وضع القراءة:

📜{ اَلْفَصْلُ اَلأَوَّلُ : عـبـقُ الأَسـرار }🕰️

**.
.****
"يقولون إن العيون مرآة الروح.. لكن ماذا لو كانت الروح نفسها مجرد ثوبٍ استعرناه لنخفي به عيوبنا؟"****
.**
كان المطر يقرع نافذة السيارة الأجرة بقسوة، وكأنه يحذرني من المضي قدماً. أمام تلك البوابة الحديدية الضخمة التي تآكلت أطرافها بفعل الزمن، وقفتُ ألملم معطفي الأسود حول جسدي، وأمسك بحقيبتي التي تضم أدوات الترميم.. وربما بقايا شجاعتي الأخيرة.
لم يكن قصر السيدة "نجاة" مجرد بناء من الحجر، كان يبدو كعملاق نائم يحرس أسراراً لا تنتمي لزماننا. بمجرد أن فُتح الباب، استقبلتني رائحة مميزة؛ مزيج بين خشب الأرز المعتق، شمع النحل، وشيء آخر.. شيء يشبه رائحة "الماضي" حين يقرر أن يتنفس مجداً.
"أنتِ ميرا؟"
جاء الصوت بارداً، رزيناً، ومنبعثاً من عمق الردهة المظلمة. كانت السيدة نجاة تقف هناك، بوقارها الذي يشبه تماثيل الرخام، تنظر إليّ بعينين لا يمكن قراءتهما.
"نعم سيدة نجاة، جئتُ من أجل الأرشيف."
ابتسمت ابتسامة باهتة لم تصل لعينيها، ثم أشارت بجهة يدها نحو ممر طويل ينتهي بباب خشبي ضخم:
"الأوراق في الداخل يا ابنتي.. لكن تذكري، الأرشيف يشبه المرآة؛ إذا نظرتِ فيه طويلاً، سيبدأ هو بالنظر إليكِ."
دخلتُ الغرفة. كانت الكتب مكدسة حتى السقف، والوثائق مبعثرة كأرواح ضائعة تنتظر من ينطق باسمها. وضعتُ حقيبتي على الطاولة الخشبية، وبينما كنت أزيل الغبار عن أول ملف، سقطت ورقة صغيرة.. لم تكن عقداً، ولم تكن صك ملكية. كانت رسالة مكتوبة بخط يد مرتجف، تحمل ختماً أحمر مكسوراً، وبداية جملة واحدة جعلت قلبي يخفق بعنف:
"إلى من سيجد هذا.. احذر، فأنا لستُ أنا."
.
.
تسمرت يدي فوق الورقة. كانت الجملة "احذر، فأنا لستُ أنا" تبدو وكأنها صرخة مكتومة من الماضي. لم أكن أعلم أن الكلمات يمكن أن تمتلك برودة حقيقية، لكنني شعرت بقشعريرة تسري في ظهري رغم دفء الشموع المحيطة بي.
"هل وجدتِ شيئاً يثير الاهتمام؟"
قفزتُ من مكاني، وكدتُ أسقط المحبرة فوق السجادة العتيقة. كان إلياس يقف عند عتبة الباب، جسده الطويل يحجب ضوء الممر، وعيناه تراقباني بفضول ممزوج ببرود لم أعهده من قبل. لم أسمع صوت خطواته، وكأنه انسل من بين الظلال.
أخفيتُ الورقة بسرعة خلف ظهري، وقلبي يقرع طبول الحرب:
"لا.. فقط.. الغبار كثيف هنا، أحاول ترتيب الملفات الأولى."
خطا خطوة للداخل، ووقفت عيناه على حقيبتي المفتوحة ثم انتقلت لتتفرس في وجهي:
"السيدة نجاة مهووسة بالنظام، لكنها تخشى الأسرار التي لا يمكن ترتيبها. نصيحة لكِ يا ميرا.. لا تبحثي بعمق، بعض الصناديق أُغلقت لسبب وجيه."
"أنا هنا للترميم فقط، لست محققة،" أجبتُه بنبرة حاولتُ جعلها واثقة.
ابتسم إلياس ابتسامة جانبية غامضة، ثم اقترب حتى شعرتُ ببرودة معطفه :
"الترميم هو إعادة إحياء الموتى يا ميرا. وبمجرد أن يستيقظ الميت، لن يعود للنوم بسهولة."
تركني وغادر، مخلفاً وراءه رائحة تبغ معتق وأسئلة لا نهاية لها. من هو؟ ولماذا يبدو وكأنه يعرف ما تحتويه هذه الأوراق أكثر مما تدعي السيدة نجاة؟
عدتُ للورقة المخبأة. قلبتُها ببطء، وفي أسفلها بجهة اليمين، وجدتُ ختماً صغيراً جداً، لم يكن شعار العائلة، بل كان رسمة لعينٍ واحدة مفتوحة، وفي وسطها حرف (J).
شعرتُ بالدوار. هذا الحرف.. هو ذاته الذي رأيتُه محفوراً على صندوق خشبي صغير في قبو والدي قبل سنوات. هل يمكن أن تكون رحلتي لهذا القصر مجرد صدفة؟ أم أنني كنتُ ضحية "روح مستعارة" منذ البداية؟
أخذتُ نفساً عميقاً، وأغلقتُ ملف الأرشيف الأول. غداً سأبدأ العمل الحقيقي، وغداً سأعرف من كان يرتدي قناع "أنا" في تلك الرسالة.
.
نهاية الفصل الأول ....
يقولون إن الكلمات هي الأثر الوحيد الذي لا يمحوه الزمن، واليوم.. أضع بين أيديكم أثراً جديداً."
4 قراءة
1 إعجاب
5 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (5)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 52 دقيقة
.**
بداية محمسة ❤️‍🔥
منذ 49 دقيقة
قفزتُ من مكاني، وكدتُ أسقط المحبرة فوق السجادة العتيقة. كان...
اوه🙃🙊
منذ 46 دقيقة
فقرة 46
💔🫠خفت
منذ 45 دقيقة
فقرة 52
ههه بداية النهاية 💔🥲
منذ 42 دقيقة
فقرة 60
جديدا جميلا ويحمل في طياته نبضاً مختلفاً . استمري 🩷🎀

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.