1: الشريرة التي اختارت هامشها
لطالما توقعتُ أنني غريبةٌ للغاية عن هذا العالم منذ لحظة وجودي فيه. كل شيءٍ كان يبدو مبهماً وغير منطقي...
في كل القصص والروايات التي قرأتها، دائماً ما تكون البطلة محبوبةً من الجميع؛ تملك عائلةً تحميها، أو بطلاً يسانده، أو صديقاً يفتديها بحياته. لكنني؟ أنا كنتُ دائماً «الشريرة» في قصصهم.
لماذا؟ لأنني ببساطة اخترتُ أن أكون كذلك في قصة شخصٍ آخر منذ طفولتي. لستُ متأكدةً بالضبط متى أو كيف حدث ذلك... لكنني أدركتُ الحقيقة مبكراً: بعض العائلات لا تمنحك الدفء، بل تجبرك على التجمد.
حينما كنتُ في السادسة من عمري... أليس من المفترض أن أكون طفلةً محبوبةً للغاية ومُحاطة بالرعاية؟
لكن كل ذلك الاهتمام والدفء والنظرات الحنونة كانت تذهب بالكامل إلى «إيلينا».. الفتاة المحبوبة التي يعشقها الجميع، بينما كنتُ أعيشُ أنا على فتات الحب، مركونةً دائماً على الهامش وكأنني ظلٌ غير مرغوب فيه. لا أعرف السبب الدقيق لعدم محبتهم لي، لكنني في لحظة ما... توقفتُ عن الانتظار. توقفتُ تماماً عن البحث عن حبهم أو ترجي اهتمامهم.
في الوقت الحاضر...
تأملتُ ورقة أسئلة اختبار قبول الثانويات بابتسامةٍ ساخرة. كان بإمكاني الحصول على الدرجة الكاملة بسهولة، لكنني تعمدتُ الرسوب وخفض درجاتي بخطةٍ محكمة.
السبب؟ بسيط جداً. لم أكن أرغب إطلاقاً في التواجد في نفس المدرسة الثانوية مع إخوتي! فضلتُ الذهاب إلى مدرسةٍ أخرى بعيدةٍ تماماً عنهم وعن عالمهم. على أي حال، سأضطر لرؤية وجوههم في العطلة الكبيرة بالقصر.. ومن المزعج جداً والمُرهق أن أستمر في التمثيل والتظاهر بأنني "أختٌ جيدة". هذا الأمر يستهلك طاقتي بالكامل!
قطع تفكيري فجأة صوتٌ أنثوي حاد:
- "هل أنتِ مارس؟"
رفعتُ بصري بهدوء لأجد امرأةً تقف أمامي بأناقة مبالغ فيها.
- "نعم.. أنا هي."
ابتسمت المعلمة ابتسامةً متكلفة وقالت:
- "دعيني أُعرفكِ بنفسي، أنا الآنسة «ماي»، وسأكون معلمتكِ هنا. آمل أن نتوافق معاً!"
- "تشرفتُ بمعرفتكِ آنسة ماي."
في تلك اللحظة، بدأتُ أنظر إليها ببطء من الأسفل إلى الأعلى. كانت ملامحها غريبة، ومع التدقيق الحاد في تفاصيل وجهها... هل تحاول الآنسة ماي المحافظة على ابتسامتها المثالية بالقوة؟
تباً.. إنها تشعر بالاشمئزاز مني! لكن لماذا؟
قررتُ كسر هذا الصمت وتخطي نظراتها المزيفة:
- "إذاً سيدة ماي.. هل هناك شيءٌ آخر ترغبين بالتحدث عنه؟"
قطبت حاجبها فوراً ولم تستطع إخفاء ملامح الاشمئزاز التي اعتلت وجهها، ثم قالت بنبرة حادة ومقتضبة:
- "لا، شكراً لكِ! آمل أن تذهبي بسرعة إلى الفصل، الدرس سيبدأ قريباً ولا يجب أن تتأخري!"
أومأتُ برأسي في صمت وغادرت المكان بسرعة.
بدأتُ المشي بإنهاك في الممرات دون توقف متجهةً إلى القاعة. المتبقي عشر دقائق فقط على بداية الحصة، ثم ربما بعد انتهائها سأكتشف بقية المبنى إذا أمكن ذلك.
وصلتُ إلى مقعدي في السطر الأخير، وبجانبي تماماً كانت تجلس «جيسيكا».. صديقتي المخلصة بحق، والتي لا أعرف حتى الآن ما السر الحقيقي وراء كل هذا الإخلاص لي!
وفجأة!
"آه!"
قرصةٌ حادة ومؤلمة نبتت في خصري! كانت من جيسيكا التي اقتربت مني وهمست بأسلوبٍ شرير ومضحك في نفس الوقت:
- "تباً لكِ! لولا أنني اكتشفتُ خطتكِ الخبيثة لما عرفتُ أنكِ هنا يا مارس! هل تحاولين التخلص مني أيتها الغبية؟ لكن خطتكِ فشلت بنجاح، لأنني باقيةٌ معكِ حتى نتخرج معاً!"
حاولتُ المقاومة والابتعاد، لكن جيسيكا باغتتني ببدء دغدغة جسدي بقوة وبدون رحمة! لم أستطع التحمل حتى انفجرتُ بالضحك بشدة في وسط القاعة، وأنا أترجاها بصوتٍ متهدج:
- "جيسيكا.. يكفي! توقفي!"
ردت بضحكة نصر متقاطعة:
- "مستحيل أيتها الخائنة!"
في تلك اللحظة بالذات... رنّ جرس الحصة بقوة!
اضطرت جيسيكا للتوقف فوراً والاعتدال في جلستها، لكنها لم تفوت فرصة ركل قدمي خفية تحت الطاولة وهي تتوعدني بنظرة محذرة.
بدأ الدرس مع أستاذ المادة السيد «أورلاندو»... وكان الدرس عن "الأدب والاحترام الأسري، الصلة، والوفاء".
وبين كل فقرة يلقيها المعلم عن العائلة والأخلاق، كانت جيسيكا تميل نحو أذني لتتمتم بشتم المادة والموضوع دون توقف!
بالنسبة لي... لم يكن هناك أي فرق. كنتُ أستمع لصوت المعلم وكأنه صدى قادمٌ من أعماق المحيط، غارقةً في أفكاري...
حتى اخترق الهدوء صراخ المعلم «أورلاندو» وهو يضرب الطاولة بغضب:
- "انتبهي أيتها الطالبة! وإلا ستكون العواقب وخيمة جداً!"
كنتُ أعلم يقيناً أنه يقصدني أنا ببرودي وسرحاني، لذا عدلتُ جلستي وانتبهتُ إليه بتصنع حتى انتهت الحصة أخيراً.
بعد مرور الوقت وانتهاء اليوم الدراسي، كنتُ أمشي جنب إلى جنب مع جيسيكا في الممر الرئيسي. كانت تتحدث بكثرة وحماس مفرط عن انطباعاتها، بينما بقيتُ أنا صامتة وأنا أخطو بجانبها.
(من منظور جيسيكا):
حاولتُ الحديث بحماس علّني أخرج مارس من قوقعتها، لكنها ظلت صامتة كعادتها.
أنا أعرفها منذ أن كنا أطفالاً... وأعلم جيداً كم هي متشككة في كل من حولها بسبب ما عاشته، ولأن وفاؤها لي كان دائماً عظيماً ورزيناً، كنتُ أرى أن ما أقدمه لها لا يزال غير كافٍ.
توقفتُ فجأة في منتصف الممر وناديتها:
- "مارس!"
التفتت إليّ بنظرة هادئة:
- "ماذا بكِ؟"
نظرتُ في عينيها بصدق وقلت:
- "كما تعلمين... أود منكِ فقط أن تثقي بي، حسناً؟ دعينا نستمتع بهذه الحياة ونبقى معاً دائماً... اتفقنا؟"
رمشت مارس بهدوء، ثم مرت ابتسامة خفيفة شبه مرئية على شفتيها وقالت بنبرتها الجافة اللطيفة:
- "أمـم.. حسناً. أنتِ تبالغين يا جيسيكا... حسناً."
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!