تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الفصل الثاني : مطعم
الفصل الثاني : المطعم
اليوم تسلّمت راتبي. لقد بدأ عام جديد، ودخلنا سنة 2018، فقررت أن أكافئ نفسي بوجبة راقية في أحد أفخم المطاعم في مدينتنا. لم أكن ثريًا، لكنني رأيت أنني أستحق، ولو لليلة واحدة، أن أنفق بعض المال على نفسي دون أن أفكر كثيرًا في الغد.
كانت الساعة تقارب الثامنة مساءً، موعد العشاء، وكنت أجلس وحدي على إحدى طاولات الطابق الثاني، أتابع مسلسلي المفضل. كان المطعم مكتظًا بالزبائن، وأصوات الأحاديث تختلط بضحكات متفرقة، حتى غدا المكان أشبه بسوق مزدحم. لم يكن ذلك يزعجني كثيرًا؛ فقد اعتدت ارتداء سماعات الأذن كلما جلست وحدي، فهي تساعدني على الانعزال عن العالم المحيط بي والانغماس فيما أشاهده.
لكن حتى السماعات لم تستطع أن تنقذني من ذلك الصوت المزعج.
سايكو.
صانع محتوى أحمق، ثري هو وجماعته، يعتقد أن امتلاك المال والشهرة يمنحه الحق في التصرف كما يشاء. كان يجلس على طاولة تبعد عني نحو ستة أمتار، محاطًا بأصدقائه وحراسه الشخصيين وفتاة لم أرها معه من قبل. كانوا يتحدثون ويصرخون ويضحكون بأعلى أصواتهم، وكأن المطعم ملك لأحدهم، أو كأن بقية الزبائن مجرد جمهور جاء خصيصًا لمشاهدة عرضهم السخيف.
كنت أتابع بعض مقاطع سايكو أحيانًا. كان يصوّر مقالب في الشوارع، يسخر فيها من الناس ويضحك عليهم أمام الكاميرا، وقد كنت أجد بعضها مضحكًا، وإن لم أستطع أن أفهم كيف يقبل الناس أن يتحولوا إلى مادة للتسلية بهذه السهولة. أما الفتاة الجالسة معه، فلم أكن قد رأيتها في مقاطعه من قبل. كانت تتصرف بطريقة جعلتني أظن أنها راقصة في ملهى ليلي، وربما استأجرها لقضاء تلك الليلة معه. لم أكن أعرف، ولم يكن الأمر يعنيني أصلًا. كنت أحاول العودة إلى مسلسلي، متجاهلًا ضجيج تلك المجموعة، حين وصل إلى أذني صوت مختلف تمامًا.
وقع أحذية رسمية على أرضية المطعم الخرسانية.
كان الصوت ثقيلًا، منتظمًا، وهادئًا على نحو غريب. لم يكن مرتفعًا بما يكفي ليلفت انتباه الجميع، ومع ذلك وجدت نفسي أركز عليه دون إرادة مني. شيئًا فشيئًا، أخذت بقية الأصوات تتراجع في ذهني، حتى لم أعد أسمع سوى تلك الخطوات التي تقترب من الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني.
من يكون صاحبها؟
كان الصوت يصعد الدرج الأسود الذي تتخلله زخارف ذهبية. وبعد لحظات، ظهر أربعة رجال عند أعلاه. كان الرجل الذي يتقدمهم مختلفًا عن البقية. شعره ناعم، طويل نسبيًا، ومصفف إلى الخلف بعناية. عيناه غائرتان وحادتان، تتنقلان بين الوجوه كأنهما تلتقطان أدق التفاصيل في المكان. جال بنظره على الطابق كله، ثم استقرت عيناه عليّ للحظة.
لحظة واحدة فقط.
ومع ذلك، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. لم يكن في نظرته شيء أستطيع وصفه بدقة، لكنني أحسست كأنه لم ينظر إليّ فحسب، بل لاحظ شيئًا في داخلي لم أكن أريد لأحد أن يراه.
ثم صرف عينيه عني ومضى.
لم يلاحظ أحد ما حدث. أو ربما لم يهتم أحد أصلًا.
لكنني بقيت أفكر في تلك النظرة.
لماذا أنا تحديدًا؟
اقترب الرجال من نادل كان ينتظرهم، فأشار إليهم نحو طاولة في الزاوية. وحين مرّ الرجل الغريب أمامي، استطعت رؤيته بوضوح أكبر.
كان يرتدي بدلة سوداء داكنة، تكاد تبتلع الضوء من حولها، تناسب جسدًا متوسط البنية؛ لا ضخمًا كوحش، ولا نحيلًا كرجل أنهكه الجوع. كانت يداه في جيبيه، وخطواته بطيئة واثقة، كأنه لا يرى ضرورة للعجلة في أي شيء.
لم أعرف لماذا خطر ببالي ذلك الوصف، لكنني شعرت وكأنني أنظر إلى ملك تجسّد في هيئة بشر، أو إلى شيطان قرر أن يرتدي هيئة ملك.
أما الرجال الثلاثة الذين يرافقونه، فكان لكل واحد منهم ما يميزه. الأول نحيل إلى درجة جعلتني أتساءل إن كان قادرًا على حمل حقيبته بنفسه، وكان يحمل بالفعل حقيبة بدا أنها تخص المجموعة. والثاني ضخم الجسد، عريض الكتفين، حتى إن وجوده وحده كان كافيًا لإثارة القلق. أما الثالث، فكان يرتدي معطفًا واسعًا وطويلًا يحجب معظم تفاصيل جسده، فلم أستطع أن أتبين شيئًا عنه.
كان الأربعة يرتدون ملابس رسمية، لكن الرجل الذي يتقدمهم استحوذ على انتباهي أكثر من الجميع.
من يكون هذا الرجل؟
جلسوا إلى طاولتهم، وأخرج النحيل حاسوبًا محمولًا من حقيبته، ثم بدأ يتحدث مع رفاقه. لم أستطع سماع شيء مما يقولونه، ولم أحاول ذلك. عدت إلى مسلسلي، مصممًا على تجاهلهم جميعًا.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
بعد دقائق، انفجر سايكو بالضحك. رفعت عيني عن الشاشة ونظرت نحو طاولته، فرأيت الفتاة تقترب من النادل وتمسح بصدرها كتفه بطريقة متعمدة، بينما بدا الارتباك واضحًا على وجهه واحمرّت وجنتاه. كان سايكو يصوّر المشهد بهاتفه ويضحك، فيما شاركه رفاقه الضحك كأنهم يشاهدون أعظم مشهد كوميدي في حياتهم.
يا له من نادل مسكين. لا بد أنه ندم على عمله في هذا المطعم في تلك اللحظة.
كنت على وشك العودة إلى مسلسلي حين اهتز هاتفي. نظرت إلى الشاشة، فوجدت اسم حبيبتي: جان.
أجبت.
«أين أنت يا راي؟ ألم تقل إننا سنخرج الليلة؟» سألتني بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالعتاب.
تبًّا.
لقد وعدتها بأن آخذها معي إلى العشاء هذه الليلة، وكنت قد نسيت الأمر تمامًا.
«نعم، نعم، لم أنسَ، لا تقلقي. سأكون عندك خلال ساعة. سأتصل بك لاحقًا، أنا مشغول قليلًا الآن».
أنهيت المكالمة بسرعة، قبل أن تمنحني فرصة لسماع محاضرة طويلة عن الوفاء بالوعود. لكنني لم أعد أفكر في جان، ولا في المسلسل، ولا حتى في الوجبة التي دفعت ثمنها.
فقد رأيت شرارة غضب تشتعل في مكان آخر.
الرجل ذو البدلة السوداء نهض من مقعده.
اتجه نحو طاولة سايكو.
راقبته وهو يقترب، بينما لم يتحرك أيٌّ من الرجال الثلاثة المرافقين له. بقوا جالسين في أماكنهم، كأنهم يعرفون مسبقًا ما الذي سيحدث، أو كأن الأمر لا يستحق أن يرفعوا رؤوسهم من أجله.
يا إلهي، ما هذه الهالة التي تحيط بهذا الرجل؟ لم يكن يصرخ، ولم يهدد أحدًا، ولم يفعل شيئًا يستدعي الخوف، ومع ذلك كان في حضوره شيء يجعلني أشعر بأن مصيبة على وشك الوقوع.
وقف إلى جانب طاولة سايكو، ونظر إلى المجموعة قبل أن يتحدث بصوت هادئ:
«سأكون منصفًا، ولن أفعل أي شيء في البداية. لديّ سؤال واحد فقط: لماذا تفعلون هذا؟»
رفع سايكو رأسه إليه، ثم انفجر ضاحكًا.
«آهاهاها! يا جماعة، فأر آخر!»
وجّه كاميرته نحو الرجل وأكمل بصوت مرتفع، متعمدًا أن يسمعه الجميع:
«مرحبًا بكم، أعزائي المشاهدين! لدينا اليوم مسرحية جميلة جدًا. بطلنا المنقذ جاء لإنقاذ النادل المسكين من فتاة عاهرة!»
تعالت ضحكات رفاقه، والتفت عدد من الزبائن نحو الطاولة. أما بقية الحاضرين، فراحوا يراقبون الرجل الغريب، منتظرين أن يردّ على الإهانة أو أن يفتعل شجارًا.
لكنه لم يفعل أيًّا من ذلك.
وضع هاتفه على الطاولة، وسحب كرسيًا، ثم جلس معهم بكل هدوء.
«النقاش هو أسلوب الرجال»، قال وهو ينظر إلى سايكو مباشرة. «ناقشني يا فتى. ما الذي تريد تحقيقه من كل هذا؟
لم يرفع صوته، ولم تتغير ملامحه. كان يتحدث كأنهما يجلسان في لقاء عادي، لا كأن مجموعة كاملة تحاول إذلاله أمام عشرات الأشخاص.
لكن سايكو لم يعجبه ذلك.
اختفت ابتسامته، ثم ضرب الطاولة بيده، قبل أن يدفع هاتفه بعنف. سقط الهاتف على الأرض وانزلق بعيدًا.
«لقد أفسدت الجو، أيها الأحمق! الآن سيملّ المتابعون!» لم يرد الرجل على صراخه. نهض قليلًا، وانحنى نحوه حتى صار قريبًا من أذنه، ثم همس له بشيء لم أستطع سماعه.
لا أعرف ما الذي قاله.
لكنني أعرف ما رأيته.
تجمّد سايكو في مكانه. اختفت ملامح الاستهزاء من وجهه، واتسعت عيناه قليلًا، وكأن الكلمات التي سمعها للتو لم تكن مما توقع سماعه في حياته.
لم تمضِ عشر دقائق حتى كان سايكو ورفاقه جميعًا قد نهضوا من مقاعدهم وغادروا المطعم. لم يشرح أحد ما حدث، ولم يسأل أحد الرجل عن هويته. حتى النادل الذي كان قبل قليل موضع سخريتهم وقف يراقبهم وهم يخرجون، عاجزًا عن فهم ما جرى.
أما أنا، فلم أكن عاجزًا عن الفهم تمامًا.
فقد كنت جالسًا في زاوية تسمح لي برؤية ما لم يستطع الآخرون رؤيته.
حين انحنى الرجل نحو سايكو، لم يكن وجهه هو الشيء الوحيد الذي اقترب منه. رأيت يده تتحرك تحت طرف سترته، ورأيت لمحة من سلاح أسود صغير استقر قريبًا جدًا من صدر سايكو، ملاصقًا له تقريبًا.
لم يره أحد سواي.
على الأقل، هذا ما ظننته في تلك اللحظة.
بعد ذلك، خرجت من المطعم وشققت طريقي نحو منزل جان. كان الهواء البارد يلامس وجهي، لكن ذهني ظل عالقًا في أحداث تلك الليلة. من يكون ذلك الرجل؟ وما الذي قاله لسايكو حتى جعله يغادر بهذه السرعة، هو وجماعته الذين لم يتوقفوا عن الضحك على الناس طوال الأمسية؟ كانت لديّ أسئلة أكثر مما أملك من إجابات.
لكن أكثر ما أقلقني لم يكن ما حدث داخل المطعم، بل ما حدث بعده.
حين غادرت، التقت عيناي بعيني الرجل مرة أخرى.
هذه المرة، لم تكن نظرة عابرة.
لقد نظر إليّ طويلًا، وكأنه يعرف تمامًا ما رأيته. شعرت ببرودة تسري في ظهري.
هل لاحظ أنني رأيت السلاح؟ هل يعرف أنني كنت أراقبه منذ لحظة دخوله؟ وهل يمكن أن يقرر ملاحقتي لمجرد أنني رأيت شيئًا لم يكن ينبغي لي أن أراه؟
ابتلعت ريقي، وأسرعت في خطواتي.
يا رب، كل ما أريده هو أن أصل إلى جان بسلام. لا أريد أن أكون طرفًا في مشاكل رجل لا أعرف حتى اسمه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!