وضع القراءة:

3: خزانة متمردة ولقاء غير متوقع

مرت عدة أيام على التحاقنا بمدرسة «سينت بول الثانوية». كانت الحياة في «سكن الطالبات» الملحق بالمدرسة هادئة للغاية، وتمنحني مساحة من الاستقلال والهدوء لم أعتد عليها من قبل. كانت أشعة الشمس الصباحية تنساب برفق عبر زجاج النافذة البسيط، داعبة الغرفة الهادئة التي أصبحت ملاذي الآمن بعيداً عن صخب القصور. لم تكن هناك خادمات يوقظنني بصرامة، ولا تنبيهات ملكية صارمة تحدد كل ثانية من يومي.
كان هذا البعد عن أجواء القصر وعن عائلتي بمثابة الهدنة السعيدة التي احتجتُ إليها لسنوات، حيث الجميع هناك يعيشون في السكن المدرسي الخاص بمؤسساتهم؛ فإخوتي في سكن «أكاديمية نوبل»، وأنا هنا أتنفس الحرية بعيداً عن نظراتهم، ولن أضطر لرؤيتهم حتى حلول العطلة الكبيرة. كانت تفاصيل حياتي الجديدة تبدو وكأنها حلم جميل أخشى الاستيقاظ منه.
في صباح يوم الأربعاء، كانت الحافلة المدرسية الخاصة بالسكن تنقلنا نحو مبنى الفصول الرئيسي. نزلتُ رفقة «جيسيكا» وأنا أعدل حقيبتي على كتفي بكسل، بينما كانت رائحة أوراق الأشجار المبللة بندى الصباح تملأ الأجواء المحيطة بنا.
قالت جيسيكا وهي تمشي بجانبي بحماس واضح:
- "مارس... أتدرين؟ ما زلتُ غير مصدقة أننا هنا في السكن بعيداً عن الجميع! ألا تظنين أن إخوتكِ يتساءلون الآن عن سبب عدم وجودكِ معهم في أكاديمية نوبل؟"
تنهدتُ بخفة، وأجبتها بابتسامة هادئة شبه ساخرة:
- "ولماذا يتساءلون؟ هم يظنون أنني أعيش في عزلة غاضبة بسبب درجاتي المتردية. وطالما أن إيلينا تحظى بالاهتمام الكامل من الجميع، فلن يخطر ببال أحدٍ أن يبحث عني.. وهذا أريح لراسي."
شعرت ببعض الطمأنينة وأنا أتجاذب أطراف الحديث مع جيسيكا بصراحة تامة، فوجود شخص يشاركني تفاصيل يومي البسيطة دون أحكام مسبقة كان شيئاً مفقوداً في حياتي السابقة.
وفيما كنا نعبر الممر المؤدي إلى القاعة الدراسية، كانت هناك طالبة تقف بجانب خزانتها، تحاول فتح قفلها المعطوب بعنف. كانت ذات ملامح حيوية وشعر متمرد... لم تكن سوى «زوي».
ضربت زوي باب الخزانة بقدمها بغضب وهي تمتم بضيق:
- "تباً لهذه الخزانة اللعينة! هل صُنعت لتفتح أم لتختبر صبري في هذا الصباح؟! حقاً هذا جنون!"
توقفتُ أنا وجيسيكا على بُعد خطوات منها نراقب محاولاتها الفاشلة. التفتت إلينا زوي بخطوات سريعة وعينين تشتعلان طاقة وحيوية، ثم قالت بجرأة وعفوية دون أي مقدمات:
- "هي أنتِ! يا ذات العينين الباردتين... هل يمكنكِ مساعدتي في ضرب هذا القفل برجلكِ؟ يبدو أن لديكِ قوة كافية لكسره!"
رفعتُ حاجبي باستغراب من جرأتها وعفويتها غير المعهودة، وللمرة الأولى شعرتُ برغبة في الضحك خفية من أسلوبها الغريب والمباشر.
نظرت جيسيكا إليها بدهشة ثم أردفت بابتسامة ساخرة:
- "عفواً؟ هل تطلبين منها ضرب خزانة في الممر وأمام الجميع هكذا بكل صراحة؟"
ردت زوي بابتسامة عريضة ومحببة، غير مبالية بنظرات المحيطين:
- "وما المشكلة في ذلك؟ أنا زوي من الصف المجاور... وأعتقد أننا سنكون صديقات جيدات طالما أنكما تقفان هنا وتتفرجان على معركتي الطاحنة مع هذه الخزانة العنيدة!"
اقتربتُ خطوات هادئة نحوها، وبضغط زاوية معينة في المزلاج بيدي بمرونة ودقة عالية... «تِك!»، انفتح باب الخزانة بسهولة مذهلة وكأن شيئاً لم يكن!
اتسعت عينا زوي بذهول شديد، ونظرت إليّ بابتسامة صدمة وإعجاب:
- "يا إلهي! كيف فعلتِ ذلك بهذه السهولة الخارقة؟! ما اسمكِ يا فتاة؟ أنتِ مذهلة بحق!"
ابتسمتُ بخفة وقسّمتُ نظراتي بينها وبين جيسيكا وقلت بنبرة هادئة:
- "أنا مارس."
ابتسمت زوي ابتسامة واسعة كادت تبلغ أذنيها، وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل التراجع:
- "مارس... اسم ممتاز يليق بشخصية غامضة مثلكِ. من اليوم وصاعداً، اعتبري نفسكِ رسمياً في قائمتي المقربة في هذه المدرسة ولن أقبل أي أعذار!"
ضحكت جيسيكا بخفة وهي تضع يدها على خصرها وتنظر إلى زوي بتسلية:
- "قائمتكِ المقربة هكذا دفعة واحدة؟ نحن من أنقذ خزانكِ التعيس للتو يا زوي، على الأقل قدمي شكراً مناسباً!"
تبادلنا النظرات المرحة والضحكات الخافتة في ممر المدرسة الذي بدأ يعج بالحركة والنشاط مع اقتراب موعد الحصة الأولى.
مشينا نحو الفصل معاً، وأنا أشعر بلذة غريبة تملأ روحي في هذا اليوم.. بداية بذور صداقة مجنونة لطيفة ستغير كل تفاصيل أيامي القادمة.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.