وضع القراءة:

2: ظلال بعيدة عن القصر

كانت ساعات الصباح الأولى في هذا اليوم الدراسي الجديد تحمل في طياتها مزيجاً غريباً من التوتر والترقب، وكأنني أقف على حافة عالم مجهول تماماً عما ألفته طوال سنوات عمري المنصرمة. بين ردهات المدرسة الفسيحة وأصوات الطلاب المتناثرة بخفة، كانت روحي تبحث عن متنفس هادئ تعوض به سنوات القهر والاختناق التي عاشتها بين جدران القصر الفاخر. كانت جيسيكا، بتلقائيتها وصدق مشاعرها، بمثابة الشعاع الأول الذي يخترق تلك العتمة الطويلة.
ساد الصمت بيننا لبرهة في منتصف ذلك الممر الطويل، قبل أن أكتفي بهز رأسي خفية خافضةً بصري نحو الأرض.
كلمات «جيسيكا» الصادقة كانت تحمل دفئاً لم أعتد عليه منذ زمنٍ طويل. دفءٌ غريب يتسلل وسط الصقيع الذي بنيته حول قلبي لسنوات. بالنسبة لشخصٍ عاش طفولته يقتات على فتات اهتمام عائلته، يظل قبول هذا الوفاء الخالص أمراً يحتاج إلى شجاعة.
أخذتُ نفساً عميقاً وأنا أتأمل جدران مدرسة «سينت بول الثانوية» الجديدة.
المكان هنا يختلف تماماً عن مدرسة «أكاديمية نوبل الملكية» التي يدرس بها إخوتي... تلك المدرسة الفارهة التي يملؤها الكبرياء والنفوذ الخانق لعائلتي، والتي كانت تشهد يومياً على المقارنة الدائمة بيني وبين «إيلينا». أما هنا في سينت بول؟ أنا مجرد طالبة عادية، تعمدت الرسوب وتقليل درجاتي في اختبار القبول لتصنع لنفسها هامشاً بعيداً عنهم.
توقفنا لثوانٍ معدودة أمام إحدى اللوحات الإعلانية المعلقة على الجدار، حيث تتوزع جداول الحصص والأنشطة المدرسية، بينما كانت حبات العرق الباردة تخترق أفكاري كلما تذكرت مدى خطورة هذه الخطوة التي أقدمت عليها، وكيف ستكون ردة فعل عائلتي لو اكتشفوا أن ابنتهم قد اختارت بكامل إرادتها النزول إلى قاع القائمة المدرسية فقط للتخلص من رقابتهم الصارمة.
سارت جيسيكا بجانبي وهي تتأمل الطلاء الهادئ للممرات، ثم قالت بنبرة خفيفة تحاول بها كسر الجمود:
- "إذاً يا مارس... هل تعتقدين أن إخوتكِ في أكاديمية نوبل قد اكتشفوا أمر مدرستكِ الجديدة؟ أم أنهم لا يزالون يظنون أنكِ تبكين في غرفتكِ بالقصر بسبب درجاتكِ المتردية؟"
ابتسمتُ ابتسامةً جافة، وأجبتُ ببرود:
- "لا يهمني ما يظنونه. إنهم مشغولون الآن بالاهتمام بإيلينا وتدليلها كالعادة. غيابي بالنسبة لهم ليس سوى ارتياحٍ من وجود 'الابنة السيئة'."
لم تكن إجابتي لتترك مجالاً لمزيد من الأسئلة، فقد أدركت جيسيكا جيداً حجم الجرح العتيق الذي تخلفه عائلتي خلفها كلما تردد ذكر أسمائهم أمام مسامعي، لذا فضلت الصمت وهي تربت على كتفي بحنان أخوي صادق. واصلنا مسيرنا بخطى ثابتة ومدروسة نحو المخرج المؤدي إلى الفناء الخارجي.
وفيما كنا نخطو نحو الفناء الخارجي لنكتشف أرجاء المبنى، كان الحارس الأمني السيد «بروس» يقف عند البوابة الرئيسية، يرمق الطلاب الجدد بنظراتٍ صارمة ومترصدة.
مررتُ من أمامه برفقة جيسيكا بلامبالاة تامّة، بينما كان هو يدون ملاحظاته في سجله الخاص.
(من منظور الحارس بروس):
تأملتُ الطالبة الجديدة ذات العينين الباردتين وهي تمر من أمامي.
هناك شيءٌ غير عادي في حضورها... معظم الطلاب الجدد يسيرون في يومهم الأول بتوتر وخوف من أنظمة مدرسة سينت بول، لكن هذه الفتاة تسير بجمودٍ وكأن المكان بأكمله لا يعني لها شيئاً!
زفرتُ بقلة صبر وأنا أتمتم لنفسي:
- "طالبة جديدة تحمل المتاعب على وجهها... الأيام القادمة لن تكون هادئة أبداً."
كانت كلمات الحارس بروس، لو سنحت لي فرصة سماعها، ستثير في داخلي ابتسامة سخرية لا تقل بروداً عن نظرات عيني، فأنا لست سوى هاربة بحثت عن ملجأ تقي فيه نفسها لظى القصور ونظرات الازدراء. سرعان ما ابتعدنا عن صخب البوابة الرئيسية متجهين نحو الملاذ الأكثر هدوءاً.
وصلنا إلى الساحة الخلفية المظللة بالأشجار. جلستُ على إحدى المقاعد الحجرية الباردة، وأسندتُ رأسي إلى الجدار وأنا أغلق عينيّ لأستمتع بالهدوء والنسمات العليلة، بعيداً عن صخب القصر وضغوط العائلة.
تأملتني جيسيكا وهي تجلس بجانبي، وقالت بنبرة حنونة:
- "تبدين مرتاحة هنا يا مارس..."
فتحتُ عينيّ ببطء ونظرتُ إلى السماء الصافية:
- "أنا لستُ مرتاحة فقط يا جيسيكا... أنا أشعر ولأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس بحرية."
ظلت نسمات الهواء العليل تداعب أطراف شعري بينما استقرت عيناي على أوراق الشجر المتساقطة بخفة فوق العشب الأخضر. كانت هذه اللحظة، بكل ما تحملها من بساطة، أغلى بكثير من كل الزخارف التي لطالما غلفت جدران غرفة نومي في ذلك القصر؛ فقد أدركت حينها أن التخلي عن الألقاب الزائفة ومغادرة أقفاص النفوذ الذهبية لم تكن مجرد مغامرة، بل كانت طوق النجاة الوحيد لإنقاذ ما تبقى من روحي.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.