وضع القراءة:

الرواية الثالثة: على نهر الحرية.

"على نهر الحرية."
الفصل الاول.
خرج شاب كان يبدو في 26 من عمره متعجلا في وسط زحمه الناس وفوضتهم.
كانت مدينه مملوءه بالفوضى، كانت الناس تتداحج فيما بينهم دخولا وخروجا من الشركه، فخروجك من تلك العتمه يكون انتصارا حقيقيا. خرج الشاب من تلك العتمه بصعوبه اذ كان متعرق ومختنق بسبب تلك الحشود، كان يتنفس ببطئ، بعد ان هدئ نفسه وحاول اكمال طريقه ليرى وجهته، بالخطئ خطى على صخره وكان على وشك السقوط على وجهه بالارض لولا مساعده صديقه والامساك به قبل ان يسقط، امسك به صديقه جيدا واجعله يستند عليه ويعدل نفسه، بينما كان صديقه يبتسم كان الاخر يتنهد مرهق من العمل.
لاحظ علامات التعب والجهد على صديقه، فقال له مبتسما:
_"ماحالك؟ تبدو حزين جدا يمكنك اخباري بما يضايقك بينما نتمشى، سوف اسمعك دوما.."
نظر له ولاحظ ابتسامته واشراقه المعتاد، فاجابه:
_"من اين لك هذه الطاقه؟ انا حقا اتسال كيف تاتي لك هذه الطاقه، يا ميشال؟.."
عبس ميشال قليلا، ولكنه ابتسم وبسرعه مجددا، فقال:
_"وماذا في ذلك؟ لا شي يستحق ان نحزن له. والان اخبرني، ماذا جرى معك؟."
_"قصه طويله جدا، الشركه تصبح خانقه اكثر واكثر، لا اعلم لماذا لازلت بها واعمل بها كل يوم مثل الغبي.. لاشي هناك صحيح.."
صمت قليلا فقال:
_"حتى انا.."
استمع ميشال لكلامه بدقه. وضع يده على كتفه وطبطب عليه وبدا يسيرون سويا مثل كل مره. واثناء سيرهم كانوا يتحدثون، فكان ميشال يستطيع دائما ان يغير مزاجه، وكان هو الوحيد من يستطيع فعل ذلك له. فكان هو متعكرا المزاج ولكن عندما يصبح مع ميشال يبدا بالكلام والضحك معا. فكان ميشال صديقه الوحيد الذي فهمه، اذ كانوا اصدقاء منذ الابتدائيه، لذلك علاقتهم وتيده. قال ميشال:
_"...لذلك قلت له بالا يتتدخل بشؤون غيره وان انفه في وجهه لا مع الاخرين."
ضحك قليلا. وبدا عليه الراحه والسعاده قليلا. اذ كان مرتخيا حتى في مشيه، وكان يسعل وبدا عليه علامات القشعريره، كان ميشال يحدق فيه للحضه فساله قالا:
_"مابك ميشال تحدق بي؟.."
_"هل انت مريض؟.."
_"لا. لا اعتقد ذلك؟"
رفع حاجبه غير مصدق كلامه، وضع يده على وجنته وعلى راسه كي يتفحص درجه حرارته، وبدا انها مرتفعه جدا، اذ يبدو انه مصاب بالحمى. فاجابه ميشال:
_"هل تكذب علي؟.. ها انت مريض. قلت لك اردتي ملابس اكثر، سوف ابقى معك اليوم اعلم انك لن تهتم بصحتك.."
همهم قليلا وكان ينظر بعيدا.
_"لست ملزما على ذلك، وسوف اعتني بنفسي لا تقلق علي، اقلق على نفسك.."
تنهد ميشال وقرص خده، لا بلطف ولا بقوه. فاكمل طريقه هو، فتنهد وادار عينه فلحقه. كانا ذاهبين الى منزله واما هو كان يقنعه بان مامن داعي ان ياتي معه وانه يستطيع ان يعتني بنفسه ولكن ميشال لم يستمع له، فقال بنهايه كلامه:
_"اخر مره قلت هذا كنت في حاله يرثى لها هل سوف تعيد تكرار تلك المره؟.."
صمت ولم يجب عليه وكان افعاله كشفت، استمتع ميشال بالهدوء وساروا بصمت.
سارا الى المنزل، وعند دخولهم الى المنزل ونزع احذيتهم وتعليقهم لمعاطفهم الرسميه. دخل ميشال الى البيت وذهبت الى المطبخ كي يعد طعام وبعض كمادات لخفض الحراره والتاكد من وجود الادويه المناسبه، واما هو الاخر ذهب صاعدا الى غرفته ابدل ملابسه واستراح في فراشه محدقا بالسقف وكانه ينظر الى الفراغ، وكانه وحيدا في هذا العالم ومامن احد معه في مكانه المظلم، فغرفته كانت دوما بارده ومظلمه لسببا ما. مع ان تحديقه كان بلا هدف.
لم يعلم كم مر من الوقت اذ كان لايزال يحدق ومن قطع تحديقه صوت ميشال يناديه كي ياتي ويتناول الطعام الذي اعده ميشال له.
قام من مكانه وكان مرهق مع ارتفاع درجه حرارته، اسند نفسه وقام من مكانه ونزل من الدرج ذهب وجلس في طاوله الطعام، اذ كان بلا روح يحدق بهدوء، انتبه الى رائحه الاكل الزكيه، كان ميشال دائما طباخ ماهر. نظر نحو زاويه ميشال وراه كيف يسكب الطعام بالاطباق، وكان عينه على الطعام الذي يقدمه ميشال ناحيته، مع انه طبق عادي لكنه في نظره كان طبق ذهبي لا يفوت، جلس ميشال ايضا واذ كان في الناحيه المقابله له، بدا ياكل بالطعام مستمتعا بلذته وكان ميشال ينظر ويتفقده كل خمس دقائق كي يتاكد انه ياكل، كان يريد ان يتحدث معا في طاوله الطعام ولكن كان استمتاعه بالطعام اكثر لذلك لم يتحدث معه، انتهوا من الطعام، كان يريد ان يغسل الاطباق عنه ولكن ميشال اوقفه وقال:
_"من سمح لك بهذا؟ انا من سوف يفعل هذا اما انت اذهب الى غرفتك سوف اتبعك بعدما انتهي، كي اتاكد من انك تاخذ الدواء، سوف ابقى اليوم كله هنا لذلك لا تقلق.."
صمت ولم يرد فكان تعبه اقوى من الرد والجدال معه. ذهب صاعدا الى غرفته واستلقى في سريره، نظر نحو النافذه الصغيره الموجوده امامه. يحدق فيها اذ كان بوسعه ان يرى الطيور كيف تحلق في الهواء الطلق. فاستلقى في سريره ويحدق في السقف بهدوء وكانه ينظر الى فراغ ما. وكانه مفصول عن هذا العالم وشردانه من العالم توقف حالما ميشال اتى وكان ينبه عليه:
_"مابك شارد؟ هل بسبب الحمى؟.."
_"لا لا، هذا لا شي.. ماذا تفعل هنا؟.."
_"الم اقل بانني سوف اتي اليك حالما انتهي من غسيل الاطباق؟ وها انا هنا، هيا خذ دوائك وبعدما تاخذه استلقي سوف اضع عليك كمادات.."
اخذ الدواء الذي اعطاه ميشال مع كاس ماء، شربه وعاد مستلقيا في فراشه، كان ميشال مبتسما لانه استمع لكلامه فعلا، اخذ بالكمادات ابعد شعره عن حاجبيه ووضع الكمادات. لاحظ ابتسامته ولمعانه المعتاد، فقال:
_"انت!."
_"ماذا بك؟.."
_"تبدو كالام الان.. هل تعلم هذا؟.."
_"وماذا في ذلك؟.."
تنهد وادار عينه.
_"لاشي. لايهم سوف انام. اشعر بالنعاس."
ابتسم ميشال:
_"حسنا اذن دع الباقي لي.."
نام هو بعمق واما ميشال بدا يعمل في المنزل وتعديله وترتيب الاغراض، مع انه غير ملزم بذلك.
في اليل مع عتمته وبرده كان ميشال يغير كمادته بانتظام، ولكن عندما كان في الاسفل لم يدرك بانه غفى على نفسه في الاريكه، اذ كان مكشوف بلا غطاء كان متعب هو الاخر.
استيقظ ميشال في منتصف الليل ووجد بانه ملتف حول بطانيه، انتبه على ضوء خارج من مكتب صديقه الذي كان يخرج من طرف الباب، استغرب قليلا وبدا يفرك عينه اذ كان يتثاب. قام من الاريكه واتجه نحو المكتب.
فتح الباب ببطئ وراى صديقه يكتب في الورق وبدا عليه علامات الاضطراب اذ كان يرتجف.
حدق فيه ميشال فذهب اليه بهدوء وتحدث وقال:
_"ماذا تفعل في هذه الساعه المتاخره؟ وماذا تكتب؟.. لا اظن ان عليك الخروج من فراشك انت لست في.."
قاطعه صوته:
_"ليس من شانك!.. فقط.. دعني وحدي.."
لم يعجب ميشال ما يحدث ولكنه كان ايضا مستغربا لم يتحدث معه هكذا من قبل.
_"ماذا يحدث معك؟.. اخبرني انا اسمعك دائما.. انا هنا لاجلك.."
_"انا فقط.. لا استطيع نسيان تلك الذكره.. انها فقط تلاحقني ككابوس كل يوم تحت وسادتي.. لا اعلم مايحدث معي.."
_"لا باس انا معك. سوف ابقى كذلك. كلنا لدينا ذكريات لا نريدها ولكننا نتقبلها. حتى وان كنا لا نريد ذلك.. وربما يكون صعب عليك تقبل هذه الذكريات.. ربما سوف تشعر بالضيق والضغط منها وتتمنى بانك لم تعشها. ولكنها حصلت بالنهايه.."
_"هل يمكنك ايجادي اذا ضعت؟.."
استغرب ميشال من السؤال وفكر قليلا.
_"لا اعلم ولكن لا استطيع ان اجيبك حاليا.. لا اظن بانك بوضع يسمح بان اجيبك. سوف اجيبك لاحقا اما الان عد الى غرفتك.."
كان يضغط على انفه غير مستقرا نفسيا، واما ميشال فانحنى حتى وصل الى نفس مستواه ووضع يده على ضهره اذ كانت تتطبطب عليه بلطف ويحاول ان يخفف عنه كلشي. لم يسعه هو الا ان يضرب المكتب بيده بقوه حتى تناثرت كل الاوراق على الارض وكان واقفا مكانه يتنفس بضيق. بدا يبكي او حاول الا يبكي امامه. لم يرد ان يبدو ضعيفا هكذا. وعندما ميشال حاول احتضانه بدا يدفعه بعيدا ولكن ميشال لم يستجب لكل هذا مع انه دفع الى الارض ولكنه سحبه معه وحاول الامساك به وتهدئته.
لم يعلم ميشال هل كانت لحظه غضب منه؟ او لحظه ضعف منه؟ او لحظه خروج مشاعره المكبوته بداخله؟.
سيطر عليه ميشال اذ كان بحاله مضطربه ويبدو عليه علامات الخطر وكانه مستعد لكسر اي شي موجود امامه. فاحتضنه ميشال وكانت تراوده الكثير من الاساله على ماذا يحدث لصديقه؟ ولكنه ترك الاساله وركز على الحظة الحاليه، اذ كان صديقه يبكي ويشهق وكان لا من هواء هنا.. يبكي في حضنه لاول مره، ك بكاء رجل فاقد، حزين، كان كالطفل الذي يبكي ويذهب جاريا الى ابويه.
_"اهدئ هيا انا معك. لا باس يمكنك البكاء.."
لم يسمع ميشال اي شي فقط صوت انين وبكاء، مع ان من اقواله "من العيب ان يبكي الرجل" ولكنه ها هو الان يبكي ولكن لا يشتكي، هدئه ميشال الى ان اخذه الى غرفته ونام هناك بهدوء.
عاد الى المكتب مع ان الفضول باقي عن ماكتب في الاوراق ولكن لم يرد ان يقرا ما بداخل الورق ايضا، كان فقط شي يمنعه من فعل ذلك.
رتب الاوراق ترتيبا ثم اغلق النور وخرج من المكتب واغلق الباب ولم ينظر ورائه وكان ماضي ولم يرد ان يطلع عليه مره اخرى.
في صباح يوم التالي، استيقظ ميشال على رائحه طعام شهيه، نظر نحو المطبخ واذ كان صديقه يعد له الافطار، كان يبدو مختلفا عن البارحه، مع ان عينه لازلت حمراء، ولكنه فقط يبدو مختلفا، وكان شي كالحاجز انكسر عنه فهو يبدو اقل تعبا وتنهدا.
قام من الاريكه وكان يتثاؤب ولايزال يبدو عليه علامات النعاس ولكنه ذهب واغسل وجهه وعدل نفسه ثم خرج وذهب وجلس في طاوله الطعام وفور ذلك قدم له الطعام.
_"شكرا لك!.."
لم يرد عليه بل ضل صامتا، جلس في الجهه المقابله له وكان ينظر الى الطعام بلا هدف، كان يشعر بالعار بسبب فعلته البارحه. مع ان ميشال كان ياكل فلاحظ ان صديقه لا ياكل من الاساس فقط كان ينظر الى يديه. فساله:
_"لماذا لا تاكل؟.. ولماذا تحدق بيدك؟.."
_"انا.. اشعر بالندم بسبب البارحه.."
_"لماذا تقلق بشان هذا؟.. لم يحدث شي اساسا، هيا دعك من الندم كُل.."
_"ولكني ضربتك.."
_"اذن؟.. ضربك ضعيف على اي حال.."
قالها بضحك. نظر له بعدم تصديق، تنهد وبدا ياكل بصمت. قاطع الصمت ميشال.
_"سوف اعود لزيارتك اليوم في العصر. اي حالما انتهي من العمل واما انت لا داعي لان تذهب الى العمل ابقى في المنزل اليوم.."
همهم قليلا وكانه يفكر في شي ما. فقال مبتسما.
_"اذن عليك ان تاتي عصر اليوم! هذا سوف يكون رائع، سوف اخبرك بشي لم اخبره لاحد من قبل!.."
ابتسم ميشال مع ابتسامته وكان سعيدا لان صديقه ابتسم هكذا.
_"جيد اذن انا متحمسا لما سوف تخبرني اياه.."
_"ولكنه سوف يبقى سر!"
_"لن اخبر به احد اعدك.."
_"جيد!.."
اكملوا طعامهم وبينما هو يغسل الاطباق غادر ميشال الى العمل. فبقى هو وحيدا في المنزل.
بدا يعدل ويرتب في البيت ولم يكن هناك الكثير لفعله فميشال فعل كلشي مسبقا فكانت الاغراض مرتبه كما ارادها هو.
عندما اصبحت الضهيره ذهب وجلس على حافه النافذ، يحدق وبيده صوره لابيه وهو كان معه، فهذه الصوره التقطت عندما كان هو عمره عشره سنين. وهذه اصبحت عاده طبيعيه عنده، فاصبحت من روتينه اليومي.
كان جالسا يفكر وكان العالم صامت بالنسبه له. كان مستمتع، او ربما حزين، او ربما يفكر. لا يعلم مايفعله كل مره ياتي هناك وكانه مكان حبس فيه فتعلقت كل ذكرياته معا.
_"انا احدق في صورتك واتمنى بان لايكون هذا انا.. انا لست مثل ماكنت عليه معك. فماذا حدث معي؟.. هل تعلم كم بكيت كالاحمق عليك ذلك اليوم؟.. لا اعلم كيف نمت ذلك اليوم بعد ليله بارده ومظلمه من فراقك. لقد فارقتني ولم اودعك حتى ولم تكلمني ذلك اليوم. وكم اتوق الى يوم كان ماضي ولكن سوف يحدث مره اخرى ومن جديد. ولكن سوف اعلم انا من اقابل هناك واعلم ماذا سوف افعل. وينتهي يومي.."
كان يتحدث وينظر الى الصوره التي بيده، كانت نظرته فارغه من الروح، انزل يده واعاد نظره الى النافذه، كان يحدق في الطيور الماره بهدوء، وكيف تتطير وتحلق عاليا في سماء، وقف احد الطيور على غصن شجره واتى الطير الثاني فوقف مع الطير الاول في نفس الغصن. بدا يغرد كل منهما معا يشكلان لحننا جميلا، فجاه طار الطير الاول والثاني بقى في مكانه ينظر الى الطائر الاول كيف يحلق بعيدا وانتهى لحنهم العذب، وكل هذا حدث تحت انظاره اذ كان يراقب كل ماحصل.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.