِكْرَى أَبي في قَلْبي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَجْعَلَها تَمْنَعُني مِنَ السَّيْرِ. وَظَلَّ إيثانُ إِلَى جانِبي، يَشْهَدُ كُلَّ خُطْوَةٍ أَخْطوها، وَيُشارِكُني كُلَّ انْتِصارٍ صَغيرٍ أُحَقِّقُهُ. لَمْ نَكُنْ نَتَحَدَّثُ كَثيرًا عَنْ مُسْتَقْبَلِنا، لَكِنَّني كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيانًا بِأَنَّ هُناكَ كَلِماتٍ يَحْمِلُها في قَلْبِهِ، وَيَنْتَظِرُ الْوَقْتَ الْمُناسِبَ لِيَقُولَها. كانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ أَحْيانًا بِطَريقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَحينَ أُلْتَفِتُ إِلَيْهِ، كانَ يُشِيحُ بِنَظَرِهِ وَيَتَظاهَرُ بِالِانْشِغالِ. وَأَنا أَيْضًا، كُنْتُ أَخافُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَمّا يُخْفيهِ.
فَقَدْ كانَ إيثانُ أَكْثَرَ مِنْ صَديقٍ، وَأَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ أَنْقَذَني مِنَ الْخَطَرِ. كانَ الْمَكانَ الَّذي أَلْجَأُ إِلَيْهِ حينَ يَضيقُ بي الْعَالَمُ، وَالصَّوْتَ الَّذي يُطَمْئِنُني حينَ تَعْجِزُ كُلُّ الْكَلِماتِ عَنْ ذَلِكَ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَتى تَحَوَّلَ امْتِنانِي لَهُ إِلَى شُعورٍ أَعْمَقَ، لَكِنَّني كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ فِكْرَةَ فَقْدِهِ تُرْعِبُني أَكْثَرَ مِمّا أَسْتَطيعُ الِاعْتِرافَ بِهِ. وَكانَ هُوَ، في الْمُقابِلِ، يَحْمِلُ سِرًّا صَغيرًا لا أَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا. خاتَمًا اشْتَراهُ، وَأَخْفاهُ في مَكانٍ آمِنٍ، وَقَرارًا اتَّخَذَهُ مُنْذُ وَقْتٍ طَويلٍ.
كانَ يَنْتَظِرُ يَوْمَ تَخَرُّجي، لِيَقِفَ أَمامي، وَيَطْلُبَ مِنّي أَنْ أَبْدَأَ مَعَهُ فَصْلًا جَديدًا مِنَ الْحَياةِ. لَكِنَّ إيثانَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْماضيَ الَّذي ظَنَنّا أَنَّنا تَرَكْناهُ خَلْفَنا، كانَ يَقْتَرِبُ مِنّا مِنْ جَديدٍ. وَأَنَّ ليو، الَّذي اخْتَفى عَنْ أَعْيُنِنا، لَمْ يَنْسَ ما حَدَثَ. فَقَدْ كانَ يَحْمِلُ في صَدْرِهِ غَضَبًا قَديمًا، وَيُخَطِّطُ لِلِانْتِقامِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ دَمَ أَخيهِ لَنْ يُغْسَلَ إِلّا بِالدَّمِ. وَفي الْوَقْتِ الَّذي كُنْتُ أَعُدُّ فيهِ الْأَيّامَ لِأَجْمَلِ لَحْظَةٍ في حَياتي، كانَ ليو يَسْتَعِدُّ لِلْعَوْدَةِ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ الْفَرَحَ الَّذي انْتَظَرْتُهُ طَويلًا، سَيَأْتي وَمَعَهُ أَكْبَرُ اخْتِبارٍ لِقَلْبي. وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ الْخاتَمَ الَّذي أَخْفاهُ إيثانُ بِحُبٍّ، سَيَصِلُ إِلَيَّ في لَحْظَةٍ لَنْ أَنْساها ما حَييتُ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.