وضع القراءة:

الرواية الثالثة: على نهر الحرية.

"على نهر الحرية."
الفصل الثاني.
عندما حل العصر اتى ميشال الى بيته
دق الباب دقتين فخرج وفتح له الباب ودعاه للدخول، بدا يبتسم فور رؤيه ميشال.
دخل ميشال الى البيت وكان يبتسم له ويسلم عليه، جلس على الاريكه وجلس بجانبه وكان يبدو على ميشال الفضول والترقب حول الموضوع الذي اراد التحدث عنه، واما هو كان متحمس كي يتكلم عن الموضوع.
_"اذن اخبرني ما موضوعك؟ تبدو متحمس.. هل بسبب الموضوع ام بسبب انك سوف ترويه لي؟.."
قالها باغاظه قليلا. ولكن لم يهتم كما اهتم للموضوع.
_"ربما الاثنين؟.. لايهم هذا. سوف اخبرك عن شي انا احلم به منذ زمن. هل تعرف ماهو؟.."
بدا جادا هنا. فعدل ميشال نفسه.
_"بصراحه لا اعرف.."
ابتسم له قليلا.
_"انها الحريه.. الحريه يعني طائر يحلق فوق القيود.. يعني ان يتحرر من كل هذا. يعني ان يتخلص من كل هذه الانانيه في العالم."
انصدم ميشال قليلا فلم يعرف انه كان يطمح للحريه. رمش عده مرات. ولكنه تفهمه وابتسم معه.
_"وماهو مفهوم الحريه بالنسبه لك؟.."
تحمس بسبب سؤاله فاجابه بفرحه.
_"ان تكون على بحر!.."
اجابه ببساطه. كان ميشال مرتبك قليلا.
_"ولكن كيف تريد ان تذهب الى البحر؟.."
_"سوف اجمع بعض المال للرحله سواء من الذهاب او العوده، سوف نذهب هناك سويا!.."
_"تريدني معك؟.."
_"اريدك معي وان نرى الحريه سويا.."
صمت ميشال قليلا مع انه لايزال يبتسم.
"اخبرني ماهي نظرتك للحريه؟.."
_"الاجنحه.."
ادار راسه قليلا، لم يفهم.
_"اخبرني بالمزيد.."
ابتسم قليلا.
_"الفلسفه العظيمه عن الحريه.
ارتباط الاجنحه بالحريه، وتشبيه الحريه بالاجنحه فكره عميقه وليست خيال، بل مجرد فكره عميقه عن مشاعر حقيقيه."
ابتسم ميشال، كان مستغربا ايضا ويشعر ببعض الارتباك.
_"اذن ماتحاول قوله ان الاجنحه هروب من واقع؟"
_"لا، الاجنحه ليس الهروب من الواقع كما يظن البعض، ولكن هي فكره عن "الطيران حرا كالطير" الطير لا يهرب، بل يبحث عن وجود مكان يلائمه في السماء تليق به، يجد مكان مناسب ويجد فيه الامان ويبني فيه عشاً..
الحريه ليست بالهروب، وليست "التغير للاسوء"، انها النقاش والمواجهه، مواجهه كل مايعيبك ويعيقك."
ابتسم قليلا كما لو انه يحاول فهم ما يقوله.
_"اذن انه نقاش عن جوهرك!.."
_"صحيح! انه نقاش عن جوهرك الحقيقي. نقاش لتعرف حقيقتك لا ان تهرب منها."
صمت ميشال كما لو يفكر، فساله بفضول:
_"لماذا يهرب الانسان؟.."
_"يهرب الانسان في ضلاله كي يجد فيها الراحه والطمئنينه، لكن مايجده هو "اليأس"، حتى لو انقلبت عليه الاقدار يظن انها سوف تنتهي وهي سوف تنهيه، وبالنهايه يعود وحيدا، محبط، حزين، منهك."
ابتسم ميشال فقال:
_" مثل شعور بانه مقيد، صحيح؟.. لقد ذكرت هذا من قبل.."
_"صحيح لقد ذكرته.. واعني به ان قراراته ليست بيده وهو مقيد باشد القيود ويظن انه حرا، وهو في قفص اصغر من حجمه هو.."
كان ميشال يستمع لكل كلامه، فقال:
_"بالتفكير بذلك اتى ببالي هذا، "من يهرب من تلك الذكريات سوف يكون سجين عمره".. لذلك كلامك منطقي بطريقه ما."
بدا وانه يفكر فقال:
_"الشخص الذي ينهي نفسه بنفسه يكون صراع بين نفسه القديمه والجديده، القديمه تعاتبه لانه اصبح اسوء ما كان يكرهه، الذي يقتل الانسان هو عتاب من شخص قديم.
بعضهم يهرب منها، وبعضهم يعجز منها، وبعضهم يقف بصمت لايرد اساسً.. لذلك لايمكنه الطيران حرا. فانها تمطر بغزاره في داخله.."
سمع ميشال، ولكنه كان صامت للحظه.
_"اذن.. تريدني ان اذهب معك الى البحر كي نرى الحريه معا؟.."
فكر قليلا.
_"لماذا؟.."
استغرب قليلا ولكنه اجابه:
_"ماذا تعني ب "لماذا؟" يجب ان نكون
سويا. يجب ان ترى ما اراه معا.."
فقام من مكانه وامسك بايدي ميشال بحماس، وكانه وعد صامت.
_"سوف نكون احرارا كالطيور وعميقين مثل البحر.. فلنكن احرار يا ميشال!.."
تنهد ميشال وابتسم له، وكانه مرتاح من شي ما.
_"نعم! فلنكن كذلك."
صمت ميشال قليلا فقال بمضايقه له:
_"ولكن انت لا تعرف السباحه هل
سوف تكون بخير اذا غرقت؟.."
نظر له وتنهد.
_"سوف اكون بخير معك.."
ضحك ميشال قليلا. اكملوا كلامهم سويا وخرج ميشال من بيته وكان مرتاح البال ووسع الصدر.
عاد ميشال الى بيته وعندما دخل الى منزله لاقى ظرف على الارض، اخذه وخلع معطفه ودخل الى البيت كي يرتاح. جلس على اريكته واراد ان يرمي الظرف على الطاوله ولكن توقف للحظه وقرأ ممن ارسل هذا الظرف، فوجده كان من والدته التي تسكن في مدينه اخرى. فتح الظرف وقراء مابداخل الظرف.
"الى عزيزي ميشال.
انا اكتب لك هذه الرساله وانا ارتجف خوفا على والدك واخوانك الاصغر سنا. مدينتك تخوض حرب ولا اعلم ان كنا سوف نعيش لغد ام لا، ولا اعرف ايضا هل نستطيع ان نغادر ام لا. لذلك يا ميشال سوف ارسل لك رسالئي كل اسبوع. واذا لم ارسل لك اي رساله فاعلم بانني مت.. انا وابوك نكتب هذه الرساله حاليا."
قراها ميشال وكان في وتيره القلق والصدمه، قام من اريكته وكان يتمشى ذهابا وايابا في مكانه ويقراء الرساله مره بعد مره، ويتمنى ان يكون في حلم وان يستيقظ بسرعه منه. ولكنه ليس طفل فعلم انه حقيقي، جلس على اريكته وكانت قدمه ترجف من القلق اذ كان مضطربا جدا.
حاول تهدئه نفسه وعندما هدئ كان يعلم ماهي خطته القادمه بالفعل.
في اليوم التالي عندما كان يتجهز للذهاب الى العمل وجد على الارض ظرف ومكتوب به من ميشال فلقطه بسرعه وفتحه، كان يظن انها مجرد ظرف عادي وليس بشي مميز ولكن الذي جعله يفكر بالظرف بانه يلتقي بميشال كل يوم، اي يستطيع ان يتكلم معه باي وقت فسال حاله "لما الظرف؟" عندما فتح الظرف واخرج الرساله منه وقرائها كانت تحتوي على:
"الى صديقي.
انا عائد الى دياري. والى عائلتي سوف اعود الى المدينه حالما تنتهي الحرب هناك. سوف اشارك فيها وسوف استمر بارسال الرسائل لك.
اما الان اريدك ان تذهب الى بيتي وتاخذ الدفتر الموجود في الرف الثاني ووضعت لك مفاتيح الرف مع الرساله. فقط عدني بانك لن تقراء الدفتر الا عندما اقول لك بانني سوف اعود.
وحالما اعود سوف نذهب سويا الى البحر وهناك يمكنك ان تقراء دفتري بهدوء.
من ميشال."
قرائها بهدوء تام. كان يحدق بجفاف، لم يتحرك من مكانه وكان يقرائها مرارا وتكرارا ولم يبدي اي رده فعل فلم يعرف ما رده الفعل التي يجب ان يفعلها الان. عاد الى الظرف ولاقى المفتاح فاخذه معه. كان يحاول اقناع نفسه بانه سوف يعود سالما له لان ميشال لا يخلف بوعده.
ذهب الى بيته ذلك اليوم ودخل الى البيت بعد ان بحث فيه وجد الرف اخيرا الذي كان في غرفته، امسك بالمفاتيح وفتح الرف ووجد دفتر كان مزخرف ويبدو وكانه مثل الدفاتر القديمه الجميله او الغاليه. كان له فضول ان يفتح الدفتر ولكن قال بنفسه بانه سوف ينتظر عوده ميشال. اخذه وعاد به الى منزله.
بعد مرور سنه من التواصل بالرسائل وتبادلهم بالرسائل واخبار بعض.
واخيرا انتهت الحرب في المدينه هناك. وعندما لاقى رساله ميشال التي كتب فيها بانه سوف يعود وان الحرب انتهت من المدينه، ارسل له الاوراق التي وعده بانه سوف يجعله يقرائها في يوم ما. كانت اوراق قليله ولكن في صفحاتها كلمات كثيره تشرح وتعبر عن كلشي يحدث بداخله. وصلت الرساله الاخيره من ميشال. وقال بالرساله:
"سوف اعود قريبا، ولكن اريدك ان تاخذ دفتري معك الى البحر وحدك وتقرائه هناك. سوف اكون بانتظارك فانا يمكنني ايجادك هناك. وقرائت اوراقك وكان اجمل ما قرائت حقا، تعبيرك عن كلشي كان جميل جدا. وانا اعلم بان تلك الكلمات كانت لي، وشكرا لك لكل كلمه طيبه قلتها لي
من ميشال."
وهنا تنتهي الرساله.
فرح ما كتب بالرساله، وعوده ميشال كان شيء منتظر منذ سنه، اذ جلس مرتاح البال لاول مره لدرجه غفى على نفسه ولم يعلم حتى استيقظ متاخر. قام مسرعا من مكانه وارتدى ملابسه بسرعه. كان مستعجل على الحجز.
حجز اقرب رحله للذهاب الى هناك عبر القطار. فكان متحمسا جدا ومعه فقط الدفتر وبعض النقود التي تكفيه للشراب ولماء هناك وفي حالات الضروريه فقط. وصل القطار فدخل داخل القطار وجلس في مقعده وانتظر حتى اقلع القطار.
كان في داخل القطار الذي يتحرك بسرعه وينظر من خلال نافذه القطار فراى مناظر خلابه للطبيعه الجميله اثناء رحلته، فكان فرح للغايه. وصل الى هناك فنزل القطار وبدا يتمشى وعلى وجهته مباشره الى البحر، فطلب سياره اجره. صاعدا الى السياره الاجره وفي منتصف الطريق تكلم السائق قائلا له:
_"هل انت متاكد ايها الشاب؟.. فالبحر اليوم ذو امواج وربما تمطر فيما بعد.. فماذا لو غرقت؟.."
_"شكرا لقلقك علي ايها العم. ولن اقترب من البحر هكذا انا فقط سوف انظر له من مكان امن.. وصديقي ينتظرني هناك.."
_"صديقك؟ يبدو انك فرح لانك سوف تراه هناك، اليس كذلك؟.. اذن انتبه على نفسك يا ولدي.."
_"حاضر يا عم.."
وصل اخيرا الى البحر وكان متشكرا الى سائق الاجره فذهب سائق وبقى هو، كان ينظر الى البحر بتعمق فبدا يتمشى واقترب من البحر قليلا. فنظر حوله ولكنه لم يرى ميشال في اي مكان على الشاطئ فاستغرب وظل يبحث وينظر حوله. ولكنه قرر الانتظار. ولكن لم يضهر احد وكان البحر ذو موج عالي ذو حركه مضطربه. استمتع قليلا بروئيه الموج في البرد مع اجواء مضلمه وكانها سوف تمطر فيما بعد. قرر ان يخرج الدفتر من حقيبته فكان يبتسم فجلس على الرمال وفتح الدفتر واول شي قرائه في الدفتر هو.
"اذا تقرا هذا الدفتر.. اذن انا ميت."
كانت هذه اول عباره يقراها في الدفتر فسقطت ابتسامته وبدا وكانه مصدوم مما يقرائه.
قام من مكانه ووقف وبدا يقراء الدفتر صفحه تلوى الاخرى اذ كانت محتويات الدفتر عن كيف كان هو سعيد بمعرفته وكل ذكرياتهم معا في الدفتر. وفي اخر صفحه للدفتر كانت مكتوبه وصيته.
"وصيتي هي ان يقراء صديقي هذا الدفتر وهو على البحر. وصيتي هذه لصديقي فقط، لصديقي..."
قرائها وكان صوت الموج يضرب الاذن. فجلس على الرمل واستلقى فيه ووضع الدفتر بجانبه ففكر.
_"اذن انت لم تكتب تلك الرساله.. انت لم تكمل تلك الرساله.. ولكن انت تريدني ان اعيش هذه الحريه. لقد قلت لي ذات مره من يهرب من ذكرياته سوف يكون سجين عمره. انا سجين عمره. انا لا افهم عن الحريه شي. وانا الطائر الذي حلق فوق القيود ولكنه تعب من التحليق فضل على وتيرته هذه الى ان سقط في القيد نفسه واقنعت نفسي بانني لازلت حر.. وما انا الا شخص مقيد بذكرياته.. ووعدي الذي لن يتحقق ابدا.."
بدا يضحك ومع بداء ضحكه بدات تمطر. فانهمرت دموعه على وجنته.
_"..ظننت انني ابكي على نفسي.. ولكني ابكي على روح لم اراها. وعلى ذكريات قديمه خلفت لي جروحا لا تشفى.. وهاهو الان جرح مثل قطعه فاس.."
مع بداء بكائه اذ كان منهارا في الرمل المبتله، ولان الرمل مبلله لا يستطيع ان يختفي فيه، فقام من على الرمل وذهب واتجه الى البحر.
واما الدفتر لايزال مكانه. ما من احد يلتقطه. فابتل في المطر فذهب تحت الرمال فلم يجده احد فابتلعه البحر، فالبحر ذو عمق يتسع لابتلاع اسرار لاتسمع.
_"النهايه."
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.