🕯️{ اَلْفَصْلُ اَلثَّالِثُ : رَقْـصَـةُ اَلْأَقْـنِـعَـةِ }🕯️
🕯️ ┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈ 🕯️.
"لا يُرعبني الموتى في قبورهم، بل يرعبني الأحياء الذين يمشون بيننا بأرواحٍ مستعارة، يسرقون ملامح النقاء ليخفوا بشاعة النوايا."
- مِن يوميات ميرا
.
.
ساد صمتٌ ثقيل في الرواق بعد صدى الصوت الغامض الذي أخبرها بأن المفتاح يفتح القبور. لم تتحرك "ميرا" من مكانها، بل ظلت ممسكة بالقلم والريشة، وعيناها مثبتتان على الستارة المخملية التي اهتزت قبل قليل. كانت تشعر ببرودة المعدن في يدها الأخرى، المفتاح البرونزي الذي بدا وكأنه ينبض بحياةٍ خاصة.
بدأت ميرا تسير بخطوات واثقة، كعب حذائها يرتطم بالأرضية الرخامية ليعزف لحناً من التحدي. لم تكن تبحث عن مخرج، بل كانت تبحث عن "المواجهة". توقفت أمام مرآة ضخمة بإطار ذهبي قديم، نظرت إلى انعكاس صورتها؛ رأت فتاة بملامح هادئة وقلبٍ أبيض، لكن في عينيها كان يسكن ذكاءٌ حاد لا يخطئه أحد.
"من يظن أنني فريسة سهلة، لم يقرأ سطوري جيداً،" همست لنفسها وهي ترفع ذقنها بكبرياء الكاتبة التي تعرف نهاية كل فصل قبل أن تبدأه.
اتجهت نحو القبو الذي أشار إليه الصوت. الرائحة هناك كانت تزداد تعقيداً؛ رائحة التراب المبلل، والورق الذي لم يلمسه ضوء الشمس منذ قرن. وضعت المفتاح في القفل الصدئ. صرير الباب وهو يفتح كان يشبه صرخة استغاثة مكتومة.
بالداخل، لم تجد جثثاً، بل وجدت ما هو أدهى؛ وجدت "غرفة الأقنعة". رفوفٌ طويلة تحمل وجوهاً شمعية منحوتة بدقة متناهية، لكل منها تعبير مختلف: الود، البراءة، الحزن، والغضب. وخلف كل قناع، كان هناك ملفٌ يحمل اسماً.
فتحت ميرا أحد الملفات بيد مرتعشة قليلاً، لتجد صوراً لأشخاص يعرفهم الجميع في المدينة، أشخاص يرتدون أقنعة المثالية في النهار، ويمارسون زيفهم في هذا القصر تحت جنح الظلام. أدركت في تلك اللحظة أن القصر ليس مجرد بناء، بل هو "مصنع للأرواح المستعارة".
بينما كانت تقرأ، شعرت بظلٍ يتجسد خلفها. هذه المرة لم يكن صدى، بل كان جسداً حقيقياً.
"هل أعجبتكِ مجموعتنا يا ميرا؟" قال صوتٌ رخيم، مشوب بنبرة مستفزة تشبه نبرة أولئك الذين حاولوا كسرها في الواقع.
التفتت ببطء، ببرودٍ يثير الجنون، وقالت: "المجموعات ناقصة.. ينقصها قناع 'الخيبة' لمن اعتقد أنه يستطيع إخافتي بمجرد كلمات " .
.
.
لم ترفّ أجفان "ميرا" وهي تواجه ذلك الظل المتجسد. كان الرجل الواقف أمامها يرتدي بدلة سوداء فاخرة، وتفوح منه رائحة التبغ الممزوجة بعطر باهظ الثمن، لكن عينيه كانتا خاليتين من أي بريق إنساني.
"أنتِ شجاعة جداً لمرممة أرشيف بسيطة،" قالها وهو يقترب من رف الأقنعة، ويمرر أصابعه الطويلة على وجه شمعي يمثل 'البراءة'. "ألا تخشين أن تصبحي مجرد ملف آخر في هذا القبو؟"
ابتسمت ميرا ببرود، وهي تضع المفتاح البرونزي في جيب معطفها بحركة واثقة. "الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي القدرة على كشف زيف أمثالك. أما عن كوني 'بسيطة'، فالبساطة هي أعلى مستويات التعقيد التي لن يفهمها عقلٌ غرق في المؤامرات."
ضحك الرجل ضحكة جافة ترددت أصداؤها بين الجدران الرطبة. "هنا، في قصر 'الأرواح المستعارة'، نحن من نكتب القواعد. نحن من نقرر من يكون القديس ومن يكون الشرير في نظر المجتمع. هؤلاء الذين ترين صورهم في الملفات.. هم ملوك وقادة، لكنهم هنا مجرد عبيد لأسرارهم التي أحرسها أنا."
خطت ميرا خطوة للأمام، وتلاقت عيناها بعينيه في تحدٍ صامت. "إذن أنت لست حارساً، أنت مجرد سجانٍ يعيش في الظلام. تظن أنك تملكهم لأنك تعرف أسرارهم، لكنك نسيت أن هناك نوعاً من البشر لا يرتدي الأقنعة.. بشرٌ صدقهم هو درعهم الوحيد. وأنا، يا سيدي، لا أملك سراً أخفيه، وهذا ما يجعلك ترتجف أمامي الآن."
بدت ملامح الرجل تتصلب. كان يحاول قراءة "ميرا"، لكنها كانت كتاباً مكتوباً بلغة لم يتقنها يوماً؛ لغة النقاء الممزوج بالقوة.
"ميرا،" نطق اسمها بنبرة تحذيرية، "هذا القبو شهد اختفاء الكثير من 'الأنقياء'. لا تجعلي طموحكِ الأدبي يكتب نهايتكِ الحقيقية قبل أن تنتهي روايتكِ."
ردت عليه وهي تلتفت لتعود إلى الأدراج العلوية، تاركة إياه خلف ظهرها في قمة الاستخفاف بخطره: "روايتي بدأت لتوها، وفي عالمي، الكاتب هو الوحيد الذي يقرر من يبقى ومن يرحل. أما أنت.. فأنت مجرد شخصية ثانوية نسيتُ أن أضع لها اسماً في مسودتي الأولى."
عادت إلى مكتبها في الأعلى، والهدوء يلفها من الخارج، بينما في داخلها كانت العواصف تشتعل. جلست، أشعلت شمعة جديدة، وغرست ريشتها في الحبر. بدأت تكتب بسرعة جنونية، وكأنها تفرغ صراعات الواقع على الورق. كانت تكتب عن "ميرا" التي واجهت الشيطان في عره، وعن الأقنعة التي بدأت تتشقق تحت وطأة الحقيقة.
.
.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. القصر الذي يبدو في النهار شامخاً ومهيباً، تحول في الليل إلى وحشٍ حجري يتنفس عبر صرير الأبواب وحفيف الستائر. لم تكن "ميرا" خائفة، فالخوف شعورٌ غريب على قلبٍ آمن بأن الحقيقة هي النور الوحيد الذي يستحق المخاطرة.
بجانبها، كانت "ريما" ترتدي معطفاً داكناً، ملامحها متوترة لكن عينيها تشعان بإصرارٍ جديد. "ميرا، الحراس يغيرون نوباتهم الآن. أمامنا عشر دقائق فقط قبل أن يمر 'صاحب الرداء الرمادي' من الرواق الجنوبي،" همست ريما وهي تراقب ممر الخدم الضيق.
أومأت ميرا برأسها، وأخرجت المفتاح البرونزي. لم يكن مجرد قطعة معدن، بل كان في نظرها "قلم الحقيقة" الذي سيفتح كتاب الأسرار. "تمسكي بهدوئكِ يا ريما. تذكري، نحن لا نسرق.. نحن نسترد تاريخاً سُرِق منا.
تسللتا كظلين يهربان من ضوء القمر. كانت رائحة الشمع المحترق تملأ المكان، واللوحات المعلقة لأسلاف العائلة بدت وكأن أعينها تتحرك لمراقبتهما. وصلا إلى الباب الخشبي الضخم المزخرف برموز غريبة. وضعت ميرا المفتاح، ودار القفل بصوتٍ مكتوم، وكأن الباب يرحب بمن يملك الجرأة للدخول.
بالداخل، كانت "غرفة السجلات الكبرى". آلاف الملفات المصنفة حسب السنوات. لم تكن سجلات عادية، بل كانت "سجلات الأرواح". هنا يُكتب كل شيء: نقاط الضعف، الديون، الفضائح، والخيانات التي استُخدمت لتركيع الناس.
"ابحثي في جناح عام 2010،" أمرت ميرا بصوتٍ هامس. "هناك بدأت الحكاية، وهناك دُفنت الحقيقة التي غيرت مجرى حياتي."
بينما كانت ريما تبحث بين الرفوف، كانت ميرا تتأمل المكان. شعرت فجأة ببرودة غريبة تجتاح الغرفة، وبدأت الأوراق تتطاير بفعل تيار هوائي مجهول المصدر. وفي وسط تلك الفوضى، سقط ملفٌ أحمر تحت قدمي ميرا.
فتحت ميرا الملف، لتجد فيه صورة قديمة لوالدها، وبجانبها ملاحظة مكتوبة بخط اليد: "تم استعارته بنجاح.. القناع القادم: الابنة."
اتسعت عينا ميرا، وشعرت بصرخة صامتة تمزق صدرها. لم تكن مجرد "مرممة أرشيف"، بل كانت هي "المشروع القادم" الذي يخطط له القصر. تحولت نظرتها من الدهشة إلى غضبٍ مقدس.
"ميرا! لقد وجدته!" نادت ريما وهي تحمل دفتراً أسود صغيراً. "هذا هو سجل الاجتماعات السرية، وهنا توجد أسماء كل 'الأرواح المستعارة' في هذه المدينة."
في تلك اللحظة، سُمع صوت وقع أقدام ثقيلة تقترب من الباب. تجمدت ريما في مكانها، لكن ميرا أمسكت بيدها بقوة. "لا تتحركي. تذكري من نحن.. نحن المؤلفات، ونحن من ننهي هذا المشهد."
سحبت ميرا ريما خلف ستارة مخملية ضخمة قبل أن يُفتح الباب ويظهر "صاحب البدلة السوداء" حاملاً شمعة وحيدة، وعلامات الشك تملأ وجهه.
.
.
نهاية الفصل الثالث ....
يقولون إن الكاتب يعيش ألف حياة، لكنهم لا يعرفون أن الكاتب الحقيقي هو من يموت ألف مرة ليعيد إحياء الحقيقة في سطوره. في هذا الفصل، {رقصة الأقنعة}، لم أكن أكتب مجرد كلمات، بل كنتُ أنبشُ في قبورِ الزيفِ التي يحاولُ البعضُ دفننا فيها.
لقد كانت 'ميرا' في هذا الفصل هي صوتي الذي يرفض الانكسار، وكانت 'ريما' هي الدليل على أن النقاء يمكن أن ينتصر حتى في قلب الظلام. أردتُ أن أقول لكل من يقرأ لي: لا تخشوا الأقنعة، فهي هشةٌ كالشمعِ أمامَ حرارةِ الصدق.
.
.
.
بوصولنا لنهاية هذا الفصل، أعلنُ أن اللعبة قد تغيرت؛ فالمؤلفُ الذي يملكُ الحقيقة، يملكُ السلطةَ المطلقةَ على مصيرِ الشخصيات.. حتى تلك التي تظنُ أنها تحكمُ الواقع. شكراً لكل من آمن بقلمي، ولتستعدوا للفصل القادم، فالحربُ لم تبدأ بعد، والصدقُ هو الرصاصةُ الوحيدةُ التي لا تخطئ هدفها."
بكل فخر، كبرياء، ويقين،
الكاتبة : جوليا 🤍🥀🕯️
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!