「 اَلْـفَـصْـلُ اَلـسَّـادِسُ: خِـيَـارُ اَلـرَّمَـادِ 」📜🖤
كان الصمت الذي أعقب مغادرة إلياس لقاعة الأرشيف أشد قسوة من كل كلماته الحادة التي ألقاها وغادر.
وقفت ميرا في منتصف القاعة المظلمة، والملف الجلدي الأسود يضغط بين يديها كأنه جمرة تحرق أصابعها. شعرت لأول مرة أن جدران قصر الأرواح المستعارة لا تحيط بها لتسجنها، بل لتطبق على أنفاسها بالكامل. كل كبريائها المكتوب، وعنادها الساحق الذي كانت تواجه به جبروت إلياس، تفتت في لحظة واحدة أمام حقيقة ملوثة بالدم والخداع: والدتها الراحلة لم تكن الضحية البريئة كما ظنت طوال حياتها.. بل كانت المهندسة الأولى لكل هذه الأقنعة.
تراجعت ريما خطوة إلى الوراء، كانت أنفاسها متهدجة وعيناها تلمعان بخوف حقيقي وهي تنظر إلى ميرا المفجوعة:
"ميرا.. أرجوكِ، قولي شيئاً. وجهكِ شاحب كالموت. ماذا كُتب في هذا الملف اللعين؟ ماذا كان يقصد إلياس بأن اسمكِ هو السطر الأول في كتاب الخطيئة؟"
لم تجبها ميرا. رفعت عينيها الواسعتين نحو النافذة الزجاجية العتيقة المطلة على ممر القصر، حيث كان وميض الفجر الرمادي يزحف ببطء ليعلن نهاية أطول وأقسى ليلة في حياتها. تذكرت نظرة إلياس الأخيرة؛ لم تكن نظرة تشفٍ أو انتصار طاغٍ، بل كانت نظرة رجل تعرّى قناع قسوته ليظهر تحته حارس محترق.. رجل تحمل كراهيتها وعنادها لسنوات طويلة فقط ليحميها من أن تلمس يداها هذه القذارة وتتلوث نقاوتها.
قالت ميرا بصوت منخفض، حاد، ومملوء بكبرياء مجروح لكنه صامد:
"الأسوأ من أن تعيش في قفص عدوكِ يا ريما.. أن تكتشف أنكِ أنتِ من صممتِ قفل الباب بجلد يديكِ. إلياس لم يكن يحبس الحقيقة ليديننا أو يذلنا.. كان يحبسها لكي لا تدمرني وتدمر ما تبقى من روحي."
في تلك الأثناء، وفي الزاوية الرمادية المعتمة للممر الخارجي، كان نديم يقف مستنداً إلى الجدار الخشبي العتيق، وعيناه تلمعان بترقب بارد. انطفأت الابتسامة المخادعة عن وجهه تدريجياً؛ كان يعلم أن خروج ميرا بهذا الملف يعني شيئاً واحداً: سقوط إلياس الحتمي ونهاية سلطته. لكنه لم يحسب حساب أن انكسار كبرياء ميرا قد يحولها من باحثة عن العدالة إلى بركان ثائر قد يحرق خططه والملف معاً.
خطا نديم خطوة إلى داخل القاعة، حاملاً هدوءه المستفز وقال بنبرة خافتة:
"إذاً.. سقط الحارس الصامد وأخيراً، وأصبح مفتاح القصر وسر عائلة "الـهَـاشِـمِـي" بين يديكِ يا ميرا. الصحافة والعالم بانتظار هذه الأوراق العتيقة ليعرفوا زيف هذا القصر. ما هي خطوتكِ القادمة؟"
التفتت إليه ميرا ببطء شديد. لم تكن هناك دموع في عينيها، بل كان هناك شرار من كبرياء تأبى المأساة أن تكسره. نظرت إلى نديم، ثم إلى الملف، ثم إلى ريما التي ترتجف بانتظار قرارها.
أمامها الآن الخيار القاتل الذي سيحدد مصير كل خطوة قادمة:
إما أن تنشر الملف، فتنقذ شرف الحقيقة وتنتصر على إلياس علناً، لكنها بالمقابل ستمحو اسم والدتها وتدفن كبرياء عائلتها في وحل الفضيحة وتكتشف أنها دمرت الرجل الوحيد الذي حماها.
وإما أن تحرق الملف، فتحمي اسم دمها وتحافظ على القناع، لكنها ستظل تعيش في قصر الأرواح المستعارة كنسخة مزيفة أخرى تحت رحمة الظلال.
خطت ميرا خطوات واثقة، واقتربت ببطء من بقايا المصباح الزيتي المشتعل على الطاولة الخشبية. تلاقت عيناها الحادتان مع عيني نديم المصعوق، وبدت في تلك اللحظة وكأنها هي من تدير خيوط اللعبة بأكملها وتملك أنفاس الجميع.
رفعت رأسها بكبرياء وقالت:
"الحبر الذي كتب الخطيئة وعرّى الأرواح.. وحدها النيران تملك حق تطهيره."
نهاية الفصل السادس .....
•┈┈┈┈┈┈┈••✦ 🖤 ✦••┈┈┈┈┈┈┈•
「 فِي هَـذَا اَلْـفَـصْـلِ، لَـمْ أَعُـدْ أَكْـتُـبُ بِـالْـحِـبْـرِ اَلْأَسْـوَدِ فَـقَـطْ، بَـلْ كَـتَـبْـتُ بِـأَعْـصَـابِ اَلـشَّـخْـصِـيَّـاتِ وَهِـيَ تَـتَـهَـاوَى أَمَـامَ اَلْـحَـقَـائِـقِ. أَرَدْتُ مِـنْ خِـلَا لِ هَـذِهِ اَلـسُّـطُـورِ أَنْ أَجْـعَـلَ اَلْـقَـارِئَ يَـسِـيـرُ مَـعَ "مِـيـرَا" فِي نَـفْـسِ اَلْـمَـمَـرِّ اَلْـمُـظْـلِـمِ، يَـحْـبِـسُ أَنْـفَـاسَـهُ مَـعَ كُـلِّ وَرَقَـةٍ تَـنْـقَـلِـبُ، وَمَـعَ كُـلِّ قِـنَـاعٍ يَـسْـقُـطُ لِـيَـكْـشِـفَ عَـنِ اَلـظِّـلِّ اَلْـقَـابِـعِ خَـلْـفَـهُ.
اَلْأَسْـرَارُ اَلَّـتِي دُفِـنَـتْ طَـوِيـلًا فِي قَـصْـرِ اَلْأَرْوَاحِ اَلْـمُـسْـتَـعَـارَةِ بَـدَأَتْ تَـخْـرُجُ إِلَى اَلـنُّـورِ.. لَـكِـنَّ اَلـنُّـورَ هُـنَـا قَـدْ يَـكُـونُ حَـارِقـاً جِـدًّا. اِسْـتَـعِـدُّوا لِـمُـوَاجَـهَـةٍ لَـنْ تَـرْحَـمَ كِـبْـرِيَاءَ أَحَـدٍ.」
•┈┈┈┈┈┈┈••✦ 🗝️ ✦••┈┈┈┈┈┈┈•
بِـكُـلِّ شَـغَـفٍ وَتَـرَقُّـبٍ،
اَلْـكَـاتِـبَـةُ: جُـولْـيَـا 🖋️🖤.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!