تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
وضع القراءة:

الفصل الاول : الجبل

الفصل الأول: الجبل

الساعة العاشرة ليلًا، تنقطع الكهرباء بينما أُعدُّ لنفسي بيضة، مكافأة بسيطة بعد يوم طويل من العمل في متجر صغير أبيع فيه بعض مستلزمات الهواتف. أُخرج هاتفي الآيفون وأشغّل المصباح، ثم أواصل إعداد طعامي في الظلام.
يا لها من خدعة رديئة! يعطونك هاتفًا مزودًا بمصباح، ثم يقطعون عنك الكهرباء. ولماذا يقطعونها أصلًا إذا كانوا قادرين على إبقائها؟
أنتهي من إعداد البيضة وأجلس لتناولها، مستعينًا بضوء الهاتف الخافت. لا يستحق الأمر كل هذا الانزعاج، لكنني لا أجد سببًا يمنعني من التذمر قليلًا.
وبينما أتناول طعامي، يرن هاتفي. أنظر إلى الشاشة، فأجد أن المتصل هو ابن أخي، لاوين. أجيب، فيأتيني صوته مفعمًا بالحيوية:
«هاي، سيزو! هل ستأتي؟»
أسأله: «إلى أين؟»
يقول مستغربًا: «إلى المزرعة! سنذهب غدًا، ألم يخبرك أحد؟»
آه، المزرعة.
لدينا مزرعة تقع بعيدًا عن المدينة، بالقرب من الجبال؛ مكان هادئ، يخلو من هواء المصانع الملوث وضجيج المدينة.
أجيبه: «نعم، نعم، سأأتي.»
ثم يردف لاوين بسرعة: «لا تنسَ الشاحن وجهاز الفيب الخاص بي، اللذان ن تركتهما في بيتك في المرة الماضية، اتفقنا؟»
أقول: «تمام، لن أنسى.»
لاوين ذكي، وأريده إلى جانبي. سمعت أنه ينوي السفر إلى بريطانيا للدراسة، ويبدو أنه يرى نفسه سينوهي، ذلك الكلب.
هامش تاريخي: سينوهي (Sinuhe) شخصية أدبية مصرية قديمة، بطل قصة مصرية شهيرة تتناول رحيله عن مصر وإقامته في بلاد أجنبية.
إنه صباح اليوم التالي. الجو مشمس كالمعتاد، لكن هاتفي يخبرني بأن المطر قد يهطل اليوم. لا أثق به.
اتصلت بلاوين لأعرف إن كانوا قد وصلوا أم لا. لم يكن قد غادر المنزل بعد، وهذا يعني أن لدي وقتًا للاستحمام وتناول فطور بسيط قبل الخروج. فأنا لا أملك سيارة، وبينما كنت أتناول طعامي، اتصل بي أخي شاه ، والد لاوين، وطلب مني أن أستعد؛ فهم في طريقهم إليّ لكي أصعد معهم ونذهب معًا. لم تمضِ سوى لحظات حتى وصلوا.
«السلام عليكم»، قلتها كعادتي، مدركًا أن أخي لن يجيبني بـ«وعليكم السلام».
«وعليكم السلام»، أجاب لاوين.
«أهلًا بك، كيف حالك يا سيزار؟» سألني أخي.
«بخير، أشعر بالنعاس قليلًا؛ لم أنم جيدًا بسبب العمل ليلة أمس».
«لا تقلق، ستعتاد على العمل. كلنا نفعل ذلك». نعيش في كردستان. كان أخي يقود السيارة عبر شوارع دهوك، خارجًا من المدينة باتجاه الجبال. على جانبي الطريق، تنتشر اللوحات الإعلانية واللافتات الخاصة بالفنادق والملاهي الليلية، إلى جانب صور المرشحين للانتخابات ووعودهم. فتيات يرتدين تنانير قصيرة تكشف أكثر مما تستر، حتى إن إحداهن قد تكشف فرجها إذا انحنت لالتقاط شيء سقط منها. ورجال يحاولون التشبه بالنساء حتى ليبدو بعضهم أكثر أنوثة منهن. لكنني لا أريد أن أتحدث كثيرًا عما أراه. أعرف ما يدور في قلبي وعقلي، والأفضل أن أبقيه داخلي. دعهم يرون ما سأفعله بدلًا من أن أطلق وعودًا لا أفي بها. لست جرج، ولست ممن يضخمون الكلام ثم يعجزون عن تحقيقه. أنا سيزار عبد الحق الجلادي. سأفعل، ولن أتكلم.
هامش تاريخي: جرج (Grg): شخصية من الأدب المصري القديم، ترمز إلى الوعود الكاذبة والمبالغة في الكلام.
وصلنا إلى المزرعة. مكان هادئ وجميل وبسيط، تشعر فيه وكأن الجميع يعيشون في عصر قديم، بعيدًا عن التكنولوجيا والأكاذيب والتكبر وغسل الأدمغة. كانت أختي چين تطهو على نار أشعلتها باستخدام بعض الحطب، بينما كان ابنها الصغير يلعب مع الأطفال الآخرين. أما أخي مسعود، فكان جالسًا في الحديقة، يتصفح على جهازه ويشرب القهوة.
وعلى الجانب الآخر، كان عمي سيد، العجوز المزعج، وأبناؤه يتحدثون عنا وننزل من السيارة. أنا متأكد من أنهم يسخرون إما من شعر لاوين الطويل، وإما من بدلتي الكردية الأصيلة.
كان سعيد يناديني ضاحكًا. إنه الرجل نفسه الذي كسرت أنفه قبل شهرين لأنه سخر من أمي المتوفاة. وها هو يناديني الآن وكأن شيئًا لم يحدث. ومع ذلك، يظل سعيد أكثر تواضعا بين إخوته الثلاثة وعقلانية. إنه أطولهم قامة، ذو شعر خفيف وشاربين كثيفين، ويبدو كعسكري غبي. لكنه، على الأقل، أذكى من أخويه يوسف وسعد؛ أما الأخير، فكل ما يفعله هو الضحك كلما بدأ أخواه بالتنمر على الآخرين.
«ما بك يا سعيد؟ هل تريدني أن أكسر فكك هذه المرة؟» قلت ساخرًا، وأنا أنظر إلى أنفه الذي أصبح أجمل بعد أن كسرتُه.
أمسك لاوين بكتفي، وكأنه يطلب مني أن أهدأ وألا أشعل فتيل مشكلة جديدة. إنه عقلاني، لكنه ضعيف. حدق سعيد في وجهي طويلًا نسبيًا، ثم استدار ومضى مع كلابه الصغيرة نحو الحديقة، حيث كانت أمه وخالتي چين تجلسان.
«ما رأيك أن نذهب إلى الجبل بعد تناول الطعام؟» سألني لاوين.
أعرف أنه يريد اصطحابي إلى الجبل كي نتجنب الوقوع في مشكلات أخرى مع إخوتنا الملاعين. فكرة ذكية، لكنها جبانة. لماذا عليّ أن أصمت كلما رأيت أحدهم يسخر مني دون سبب؟ أليس من حقي أن أدافع عن نفسي؟
«لا تفكر...» يقول لاوين فجأة.
«وماذا تظن أنني أفكر فيه؟» أسأله باستغراب.
«أعرف أنك تفكر في أن من حقك الرد على سخريتهم. وأنت محق، فمن حقك ذلك، لكن ليس إلى درجة تحطيم وجوههم أو كسر أيديهم. هذا عقاب أكبر مما يستحقونه».
أصمت ولا أجيبه. إنه محق، لكنه لا يرى الأمور من الزاوية التي أراها منها. إذا عاقبت أحدهم بقدر ما يستحقه خطؤه، فلن يمنعه ذلك من تكراره. أما إذا جعلت عقابه أكبر من خطئه، فسيتعلم أن الأخطاء الصغيرة قد تكلّفه ثمنًا باهظًا، على الأقل عندما يتعلق الأمر بي.
أذهب لأداء صلاتي. إنه ديني، وليس من حق أحد أن يتدخل فيه، مثلما لا يحق لي التدخل في أديان الآخرين. وبينما أنا أصلي، أسمع أخي مسعود يناديني ويخبرني بأن العشاء جاهز. لا أجيبه. أنا أصلي، فكيف يُفترض بي أن أرد عليه؟
«صلاة، صلاة، صلاة! ما الفائدة من كل هذا الذي يفعله هذا الأحمق؟» أسمعه يقول ساخرًا من معتقداتي.
لا أهتم بما يقوله؛ فأنا لن أستمع إليه على أي حال. لكن ثمة سؤالًا يلحّ عليّ: هل يحق له حقًا أن يتحدث عن معتقداتي بهذه الطريقة؟
أنتهي من صلاتي وأجلس إلى مائدة العشاء. الجميع منهمك في التهام طعامه، وكأنهم خنازير لم تأكل منذ ثمانية أيام.
بعد العشاء، أخرج من المزرعة وأتمشى على الطريق المؤدي إلى الجبل، بحثًا عن مكان أستطيع فيه التدخين براحتي. وهناك ألتقي بلاوين.
ننطلق معًا نحو جبل باكوز. إنه ليس مقصدًا سياحيًا، ولا يقصده الناس عادة إلا للصيد أو التنزه أحيانًا. يبلغ ارتفاعه نحو ألف وسبعين مترًا، ونحمل معنا ما يكفينا من الماء وبعض الطعام لنتناوله خلال فترات الاستراحة.
التسلق ممتع للغاية. لقد صعدت هذا الجبل أكثر من عشر مرات، ومع ذلك لم أشعر بالملل منه قط. في كل مرة أتسلقه، أشعر بثقل الحياة وصعوبتها، لكنني أشعر أيضًا بلذة التحدي ومتعة لا أجدها في أي مكان آخر. ربما لأنني، في أثناء التسلق، أكون مضطرًا إلى مواجهة الطريق أمامي بدلًا من الانشغال بكل ما يثقل رأسي.
عندما نصل إلى القمة، أجلس على حافة صخرة ضخمة في جهتها الأمامية. القمة واسعة إلى درجة تجعل المرء يتخيل إمكانية بناء بيوت فوقها. أما في الجهة الخلفية، فيمكننا رؤية قرية بعيدة لا أعرف إن كانت تقع داخل كردستان أم خارجها، بل ربما كانت قريبة من الحدود التركية.
«لماذا لا تجلس؟ هل أنت خائف؟» أسأله ضاحكًا.
أعرف أن لاوين يخاف المرتفعات، ولذلك يقف على بُعد أربعة أمتار مني على الأقل، بينما أجلس أنا على حافة الصخرة، تاركًا ساقيّ تتدليان في الهواء.
«أتريد قتلي أم ماذا؟» يسألني بقلق، ثم يضيف: «كفّ عن المزاح يا سيزار. أريد التحدث معك في أمر مهم».
أعرف ما يريد قوله. إنها الرحلة الأخيرة، بالتأكيد.
«وأنا أيضًا أريد أن أخبرك بشيء، لكنني أريد أن أتكلم أولًا. ما سأقوله لك لن يعجبك على الأرجح، وربما يكون عكس ما تريد سماعه تمامًا، لكنني سأقوله على أي حال».
يصمت لحظة، ثم تتبدل ملامحه ويحدق بي باهتمام، منتظرًا أن أبدأ.
«تفضل»، يقول.
يخلع معطفه ويفرشه على العشب، ثم يجلس فوقه.
«ما رأيك بالديمقراطية؟ وماذا عن الليبرالية يا لاوين؟» أسأله.
«أكرههما».
«والحرية؟» أتابع.
«أكره أن تكون بلا حدود. لا أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يكون حرًا بالكامل»، يجيب، وقد ارتسمت الجدية على ملامحه.
«إذًا، لماذا تريد الرحيل؟ لماذا لا تبقى معي وتؤيد ما أريد فعله؟» أسأله بهدوء.
«الرحيل؟! أنا لا أهرب، يا سيزار. أنا أريد أن أبني حياة سعيدة وناجحة في بريطانيا. أستطيع النجاح هناك، بل أستطيع حتى دخول عالم السياسة مستقبلًا. علاماتي من بين الأعلى في الدولة، لكن هذه الشهادات لن تمنحني شيئًا هنا. في بريطانيا، أستطيع بناء حياة كاملة والزواج من آيا دون أن أواجه المشكلات نفسها التي سأواجهها هنا. أما كردستان، فلا أرى أنها ستمنحني ما أطمح إليه».
يبدو غاضبًا من كلامي، وكأنه يرى أنني أختزل أحلامه في مجرد رغبة في الهرب.
والحقيقة أن كلامه منطقي. أمامه فرصة لبناء مستقبل يريده، بينما يقتضي البقاء أن يتخلى عن كل ما ينتظره في الخارج، حتى عني أنا. أما الطريق الذي أعرضه عليه، فلا أستطيع أن أضمن له فيه شيئًا سوى احتمال أن يلقى حتفه يومًا على يد سياسي فاسد لأنه تجرأ على قول الحقيقة.
«أنت تعرف ذلك، أليس كذلك يا سيزار؟» يتابع، وكأنه يقرأ أفكاري. «أنت تعرف أنك تنتحر بهذه الفكرة، أليس كذلك؟»
«لا أهتم، ما دمت أحقق ما أريده».
لا أملك حجة أستطيع بها تبرير موقفي. لا أستطيع أن أعده بالنجاح، ولا أن أضمن له النجاة. كل ما أستطيع تقديمه له هو طريق قد ينتهي بالموت
«أفهمك. أنت لا تهتم بحياتك ما دمت قادرًا على فعل ما تريد. لكن ماذا عن الأشخاص الذين تريد أن تجمعهم حولك؟ لنفترض أن شابًا يمتلك مستقبلًا رياضيًا واعدًا انضم إليك، ثم مات بسبب قرار اتخذته أنت. ماذا ستقول لنفسك حينها؟ وماذا ستقول لأهله؟»
أصمت لحظة. ثم أضع يدي على صدري، كأنني أحاول أن أستخرج الكلمات من أعمق ما في داخلي.
«أتعرف لماذا أرى أن كلامك خاطئ؟ لأنك لم تعش ما يعيشه أطفال غزة الذين يموتون جوعًا وخوفًا! لم ترَ ما تعرضت له الفتيات المسكينات اللواتي اغتُصبن في سن صغيرة على أيدي سياسيين ملعونين في جزيرة ما! لم ترَ رجلًا يُعدم لأنه نصح صديقه الشاذ بأن يسترجل! ولم ترَ فتاة صغيرة ترتدي الحجاب، فيُقتل والدها بحجة أنه أجبرها على ارتدائه. وحتى لو كان قد أجبرها عليه، فلماذا لا يُعاقَب بالسجن أو بالغرامة بدلًا من أن يُقتل وتُترك الفتاة المسكينة بلا أب؟ كم من الناس سُجنوا وعُذّبوا وقُتلوا وصُلبوا وأُعدموا حول العالم تحت شعارات الحرية والليبرالية؟ لو كنت مكانهم، فهل كنت ستظل متمسكًا برأيك هذا؟» قد أكون مخطئًا، وربما أكون قد بالغت في بعض ما قلت، لكنني لن أصمت. ليس بعد الآن.
يضع لاوين يده على جبهته ويتنهد طويلًا، ثم يقول:
«حسنًا، لنفترض أنك محق. ماذا تريد مني أن أفعل؟»
أخيرًا! هذا ما كنت أنتظره. كنت أريد منه أن يطرح هذا السؤال تحديدًا.
«أريدك أن تفعل ما تشاء الآن. أمامك ثماني سنوات لتبني حياتك كما تريد. وبعدها، سأذهب إلى بريطانيا وآتي بك معي، حتى لو كنت متزوجًا حينها. سأعيدك إلى كردستان، وسنبدأ معًا ببناء الإمبراطورية التي نحلم بها».
يمد يده نحوي ويقول:
«لا أظن أنك ستنجح، لكن إن فعلت، فأنا معك».
أمد يدي وأصافحه، مثبتين بذلك وعدنا.
لقد انتهى وقت اللعب.
والآن يبدأ وقت الجد، يا أصحاب الحرية.
4 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.