4: مناعة ضد الفوضى
كانت الأيام تتسرب من بين أصابعنا ببطء، وكأن الزمن هنا في هذا المكان المنعزل يسير بإيقاع خاص يختلف تماماً عن روتين القصور المتسارع والمخيف، حيث كل ساعة محسوبة وكل حركة خاضعة للرقابة والتدقيق الصارم.
بدأت جدران مدرسة «سينت بول الثانوية» تفقد غربتها وحشتها الشديدة شيئاً فشيئاً. لم يعد الصباح مجرد روتين صامت وبارد بيني وبين جيسيكا داخل سكن الطالبات، بل أصبح يتخلله حضور «زوي» المفاجئ وعفويتها الصاخبة التي تقتحم هدوءنا في أوقات غير متوقعة على الإطلاق.
كانت حركة الطالبات في الممرات والساحات تعج بالحياة والنشاط، ومع كل صباح جديد كنتُ أشعر بأن شيئاً من ثقل الماضي يبدأ بالانحسار عن كاهلي، مستبدلاً إياه براحة نفسية عميقة طال انتظاري لها وسط عتمة القصر.
كانت الكافتيريا المدرسية في ذلك اليوم مكتظة بالطلاب بشكل ملحوظ. أطياف الضجيج تتصاعد، وأصوات الأطباق ورنين أدوات الطعام الممزوج بضحكات المراهقين تملأ الأرجاء. جلستُ عند الطاولة المجاورة للنوافذ الزجاجية الكبيرة برفقة جيسيكا، نتناول شطائرنا الهادئة ونستمتع بمنظر الأشجار المورقة في الساحة الخارجية.
رائحة القهوة الطازجة والمعجنات الساخنة امتزجت بحديث جيسيكا الهادئ عن خططنا الدراسية القادمة، قبل أن ينكسر هذا الهدوء العذب بطريقة درامية حيوية اعتادت عليها صديقتنا الجديدة.
وفجأة، وُضعت صينية طعام بضجة خفيفة ومباغتة على طاولتنا، لتجلس زوي أمامي وأمام جيسيكا دون استئذان أو إشعار سابق، وهي تحمل كوباً من العصير البارد وتشع بعينيها لمعة حماسية مريبة.
أعدت زوي خصلات شعرها المتمرد إلى الخلف، وقالت وهي تأخذ قضمة كبيرة من شطيرتها:
- "إذاً يا فتيات... لقد أمضيتُ ليلتي في السكن المكتظ وأنا أفكر ملياً في أمركما. كيف لعلاقة صديقتين أن تكون جادة، رتيبة، وبهذا البرود الصارم طول الوقت؟ نحتاج حتماً إلى إضافة بعض الإثارة والجنون لحياتكما هنا!"
أنزلتُ الشطيرة من يدي بهدوء، ونظرتُ إليها وعيناي تتأملان حماسها بابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى:
- "إثارة؟ زوي... نحن جئنا إلى مدرسة سينت بول بالذات بحثاً عن الهدوء والابتعاد التام عن المشاكل وعالم الدراما."
انفجرت جيسيكا بالضحك وهي تميل بنصف جسدها العلوي نحو زوي، أردفت بتهكم لطيف:
- "انسي الأمر تماماً يا زوي! مارس تملك مناعة ذاتية ضد مفهوم 'الإثارة'. إنها تفضل مراقبة العالم المظلم حولها ببرود تام وكأنها تجلس في دار سينما تتابع مسلسلاً مللاً لا يعنيها في شيء."
رمشت زوي بعينيها بتحدٍ ملحوظ وهي تبتسم بوقاحة حبوبة:
- "سنرى شأن هذه المناعة القوية قريباً جداً! بالمناسبة، ألا تلاحظان نظرات طالبات الصف الثالث من الطاولة المجاورة بالقرب من البوابة؟ إنهن يتهامسون بفضول عنكن منذ جلوسنا هنا."
التفتت جيسيكا بعينين تتملكهما الرغبة في الفضول، بينما بقيتُ أنا أرتشف من العصير بلامبالاة مطلقة:
- "دعيهم يتهامسون كما يروق لهم... الشائعات اليومية عن 'الطالبة المنتقلة التي لا تتحدث كثيراً والغامضة' أصبحت مجرد وسيلة تسلية مجانية بالنسبة لي للتغلب على الملل."
لم تكن تلك النظرات تعني لي شيئاً يُذكر، فقد اعتدت في الماضي على تدقيق الجميع في كل حركة أصدرها تحت المجهر الملكي لعائلتي، وهنا في سينت بول، على الأقل، كانت هذه الهمسات فارغة تماماً من أي تهديد حقيقي أو قسوة متوقعة.
بدأت زوي تقص علينا بطريقتها الدرامية المضحكة والمليئة بالمبالغات الكوميدية عن قوانين المدرسة الغريبة، والأساتذة الذين يجب علينا تجنب إغضابهم بأي شكل. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة جداً... وجدتُ نفسي أضحك من أعماق قلبي وسط حديثهما العفوي وغير المتكلف.
كان هذا الشعور الخفيف يمثل تجربة جديدة كلياً عليّ... خفة أن أكون مجرد "مارس"، الفتاة العادية، دون ألقاب عائلتي الثقيلة، ودون تلك الظلال المظلمة والمقارنة المستمرة مع إيلينا التي دمرت طفولتي.
سحبتُ نفساً عميقاً وأنا أتأمل وجهي زوي وجيسيكا... وبدأتُ أستوعب أن قرار هروبي وتعمد رسوبي كان أفضل خطوة خطوتها في حياتي.
استمرت ضحكاتنا تتناثر فوق سطح الطاولة، بينما كانت أشعة الشمس الدافئة تنساب بخفة عبر الزجاج، تاركة في داخلي طمأنينة عميقة لم أختبرها من قبل قط. كانت هذه اللحظة، ببساطتها وصخبتها المحببة، بمثابة الفصل الحقيقي الأول لحياة جديدة أكتب تفاصيلها بنفسي ودون قيود.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!